أقلام واراءزوايا

نصف الكأس المصري الملآن…بقلم: معن البياري

index

تحاول التعرّف إلى نصف الكأس المليان في الظرف المصري الراهن. تجول في برامج حوارية في فضائياتٍ مصرية، تُنصت متخفّفاً ممّا في أفهامك عن رداءة النظام الحاكم ونقصان مشروعيته. تطالع مقالاتٍ في جرائد متنوعة الأهواء. تقرأ في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لأصدقاء ومعارف في ضفة عبد الفتاح السيسي عن بلدهم. تفعل ذلك، لعلك تقع على ما تحتاجه من معرفةٍ أوفى عن المشهد العام هناك. تسرّك بعض الحيوية في النقاش العام هناك، في قضايا معيشية وسياسية وأمنية، وتلحظ منسوباً من حرية التعبير عن الرأي له حيّزه المنظور في نقد الحكومة وأجهزتها وأدائها، بل وفي “مسّ” الرئيس، أحياناً، بتذكيره بمسؤولياته في غير مسألةٍ وقضيةٍ، ولكن على أرضية توافق المشاركين، في هذا كله، على التسليم بأهلية دولة “30 يونيو” بإدارة الشأن العام، وبأنه لا مطرح لغير المكوّنات الظاهرة في صدارة التداول الإعلامي والأداء الحكومي في الجدل والأخذ والرد، وفي النقد والانتقاد، أما غيرهم فهم إرهابيون، أو مرتبطون بدوائر التآمر الخارجي. ولا يتم اقترابٌ من قضايا الاحتجاز الاعتباطية في السجون، وكذا مسألة التعذيب في المعتقلات، إلا إذا خصّت هذه وتلك أفراداً أو حالات من غير من يستحقون الاحتجاز والاختطاف والتعذيب، أي من غير الإخوان المسلمين، بكل استسهالٍ واستخفاف، من دون اكتراثٍ بالعامل الحقوقي في أمر هؤلاء الناس.
لا تُيسّر لك هذه التجربة مُرادك، أي معرفة نصف الكأس المليان، بل إنك تزداد يقيناً من أن الكأس كله فارغ، بل ومكسور الحوافّ، ولا شيء فيه يعتدّ به، وكان الضجر قد أصابك به الضخّ الكثيف للأخبار عن ذلك الشخص التلفزيوني البغيض، وصيّروه نائباً، ثم خلعوه، وعن ذلك الوزير المُقال، اللاجئ الآن في أبوظبي، بعد أن كان حارساً لعدالةٍ مفقودة. ظننتَ أن ثمّة أخباراً أخرى تُنصت إليها من حيث مكانها، تجعلك تتعافى من الطنين الذي تسبّب به المذكوران، معطوفاً إليهما الموظف الذي عيّنه السيسي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية. مؤكد أن في مصر أخباراً أخرى عن غير هؤلاء وأمثالهم، عن حاضرها الواعد مثلاً، ومستقبلها الزاهر المرتقب مثلا آخر، سعيتَ إلى معرفتها من مظانّها، فأصابتك خيبةٌ غير هيّنة، زادها أن الإرهاب الذي يستهدف عساكر مصريين في سيناء وجوارها ما زال على وتيرته المرذولة، فقد قضى، أول من أمس، 18 ضابطاً ومجنداً في استهدافٍ لهم في العريش. وكان الظن أن رئيس المخابرات الحربية السابق، والذي يقيم في قصر الرئاسة الآن، مفوّض شعبياً بالقتال ضد الإرهاب، وأنه وعد بهزيمته.
هو عنوانٌ وحيد ظاهرٌ هناك في مصر، إنه فشل نظام “30 يونيو” في كل الملفات، الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية. سمعته دولياً في القاع، ليس طبعاً بفعل مؤامرات “الإخوان” وأحابيلهم، على ما يستطيب إعلام مريضٌ القول والتحليل. وقد اجترحت “الأهرام” كشفاً غير مسبوق، عندما عنونت، قبل أيام، تقريرها عن بيانٍ للبرلمان الأوروبي بشأن بؤس حال حقوق الإنسان في مصر أن هذا البرلمان “وقع في فخ التنظيم الدولي للإخوان” (!). ولم يُخالف البيان حقائق نشرتها منظماتٌ أهلية مصرية، توثّق الفظائع التي لا تتوقف السلطة البوليسية الحاكمة عن اقترافها. أما سمعة هذا النظام لدى القطاعات الأوسع بين مواطنيه، فهو الفشل المضاعف، بعد أن غاب عن أفهام السلطة وأذرعها، الأمنية والإعلامية، أنه ليس في وسع مهرجانات التطبيل والتصفيق أن تخفي المعاناة المشهودة، ومنها أن جنون ارتفاع الأسعار لا يكبحه شيء، وأن الرئيس الذي لم يطرح برنامجاً إبّان حملة ترشّحه لانتخابات الرئاسة (؟) يُبدع في طرائق التسوّل من المصريين، فيطلب منهم التبرّع بجنيه صباح كل يوم.
صار اعتبار الذي جرى يوم 30 يونيو انقلاباً أم ثورةً جدلاً أكاديمياً، لأن الأهم من مسألة من يحكم هو كيف يحكم. والظاهر أنه لا منجز للسلطة التي انبعثت، بعد مساء ذلك النهار، سوى الفشل، أمناً واقتصاداً وسياسة، وكذلك حضوراً في العالم. وما على المواطن المصري إلا أن يحمد الله، لأن بلده ليست في حال سورية والعراق. هذا هو منجز السيسي في النصف الملآن من الكأس، يُتعبك البحثُ عنه فيما هو قدّام عينيك.
العربي الجديد

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى