أقلام واراءزوايا

مع اقتراب ذكرى الثورة… الإقرار بالفشل حافز لكسب الرهان!…بقلم: محمد عبد الحكم دياب

index
اكتسب الشباب العربي ومنه شباب مصر خبرة كبيرة في الحشد والاحتجاج.. وكانت مكتسبات صادقة وجادة ومطلوبة في حينها؛ أثناء الثورة وخلال فترات الانتقال، وما زال الأمل معلقا على تحويل هذه المكتسبات إلى ثقافة تؤصل للتحرر من الخوف الذي سيطر على المواطن فيما قبل 2011، وهو عام فاصل بين عهدين وطريقين مختلفين..
وانتهى الوضع إلى غرور مصحوب بحمق شديد من أباطرة المال والتطبيع وملوك الطوائف وشيوخ المذاهب وفلول مبارك؛ يبذلون قصارى جهدهم لإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.. وهو المستحيل بعينه؛ فما ذهب لن يعود مهما كان الحال.. فبضاعتهم فاسدة، وما زالت مستندة إلى منظومة الاستبداد والفساد واستمرار الاعتماد على الحلول المعلبة «سابقة التجهيز» الواردة من خارج الحدود.
وبجانب هذا هناك جهود أخرى خارقة لعودة الخوف، واستعادة نهج مبارك الابن – العادلي. ورجعت تصرفات بعض رجال الشرطة إلى أسوأ مما كان قبل يناير 2011.. استأنفوا وتمادوا في الثأر وتصفية الحساب من الشعب، الذي استطاع خلع وعزل رئيسين خلال 29 شهرا؛ فيما بين 25 يناير/كانون الثاني 2011 و30 يونيو/حزيران 2013.. وأثبتوا أن ذاكرتهم مثقوبة.. وطموحهم فاجر.. وأنساهم ما جرَّته جريمة قتل خالد سعيد، وكانت من أهم أسباب انفجار يناير المدوي. والدعوة للحشد والاحتجاج لا تكفي وحدها لكسر القيود المكبلة للثورة؛ هذ على الرغم من أن الحشد ممكن، لكن جدواه محدودة، والاحتجاج يمارس إلا أنه يحدث في جزر متباعدة.. ويعود ذلك إلى غياب الحافز؛ وهو حافز الثورة.. وإنكار الحاجة إلى «مشروع وطني جامع، وعدل اجتماعي شامل، وموقف وطني واضح» من غير خلط بين العدو والصديق أو المنافق؛ وتغطية ذلك الخلط بنصوص كتب المحفوظات المدرسية القديمة وأناشيد طابور الصباح العتيقة.. والعمران البشري المعاصر يعنيه تغيير الإنسان، وتنشئة أجياله الجديدة بعيدة عن أساليب «التلقين والحفظ» والدورات التجارية «سابقة التجهيز»؛ ليس بهذا يتم إعداد الشباب، وتُنمَّى مداركهم وثقافتهم ويزداد وعيهم. أقول هذا من وحي رسالة وصلتني على بريدي الألكتروني وعنوانها: «نازل لوحدي يوم 25 يناير ولا ادعو للنزول؛ ليست دعوة للتظاهر يوم 25 يناير – 2016 و لكنني سأتظاهر بمفردي»..
والمفاجأة في الرسالة أنها من الأخ والصديق أستاذ الجيولوجيا المعروف بجامعة حلوان يحيى القزاز؛ من مؤسسي «حركة استقلال الجامعات» المعروفة باسم «حركة 9 مارس»؛ أهم حركات هذا القرن في مصر.. وتمكنت من إخراج الشرطة والأمن من الجامعات والمعاهد العليا.. وهو إنجاز لو تعلمون عظيم..
كان القزاز في طليعة مؤسسي الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية» في 2004، وبدأت بكسر حاجز الخوف من السلطة والسلطان، ونزلت بوقفاتها واحتجاجاتها إلى الشارع؛ تواجه حكم عائلة مبارك.. وشكلت «حالة» انتهت بثورة يناير 2011.. والقزاز أول من اقترح انتخابات رئاسية مبكرة في ديسمبر 2012، وهذا الاقتراح تبناه «المجلس الوطني» المصري وأصدر به بيانا في يناير 2013.. وأخذت به «حركة تمرد» وقد احتضنها القزاز وقدمها للناس فشقت طريقها وحققت هدفها.. بجانب مبادرات وتفاصيل عديدة لا يتسع لها المجال.
تناولت رسالة القزاز تجاوزات الشرطة وانتقدت تجاهل الرئيس السيسي لها.. ورأى أنه ليس أمامه من سبيل غير الرضا «بالسلخ والتعذيب والقهر وهتك العرض».. لذا يذهب لميدان التحرير لبعد الرئيس عما يحدث.. ويرغب أن يُسمعه صوته؛ وعبر عن ذلك بطريقته: «قلت اخرج اروَّح عن نفسي وافرَّج من همي، واحج لكعبتي في ميدان التحرير، وادعي ربي يمكن يستجيب ويفرَّج الكرب ويُزيح الغم، أو أزَعَّق (أصرخ) يمكن الريس يشوفني هناك في المكان الفسيح، ويمكن يسمع صوتي، ولو لا شافني ولا سمع صوتي في ميدان التحرير.. ساعتها.. يمكن الريح تحمل انفاسي المتهالكة عبر الأثير في الفضائيات.. يشوفني الأسياد…. ويقولون «عيب اللي بيحصل في حقوق الإنسان».. ووصف القزاز نفسه بالعنيد، الذي لا تخيفه التصنيفات.. وانه لا يخاف «إلا من ربنا».
ويطلب من الناس أن تضع نفسها «مكان اللي اتبهدل.. واللي اتذل.. واللي اتهان.. واللي اتسلخ.. واللي مات من القهر.. والتعذيب.. والسجان». ومحذرا من «الطبالين والنصابين».. وهم يغرون الرئيس.. ولو نفعوا غيره سينفعونه.. ومن تغطى بالسلطة عريان.. ومن تغطى بالشعب دفيان».. واختتم الرسالة بالإشارة إلى أنه لا يدعو للنزول؛ أنه «لوحده نازل في 25 يناير».. يحمل شنطته وفيها كفنه وبدلته.. للموت أو السجن!. حاولت قدر الإمكان تلخيص الرسالة المنشورة على وسائط التواصل الإلكترونية، وأرجو أن أكون نجحت في توضيح موقفه ووجهة نظره.
وعلى الفور اتصلت به لأقول له مهلا يا عزيزي؛ فالعلاقة الدائمة والمواقف المشتركة والحوارات المتصلة بيننا تعطيني حق مناقشتك في دعوتك.. وتعلم آرائي ومواقفي بما لها وما عليها.. ومنها ما تأكد مع توالي الإجراءات والمواقف الرسمية وشبه الرسمية.. وتذكر محاولتنا فهم ثورة غير مسبوقة: «عابرة للأيديولوجيات والطوائف والأحزاب»؛ لم تحسب نفسها على أيديولوجية أو طائفة أو حزب؛ ثورة الجميع، الذين ذابوا في طوفان ملايينها.. وساوت بين الرؤوس، وعادلت القامات، وأثلجت الصدور؛ بإسقاط أعتى نظم الاستبداد والفساد والتوريث المعاصرة، وقلت عندي الاستعداد لأوجل موضوع مقالي الذي بدأت فيه، إذا لم تمانع في تناولي للرسالة ومناقشتها.. فرد بالقطع لا أمانع، فهذا يثري حوارا ضروريا في الأوضاع الثأرية الحالية.. والتي تتفادى استخلاص حلول وبدائل للأزمات المستعصية.. وتركها للغرباء يتصرفون فيها «احتراما وتقديرا للشرعية الدولية»(!!) وإقرارا ببقاء حالة التبعية على ما هي عليه!!
إشكالية الثوار أنهم يكتفون بما اعتادوا عليه، وهناك من يرى في ذكرى الثورة القريبة فرصة للحشد والاحتجاج؛ في ظروف تراجعت فيها إمكانية الحشد وانحسرت فيها سبل الاحتجاج.. وأذكر القارئ وأذكر نفسي بما كتبناه؛ فعلى الرغم من عظمة ثورة يناير وموجتها الثانية في يونيو/حزيران إلا أن شبابها وشيوخها لم يدركوا أن الحشد عمل موسمي مؤقت، وكذلك الاحتجاج.. وهي آليات لم تردع الثورة المضادة؛ فاستمرت تُسخر المال والجهد والبلطجة والموت لقطع دابر الثوار، وتركب موجاتها؛ وتواصل الخداع والتدليس وشراء الذمم والإفساد من الداخل.. ومن يتصور أن الحشد والاحتجاج حلا عليه أن يتأكد أن: «التاريخ لا يُكرر نفسه».. وهذه حقيقة توصل إليها العلماء والمفكرون من قرون.
قد تتشابه الوقائع لكنها لا تتكرر.. ويؤكد الفيلسوف اليونانى القديم هرقليطس: «أن المرء لا ينزل فى نفس النهر مرتين».
والمقصود ان المياه متغيرة؛ متحركة ومتدفقة. وإذا ما تأملنا النهر الذي نظنه مستقرا وراسخا، فسنجده غير ذلك النهر، الذي كان قبل لحظات، فمياهه تتجدد وتتحرك، وهكذا كل الأشياء؛ بما فيها البشر. فثمة شيء ما قد تغير!!
وإذا كانت هناك مشكلة في نهج السيسي وطريقة حكمه، فإن المشكلة الحقيقية هي الإصرار على عدم الالتزام بالأهداف العظيمة للثورة؛ «عيش وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية»، فلم تتحقق، وعلينا أن نعترف أن ذلك فشل، وكل منا له فيه نصيب، وحين يجف نبع الثورة، وتضعف روح العمل الجماعي.. وتحل الفردية والنرجسية والأنانية تتركنا الثورة وتذهب إلى حال سبيلها.. فهي لا تتحقق بذاتها، وعند إدارة الظهر لها وتأجيلها فبديلها حكم رشيد. ولم تكن الخسارة خسارة الثورة وحدها، بعد أن صاحبها الفشل في إقامة الحكم الرشيد.. ومع ذلك فما زلنا نراهن عليها!!.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب
القدس العربي

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى