ثقافة وادبزوايا

حراك الذاكرة ورواية ” صخرة نيرودا” لبكر السباتين.. الدكتور فاروق العمد..

20164181013RN684

تتحدث الرواية عن قصة نكبة فلسطين من خلال تداعيات الهزيمة متكئاً كاتبهاعلى قصة ضياع يافا التي كانت حاضرة الشرق آنذاك بلا منازع.

وهي رواية واقعية مليئة بالحياة وزاخرة بالتفاصيل اليافيّة القائمة على التنوع والتي تضج فيها الحياة وتتمازج المشاعر الإنسانية مع أساطير يافا الكنعانية؛ إذ وفق الكاتب في ذلك.

“ونيرمودا” بالمناسبة هي أميرة يافا القادمة من الأساطير الكنعانية التي أسرها الغزاة فصمدت دون أن تتنازل عن كرامتها في سبيل يافا المدينة التي نسبت إليها.

و”صخرة نيرموندا”رواية تعتبر مخزناً للتفاصيل والذاكرة الحية للإنسان والزمان والمكان. لتعصف بذاكرتنا تفاصيل ما غابت عنا لحظة، وإن فرقنا المحتل البغيض في غياهب الشتات.

ينحاز الروائي إلى بحر يافا السليبة وحنة تربتها، سمائها، عبق المكان وتاريخه، ونضال الإنسان وعنفوانه، ورغم ذلك كان يجد لنفسه متسعاً للحب، حتى أن بطل الرواية مات حباً بيافا.

يأخذنا السباتين في روايته عبر رحلة أثيرية إلى تفاصيل يافا المكانية والاجتماعية باقتدار لم يؤثر في بنية الرواية وحبكة القصص المتوالية فيها لتشكل المعمار المنسجم وفق رؤية الكاتب.. ليتنسم القارئ ذاكرة يافا التي لا تبور شكلاً وجوهراً بحواريها ومعالمها الحضارية وبيّاراتها وبحرها العظيم.

من هنا يرسّخ سباتين لذاكرة المكان ومخزون العشق الأزلي فيها والألم العابر الذي بدد معالمه الفرح العميم في زمن تألق المدينة؛ليستحضر تفاصيلها التي لا تغيب على بال.. فجامع (السكسك) وجامع ابو نبوت، ميدان الساعة، البلدية، البصة وملعبها البلدي، سينما الشرق، الميناء وشارعه المتفرع في جبل القلعة، والمساطب العالية العثمانية التي تصد بحر يافا المزمجر في وجه العواصف، مبنى الجمارك، وشارع الملك فيصل، شارع الخضر، وكنيسة الأرثوذكس،ومصنع السروجي للحافلات الكبيرة، البنك العربي في شارع إسكندر عوض، إذاعة الشرق الأدنى، حفلات عبد الوهاب وأم كلثوم في سينما الحمراء التي كانت تمثل أفخم سينما على الصعيد العربي، سوق الصلاحي، محطة الحافلات، مبنى القشلاق العثماني وغيرها. وتزدان هذه الرواية بشخوصها العفويين، فهذا سعد، او كما يكنى بسعد الخبايا، عبير، داوود، سحر، جابر، خطاف، كبير البحَّارة، الأخوان لاما (أول من ادخل السينما للوطن العربي ومنها إلى مصر) كذلك هناك آل طنوس ووكالاتهم في مجال السيارات. وتتعرض الرواية إلى فترة تاريخية هامة إبّان الانتداب البريطاني لفلسطين، والعلاقة النضالية منذ النكبة عام 1948 في إطار ملحمة إنسانية خيالية.

يأخذنا السباتين من خلال تداعيات الأحداث وبرفقة شخوص الرواية إلى جاراتها ومعالمها بسرد سلس مليء بالصور الشعرية التي استرعها الوصف الخارجي والداخلي في البناء القائم على تيار الشعور ( الوعي)، وبقدرة رائعة في تسلسل التفاصيل، بحيث لا تترك الرواية حتى تصل بك الأحداث إلى آخر جملة فيها “…البحر الذي لا يغادر يافا.” و” من أجلك يا سحر لا بد أن نعيش هنا.. يافا لن تغادرنا، فكيف نعيش دونها.”

وتجدر الإشارة إلى ما أضافه السباتين من نكهة خاصة إلى صفحات روايته من خلال عدد من الرسومات السريالية بريشته، وهي لوحات تضج تكويناتها بالحياة وتناقضاتها لتعبر عن جو الرواية الجامع ما بين الواقع والأسطورة بحرفية عالية.

نعم! ” فلا تستساغ الحياة دون أمل ”

وليعلم كل من يتربص بالحق الفلسطيني بأن هذا الوطن لا يقبل القسمة على اثنين، من البحر إلى النهر، مهما طال الزمن ورغم ما مرَّ عليه من الغزاة والمحتلين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق