الاخبارشؤون فلسطينية

حكاية حنان… التي تنافس على أفضل مدرس بالعالم

349
رام الله ـــ سليمان بشارات- بداخل زقاق مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين جنوب الضفة الغربية ولدت المعلمة حنان الحروب (43 عاماً) في جو من الحرمان والمعاناة قبل أن تنتقل للعيش بمدينة رام الله، لتجعل من تجربتها وإصرارها على قهر الظروف التي مرت بها حكاية تعيد رسم حالة من التحدي لتثبت للجميع أن الإرادة يمكن لها أن تحقق طموحاً وتعيد “الأمل” المسلوب من على وجوه أطفال عايشوا الاحتلال وما يخلفه من عنف.

فقد استطاعت “حنان” المعلمة بمدرسة “سميحة خليل” الحكومية بمدينة رام الله شمال الضفة الغربية، أن تصل إلى المرحلة ما قبل النهائية لتكون واحدة من بين أفضل 10 مدرسين عالميا ضمن الترشيحات لجائزة أفضل معلم بالعالم ضمن مسابقة (غلوبال تيتشر برايز) في بريطانيا، والتي تبلغ قيمتها مليون دولار أميركي.

بداية التحدي
مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر/أيلول 2000، كانت حنان الحروب على موعد مع حادث إصابة زوجها برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي أمام أعين أطفالها فيما أعقب الجنود جريمتهم بالابتسامة، لتكون من هنا نقطة “الانطلاق بحثا عن الوسائل والأساليب التي يمكن من خلالها أن تعيد البسمة لأطفالها بعدما أصبحوا منعزلين عن العالم”، كما تقول لـ”العربي الجديد”.

أطفالها، الذين كانوا على مقاعد الدراسة، لم يستطع أحد المدرسين أن يعرف طبيعة معاناتهم أو يمتلك الوسيلة للتعامل مع ما حدث لهم، فما كان من حنان التي كانت ربة منزل وقتها إلا أن تجتهد بالبحث عمن يعالج أطفالها ويخرجهم من حالتهم النفسية، فبحثت وواصلت الجهد حتى تمكنت أخيرا من معالجتهم عبر وسائل عدة استخدمتها معهم، إلى جانب عرضهم على الأطباء النفسيين.

تقول حنان: الحادثة التي تعرض لها أطفالي، ورغم أنني لم أكن قد التحقت بعد بالجامعة للدراسة، دفعتني إلى تكريس جهدي مستقبلا لأمنح الأطفال ما حرم منه أطفالي من عناية ورعاية”، فما كان منها إلا أن التحقت بالجامعة مرة أخرى بعدما تركتها لعدة سنوات نتيجة ظروفها الأسرية، ولتعيد النظر في تخصصها الذي كانت تحب وهو دراسة الأحياء، لتلتحق ببرنامج تدريس “التربية الابتدائية” الذي سيقربها أكثر من الأطفال.

جهد متواصل، ومحاولة لتحقيق توازن ما بين واجبات البيت، والدراسة الجامعية، كان التحدي الثاني، إلا أن وقوف زوجها بجانبها ودعمه لها كان له الدور الكبير في اجتياز هذه المرحلة والتخرج من الجامعة، كما تشير حنان، والتي ترى أن لزوجها دوراً كبيراً في تعزيز ما وصلت له حتى اليوم.
وفي أعقاب تعيينها مدرسة، قررت الحروب تدرّيس طلاب الصّف الثاني الأساسي، لإداركها كما تقول، أن الأطفال “بهذا العمر أكثر حاجة إلى من يساندهم ويتفهم مشاعرهم وحالتهم النفسية، وقد نجحت في الاقتراب منهم كثيرا والنزول إلى مستواهم وتفهم حاجتهم ورغبتهم”.

أساليب ووسائل
وتشير الحروب إلى أنها لتحقيق هدفها في تعديل سلوكيات الأطفال التي تنتج عن تعرضهم للعنف بشكل مباشر أو غير مباشر من ممارسات الاحتلال، بدأت بوضع أساليب من خلال أدوات أوجدتها داخل المدرسة وبشكل خاص الصفوف التي تشرف على تعليمها، حيث تسعى لتوفير الأمان والثقة التي حرم منها الطفل بهدف المساعدة في تحقيقها على تغيير سلوكيات من خلال إيجاد بيئة آمنة تساعدها في ذلك.

وحتى تحدث تغيرا في سلوكية الأطفال، تقول الحروب إنها تحاول أن تعيش حالة الطفولة لكل طالب تُدرسه حتى تقترب منه، ومن ثم توفير بيئة له يشعر من خلالها بطفولته، وبعد ذلك بيئة صفية تعليمية فيها من الأدوات والألعاب والوسائل، حيث تمتلك بداخل الصف أكثر من 70 لعبة ووسيلة تحاكي اهتمامات الطفل التي يمكن من خلالها التأثير في سلوكياته وتنعكس بعد ذلك على تحصيله العلمي.

وتعتمد الحروب في تدريسها على منهجية “الحد من العنف، و”نلعب ونتعلم”، التي استطاعت من خلالهما غرس قيم وأخلاق تربوية وأكاديمية في نفوس الطلاب، وتقول عن ذلك: “أجلس مع الأطفال، أحاول أن افهم نفسية الطفل، وأجعله قريبا مني ويشعر بالأمان، وفي المقابل استكمل الدور من خلال اللعب والمرح”.

وتشير الحروب إلى أن ما يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال انعكس على سلوكيات الأطفال على شكل عنف، أو خوف، وأنا أحاول أن أعالج هذه السلوكيات لدى الأطفال بشكل مباشر أو غير مباشر ليكون هناك جيل يتمتع بالثقة بالنفس.

وبالرغم من أن الحروب مُدرسة في إحدى المدارس الحكومية، إلا أنها تميزت عن باقي زملائها من المدرسين والمدرسات، حيث حولت غرفة الصف الخاصة بطلبتها إلى ما يشبه لوحة متكاملة تتشكل ملامحها من وسائل وأساليب، ولوحات ورسومات، وقاعة تدريس تعج بالحركة والألوان التي تجعل الطفل يعيش الجو التعليمي بقالب مختلف عما تعكسه الصورة الذهنية التي ترتسم لدى الطفل قبل وصوله المدرسة.

قد يكون توفير الوسائل والأدوات غير متاح وبحاجة إلى ميزانية كبيرة، إلا أن الحروب تمكنت من التغلب على ذلك من خلال “توفير الأدوات والوسائل مما يتوفر بالطبيعة وما يتاح من مواد بسيطة، إضافة إلى الإنفاق من راتبها الشخصي، أو من خلال الاستفادة مما يتوفر في البيت من مكونات يمكن تحويلها إلى أدوات ووسائل تعليمية، وما ساعدها بذلك هو تفهم العائلة لطبيعة مهنتها وتشجيعها لها، فأبناؤها الذين أصبحوا طلاباً بالجامعات وزوجها المتفهم لأهمية دورها ساهم في منحها الاستقلالية بذلك”، كما تقول.

جائزة أفضل معلم
وكما هو تميزها جاء بنابع ذاتي فردي، كانت مشاركتها بالترشح لجائزة أفضل مدرس بالعالم، وحول ذلك تقول الحروب، إنها قامت بتعبئة نموذج المشاركة بالمسابقة بشكل فردي، وبعد فترة من الوقت تم التواصل معها للإجابة عن العديد من القضايا والاستفسارات، ولم تكتف اللجنة بذلك فقط، بل أرسلت طاقمها إلى رام الله لتصوير الأسلوب الذي تعتمده في التعليم.

تقول الحروب، بعد جولة من الزيارات والتقييمات تم اختياري ضمن أفضل 50 مدرسا بالعالم من بين أكثر من 8 آلاف دخلوا المنافسة على الجائزة، وبعد ذلك استمرت التقييمات حتى تم ترشيحها لتكون ضمن أفضل 10 مدرسين على مستوى العالم، والآن أنافس على المركز الأول.

وتعبر الحروب عن ثقتها في الحصول على لقب أفضل معلم على مستوى العالم، وتقول إن شعورها هذا مستمد من ثقتها بما تقدمه وإيمانها برسالتها المهنية والدعم المعنوي الذي حصلت عليه من الجميع.

العربي الجديد

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى