ثقافة وادبزوايا

رواية «راكب الريح» ليحيى يخلف .. حكايات فلسطينية معتّقة نجت من «مدافع لا تجيد القراءة» !

20161503074806

الايام – كتبت بديعة زيدان: هي ليست حكاية فارسية، أو هندية، أو فرعونية، أو بابلية، وبطبيعة الحال هي ليست حكاية من حكايات “ألف ليلة وليلة”: “شهريار وشهرزاد”، و”علي بابا والأربعون حرامي”، و”رحلات السندباد البحري السبع”، و”علاء الدين والمصباح السحري”، وإن كانت حكاية يوسف في رواية “راكب الريح”، جديد الروائي الفلسطيني يحيى يخلف، والصادرة عن دار الشروق للنشر والتوزيع في عمّان ورام الله، ليست بعيدة عن ذلك المخيال الخصب والمتوهج حد الأسطرة، وكأنها حكاية فلسطينية من زمان عتيق، تصلح لأن تكون من بين ما كان يسرده “الحكواتي” على جمهوره في المقاهي أو الحمّامات التركية، حين كان لـ”الحكواتي” حضوره الطاغي. ففي يافا، المكان “البطل”، تبرز أسطورة يوسف ابن أحمد آغا “الصابونجي”، الذي شذ عن عائلته التي اشتهرت بصيد السمك وصناعة السفن، وبهنانة والدته، التي حرصت وزوجها على تعليمه علوم الفقه، والحديث، واللغة، وحتى الفرنسية، فوقع في عشق الخط العربي بتكويناته وجمالياته، والرسم، والبحر، والقفز من الأعالي، وكل ركن في يافا. وكان لإبداعاته في تلك الفنون جميعها، إضافة إلى تكوينه الجسدي كوسيم كان له من اسمه حظ، وما تميز به من حيوية، وحذاقة، وجسم مفتول العضلات، وجرأة تفوق فيها على أقرانه، دور في اقتناص إعجاب الجميع وانبهاراتهم، وخاصة الفتيات، حتى أن ابنة قنصل الدولة العليا العثمانية في فرنسا، وكانت تقضي عطلتها الصيفية في يافا، أعجبت به، وهي التي كانت جسره إلى “العيطموس”، تلك “الأميرة” القادمة إلى الأناضول، مجهولة الدين، والأصول، مع أن رواية أحد التجار أوحت إلى أنها قد تكون واحدة من بين أطفال اختطفوا، وبيعوا في سوق الرقيق. “العيطموس” أو “هيلين”، التي يتضح لاحقاً، أنها انضمت إلى “حرملك” قصر جركس باشا، كهدية من سيدها الباشا جنكيز للسلطانة “نخشديل”، وهي في سن الثامنة، تميزت فيما بعد أسلمتها بتعلم حفظ القرآن، والرقص، والغناء، والموسيقى، والتركية والعربية واللغات الأوروبية، حتى إن البعض خالها عشيقة جركس باشا، الذي لفها بعباءة هيبته فكانت درعاً يدرأ عنها مخاطر اعتداءات الانكشاريين، بل إن “نخشديل” نفسها منحتها قصراً صغيراً في يافا، فباتت سيدة قصرها الصغير بجواريه وحراسه. شهرة يوسف في الرسم جعلت “العيطموس” تطمح للقائه والتعرف إليه، وبعد زيارتها الأولى له في البازار برفقة ابنة القنصل، دعته لقصرها وطلبت منه رسماً مدفوع الأجر، لتتوالى اللقاءات بينهما في قصرها، ومعه تتحرر من قيود “السلطة”، و”اتيكيت” سيدة القصر، هي التي اعتبرته صديقاً مقرباً، في حين كان كل همه أن يحصل ذات يوم على قبلة منها. يوسف الأسطورة وبالعودة إلى يوسف الأسطورة، هناك العديد من الحكايات في “راكب الريح” الذي هو يوسف نفسه، من بينها قيامه بمفرده بهزيمة كتيبة من “الانكشاريين”، بمجرد أن رأى آثار الحرق في بازاره والذي تسبب بعضهم فيه، حتى بات يصفه أهل يافا بـ”هرقل”، ومن بينهم “العيطموس” التي وجدت في فعله الخارق إنقاذاً لسلطة الوالي والمدينة من نفوذ هؤلاء الغرباء، بينما كان هو على قناعة بأن “قرينه” الذي يسكنه أو يتلبسه هو من يقوم بكل هذه الأفعال الخارقة، كحكايته مع الحوت الذي انهزم أمام سطوة يوسف، حتى إن البعض خاله “حوت يونس” الشهير في القصص القرآني وغيره، والقفز البهلواني من أسوار يافا إلى البحر الذي اعتاد ركوبه كأنه حصان غير جموح، وغير ذلك الكثير مما لا تتسع الكتابة لسرده بذات الأسلوب الشيق، والمساحة الممتلئة بالتفاصيل حول المعمار، واللباس، والعادات، والجغرافيا، وغيرها في “راكب الريح”. وتتوزع حكايات يوسف ما بين يافا، ودمشق، والأناضول، في رحلة قسرية، استثمرها في محاولاته، ووفق نصيحة الشيخ، للتخلص من “قرينه”، والذي ما إن يفعله حتى يحصل على القبلة الحلم من “العيطموس”، حيث لا تفارقه قواه الخارقة، وتجلت من بين ما تجلت في إنقاذه لغزال من براثن فهد كاد يفتك فيه، ففتك يوسف بالفهد. إسقاطات ودلالات وثمة إسقاطات مهمة ولا يمكن إغفالها في “راكب الريح”، أو حكايات فلسطين العتيقة المجددة، على واقعها المعاصر، بل وواقع المنطقة، فاحتلال «الفرنساوي» ليافا، وتدمير مبانيها، وقتل سكانها، يجعلنا نتخيل جيش الاحتلال في محاولاته المستمرة لإفراغ فلسطين من أهلها، وما ارتكبته العصابات الصهيونية من مجازر وفظائع العام 1948. أما الإنكشاريون فإنهم يرمزون، بشكل أو بآخر، إلى القوى الظلامية التي باتت تغزو فلسطين والعالم العربي هذه الأيام، بعضها يحمل فكراً تكفيرياً، وآخر يستمرئ القتل والتدمير والخراب، وهنا أستعير ما وصفتهم به “العيطموس” في الرواية بـ”الغرباء الذين جاؤوا من خارج المدينة، ويثيرون الفتن، ويتحالفون مع فقهاء متشددين يصدرون فتاوى جعلتهم يحرّمون كل شيء، ويكفّرون كل من يخالف الشريعة كما يرونها … وهم أقوى فرقة في الجيش، يتلقون تدريبات عسكرية عمياء، وهم مركز قوة يتدخلون في تعيين السلاطين وعزلهم، وقتلهم إن لزم الأمر، كما أنهم يفعلون كل شيء من سطو، واغتصاب، وفرض أتاوات، ولا أحد يستطيع محاسبتهم”. وفي أحاديث الحكيم الباهر، الذي يقوم يوسف بتوظيف مهاراته الفنية في خط “الثلث” لتسطير كتابه الذي يحتوي على نصوص من “القرآن، والإنجيل، والتوراة، ومعتقدات هندوسية، وبوذية، وجينية”، مقابل تخليص الحكيم له من “القرين”، رسائل سلام يبرقها الراوي هنا على لسانه، حيث يقول الباهر: “الناس في دينكم عيال الله، وهذه الأرض التي يتقاتلون عليها هي أرض الله، والبلاد في الشرق والغرب هي ملك الخالق، وهو الذي يرث الأرض وما عليها يوم القيامة”. كما لا يمكن إغفال الحوار ما بين الحكيم ويوسف، وما له من دلالات تغوص عميقاً في التكوين البشري، والصراع الداخلي ما بين الشر والخير في الجسد الواحد .. خاصة حين ينصحه الحكيم بالقول: “الطاقة قوة مغناطيسية داخل الإنسان مرتبطة بالدماغ … ويمكن أن ننقيها من مظاهر العدوان، والكذب، والنفاق”، بل إن الأمر يصل إلى يوتوبيا ما عند الحديث عن “عالم يخلو من الخطايا”. لغة ابنة زمانها والحديث عن الرموز والإسقاطات يطول، ومع ذلك لابد من الإشارة إلى اللغة السردية الرائقة والسلسة من جهة، والعميقة من جهة أخرى، دون إغفال توظيف يخلف الذكي لمصطلحات عربية لم تعد دارجة، هي ابنة تلك الحقبة، ما يضيف جوّاً خاصّاً ومحكماً في بنية النص، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر “البصّاصون” (المخبرون)، و”مزجّجة” (ترتبط بالحواجب وتعني أنها مشذبة من بعض الشعر)، و”الخويخة” (الباب الصغير)، و”أسحم” (شديد السواد)، وغيرها الكثير، ما يجعل القارئ مضطراً لاستخدام محرك البحث “جوجل” لعله يسعفه في الحصول على معانيها، وكأنه قصد، ليس فقط ربط اللغة بزمان الرواية ومكانها، بل بتحفيز القارئ على إعادة الاعتبار إلى عربية عتيقة باتت منسية، وعربية أقل قدماً باتت مهددة بالانقراض، في زمن انتشار العامية الدارجة، بل ولغة “الفيسبوك”، إن جاز القول. رسائل إلى الفلسطيني الحالي وفي النهاية، يعود يوسف إلى يافا، حيث لا بيت، ولا أحمد آغا (والده)، ولا بهنانة (والدته) .. رحلوا ضمن أربعة آلاف “يافاوي” بالقصف أو بالإعدام على يد جيش “الفرنساوي”، وكم كان مفجعاً له حين علم عن اختيار والده لأن يموت موؤوداً، فانتابته ثورة الغضب مجدداً، وكأن “قرينه” يطل برأسه، بينما سعى هو جاهداً لضبط نفسه وقرينه، الذي رحل إلى غير رجعة. استلقى على أرضية الجامع، قبل أن يتوجه إلى قصر “العيطموس” الصغير في المدينة الموحشة، ليجدها مصابة بالطاعون، ليعلم بعدها باغتصاب عدد كبير من جارياتها من قبل عساكر “الفرنساوي”، بينما نجت سيدة القصر وجاريتها “أسرار” من الاغتصاب بأن لطختا جسديهما بلوث البقر، لتبقيا وحيدتين في القصر المنهوب إلا منهما والمرض الذي يرافق “العيطموس”، ويوسف الذي يسعى لاستشفائها أو إشفائها، وكأنه الأمل في إعادة “العيطموس” وربما يافا بأسرها إلى جادتي الحياة والحرية، وهو ما ينجح به فعلاً، حيث تتحرر يافا، و”العيطموس” و”أسرار” أيضاً … وكأن يخلف هنا، ورغم سوداوية المشهد ما بين ماضٍ قاتم وحاضر ليس أقل قتامة، يبقي على بقعة ضوء، في رسالة للفلسطيني الحالي بأن لا تيأس، فلابد أن في الشعب “يوسف” ما، رغم قناعة “راكب الريح” بأن “المدافع لا تجيد القراءة”.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى