أقلام واراءزوايا

في السياسة الدولية: دونالد ترامب ونظام أحادية القطبية الدولية … بقلم :د.علي الجرباوي

تنزيل (2)

ثمة حالة استغراب عام تصل إلى درجتي الاستهجان والاستنكار، داخل وخارج الأوساط الأميركية، من الظاهرة التي يمثلها دونالد ترامب وحملته الانتخابية داخل الحزب الجمهوري الأميركي للمنافسة على الترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية. ويتلخص هذا الاستغراب في محاولة فهم وتفسير مدى الشعبية واتساع رقعة التأييد الذي يحظى بها هذا المرشح الغوغائي، صاحب الخطاب السياسي الشعبوي والمواقف الحادة والتصريحات السليطة المثيرة للجدل، في أوساط ناخبي الحزب الجمهوري.
يتساءل الكثيرون كيف يمكن لشخص يوسم، وقد تم ذلك بالفعل، بـ “الفاشية” و”العنصرية”، أن يتصدر قائمة المرشحين الجمهوريين، وأن يكون حتى الآن أقواهم نتائج انتخابيةً داخلية، ما يجعل من إمكانية فوزه بترشح حزبه للانتخابات العامة الصيف المقبل، احتمالاً ليس فقط وارداً، بل قوياً أيضاً؟ أما الطامة الأكبر للمستغربين فيتمثل ليس فقط بإمكانية فوز ترامب بترشح الحزب الجمهوري، وإنما باحتمالية فوزه بالانتخابات العامة في تشرين الثاني المقبل، فيصبح الرئيس القادم للولايات المتحدة الأميركية، القوة العظمى التي تتربع حالياً على قمة النظام الدولي أحادي القطبية.
كيف يمكن لصاحب الأفكار الفّجة الذي لا يُعِلن فقط، وإنما يتبجح أيضاً بكراهيته للأجانب، وسخريته من النساء، وبعدائه للمسلمين، وبإغضابه للحلفاء، أن يجد لأطروحاته تأييد الأغلبية النسبية داخل حزبه؟ فترامب يُريد الترحيل الجماعي لنحو 11 مليون مهاجر غير شرعي، ولكن مقيم، في الولايات المتحدة، كما يريد بناء جدار عازل على الحدود مع المكسيك لمنع تسرّب المهاجرين غير الشرعيين الذين اعتبرهم “مجرمين ومغتصبين”. وبما أن “الإسلام يكره الولايات المتحدة” في نظره، فقد أعلن عن موقفه المُطالب بمنع المسلمين جميعاً، دون استثناءات، من الدخول للولايات المتحدة، على أساس أن هذا الإجراء “ضروري لضمان أمن البلاد”.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل قام ترامب بتوجيه جام غضبه على مجمل الاتفاقيات التجارية الموقعة مع الدول الأخرى، كونه يعتبرها مجحفة ببلاده. فمع أن أميركا تئن تحت وطأة مستوى مديونية مرتفع للغاية، واقتصاد هشّ، إلا أنها فتحت أسواقها للآخرين دون قيود، وبدون ضمان المعاملة بالمثل من جانبهم. لذلك، يُريد مثلاً توجيه اللوم للصين بشأن عدد من القضايا حتى تصبح تجارتها مع الولايات المتحدة أكثر إنصافاً. ويُريد تقنين الإجراءات لمنع إغراق السوق الأميركية بالبضائع الأرخص المُصنّعة خارجياً من قبل شركات أميركية هاجرت إلى دول أُخرى من اجل تقليص التكلفة والتوفير في الضرائب المترتبة عليها، ما يعني خسارة مزدوجة للاقتصاد الأميركي.
أما بخصوص الشؤون الخارجية لأميركا، وبالتحديد ما يتعلق بالعلاقة مع الحلفاء، فإن آراء ترامب عجيبة غريبة، ومنطلقها الأساس هو تقليص العبء والتكلفة على الولايات المتحدة، وتحميل ذلك للآخرين. من هذا المنطلق، فإن عبء وتكلفة “حماية” اليابان وكوريا الجنوبية مُرهِقٌ لأميركا، وعليه لا مانع لديه من تطوير البلدين للأسلحة النووية، فهذا من شأنه أن يوّفر على الخزينة الأميركية التي هي في أمسّ الحاجة للقيام باقتطاعات ضرورية، وخاصةً في مجالات لا يعتبرها ترامب حيوية. وهذا ما يقوده إلى اعتبار حلف شمال الأطلسي مؤسسة “متقادمة” يجب تقليص المساهمة المالية الأميركية فيها، ورفع المساهمات الأوروبية بالمقابل. ناهيك عن أن ترامب يرى أن هذا الحلف أصبح بحاجة إلى إعادة تعريف للمهمات الموكولة له، وبما يُخفف اعتمادية أوروبا على أميركا ويُقلّص من الأعباء الملقاة عليها.
ليس هذا فحسب، وإنما يذهب ترامب لما هو أبعد من ذلك، إذ يطالب الدول التي تعتمد في حمايتها على الولايات المتحدة، كالسعودية مثلاً، بأن تدفع بسخاء مقابل ذلك، وإلا ستفقد الغطاء الأميركي، ولا أهمية بالنسبة له لما يمكن أن ينتج عن ذلك.
وفي المحصلة، فإن ترامب الذي أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان أميركا المريضة: كيف نستعيد عظمة أميركا؟ يريد معالجة “مرض” بلاده بإعادة نهضتها الاقتصادية، من خلال تقليص تدخلاتها المباشرة والمكلفة في الشؤون الدولية، وتحميل الآخرين مسؤولية أكبر. ويُريد ترامب أن يحتفظ لأميركا بالتوجيه والرقابة والقيادة عن بُعد للشؤون الدولية. ولكن في حالات مُنتقاة، حين يكون ضرورياً تلقين الآخرين الدرس المناسب، فإن استخدام القوة المفرطة يصبح أساسياً. وبالتالي، لا يمكن اعتبار ترامب سياسياً انعزالياً يُريد لأميركا الانطواء على نفسها. بل هو مع تعزيز مكانة هيمنتها الدولية، ولكن بتكلفة أقل وكفاءة أعلى.
ونعود للتساؤل: لماذا تجد أفكار ترامب هذه، وهي قائمة على تعزيز ثقافة الشك والخوف، لنفسها صدىً وقبولاً عند الكثير من الأميركان، ما ألهب مشاعرهم وجعلهم يهبوّن لنصرته في حملتهِ لـ “إعادة العظمة” لأميركا؟
قد يكون هناك العديد من الأسباب، ولكن أعتقد بأن أحد أهمها يكمن في ديناميات نظام أحادية القطبية الدولية التي تتربع على سُدته الولايات المتحدة الأميركية منذ تسعينيات القرن الماضي. هذا النظام، ودور أميركا فيه، أدى مع مرور الوقت إلى نمو مشاعر الغضب بين أوساط متزايدة من الأميركان تجاه سياسات وسياسيي واشنطن. منبع هذا الغضب هو الاعتقاد أن قضايا الداخل الأميركي أُهملت لصالح انهماك واشنطن في متابعة الشؤون الدولية. ولذلك، عندما خاض شخص من خارج الدائرة السياسية سباق الترشح الانتخابي، والمقصود هنا ترامب، وبدأ بمهاجمة مؤسسة الحكم متّهماً إياها بالإهمال والتقصير، فإنه وجد قاعدة جاهزة داخل أوساط الشعب كانت تنتظر فقط من يقرع لها جرس الانطلاق، فانطلقت.
يتفق هذا التفسير مع ما يذهب إليه تحليل عدد من متخصصي العلاقات الدولية في دراستهم لآلية عمل وكيفية صمود الدولة العظمى في النظام أحادي القطبية الدولية. يجد هؤلاء أن افتقاد هذا النظام لتوازن القوى يؤدي بالقوة العظمى الوحيدة، أي الولايات المتحدة حالياً، إلى التوقع من نفسها، وتوقع الدول الأخرى منها (بقصد أو دون قصد)، أن يكون لها فعلٌ أو رد فعلٍ تجاه كل ما يدور في العالم من أحداث وتطورات. هذا يحتاج إلى تخصيص الكثير من الموارد لبسط السيطرة المتوقعة. هذا يؤدي مع مرور الوقت إلى ما يمكن تسميته بـ “التمدد المفرط” لقوة هذه الدولة، ما يضع عليها أعباءً كبيرة وينهكها داخلياً، فتبدأ تضعف تدريجياً. عندئذٍ تبدأ التحديات لهيمنتها العالمية تتصاعد من قبل دول كبرى (وليس عظمى) تتنافس معها للصعود على سلم تراتبية المكانة الدولية.
هذا هو وضع الولايات المتحدة حالياً الذي يُحاول دونالد ترامب تعديله من خلال رفع شعار إعادة “العظمة” لها. وفي سعيه لتحقيق هذا الهدف المتمثل، بالنسبة له، بمحاولة إنقاذ وضع أميركا والحفاظ على مكانتها المتفردة على رأس هرم النظام الأحادي القطبية، ينجرف ترامب باتجاه الشوفينية والعنصرية. ولكن مع ذلك تجد أطروحته تأييداً كاسحاً من نواةٍ صلبة داخل المجتمع الأميركي تؤمن بما يؤمن به بالكامل.
إذا ما نُظر إلى الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأميركية من زاوية خارجية تتعلق بالشؤون الدولية، وليس حصرها فقط في التفاوت بين المرشحين بشأن السياسات الداخلية، نجد أنها تشكّل ساحة نقاش ضمنيّ حول قدرة النظام الدولي الحالي أحادي القطبية على الصمود في وجه التحديات التي تواجهها أميركا من دول كبرى أخرى، كالصين وروسيا على سبيل المثال وليس الحصر، على موقع الريادة الدولية. وقد تكون النتيجة، إن لم تنجح أميركا في مسعاها للحفاظ على تفوقها الحالي، تحوُّل هذا النظام من الأحادية إلى التعددية القطبية.
مع أن دونالد ترامب يبدو مُهرّجاً، وفي الكثير من أطروحاته إما ساذجاً أو منفرّاً، إلا أنه لا يجب الاستهانة به واعتباره ظاهرةً فرديةً عابرة. فهو يُعبّر عما هو أكبر من ذلك بكثير؛ عن محاولةٍ طموحةٍ وجادةٍ لحفاظ دولة عظمى على “عظمتها” المتآكلة.
الايام

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى