الاخبارشؤون عربية ودولية

في الكتب المدرسية المصرية الجديدة: “كأن الثورة لم تحدث”!

index

القاهرة – يظهر الحذف بوضوح ساطع في الصفحة الخامسة. في كتاب نصوص مدرسي حكومية للصف الخامس الابتدائي، تم حذف أحد الأسماء من قائمة الفائزين المصريين بجائزة نوبل: اسم محمد البرادعي الذي كان قد فاز بجائزة نوبل للسلام في العام 2005، مع وكالة الطاقة النووية الدولية التي كان يرأسها.
قبل ثلاثة أعوام، تنحى هذا الدبلوماسي السابق عن منصبه كنائب لرئيس البلاد احتجاجاً على الحملة العنيفة التي شنتها القوات الأمنية على الاسلاميين، فيما اعتبر مؤيدو الرئيس عبد الفتاح السيسي تلك الاستقالة ضرباً من الخيانة. ويبدو أنهم لم يسامحوه بعد.
يقول سامي نصار، أستاذ التربية في جامعة القاهرة والعميد السابق لكلية الدراسات العليا للتربية فيها: “إنهم يعيدون كتابة التاريخ ثانية. الآن السيسي هو الرئيس، ولذلك يجب أن تعكس المناهج الدراسية النظام السياسي”.
منذ ثورة مصر للعام 1952، عندما أطاحت مجموعة من ضباط الجيش بالملكية، ظل نظام التعليم العام يمثل امتداداً للحكومة.  وعرضت كتب النصوص والمناهج الدراسية سرداً مؤيداً للحكومة، حيث تم حذف الحقائق أو تحريفها. لكن تسييس المدارس بلغ الآن ذرى جديدة كما يظهر في محو أو التقليل من شأن مساهمات المعارضين في التاريخ المصري.
توصف ثورة 25 كانون الثاني (يناير) التي أنهت حكم الأوتوقراطي حسني مبارك، الذي امتد 30 عاماً، بفقرات سطحية في كتب النصوص المدرسية الحكومية. وليس هناك ذكر للناشطين الذين كانوا قد أطلقوا الثورة الشعبية، في جزء من انتفاضات الربيع العربي التي انتشرت في عموم المنطقة في ذلك العام.  كما يتم تشويه سمعة الإسلاميين المعتدلين الذين لعبوا دوراً حاسماً في تلك الثورة.
ويقول كمال مغيث، الباحث في المجلس القومي للتعليم في مصر والأكاديمي السابق: “تبدو الأمور وكأن الثورة لم تحدث أصلاً. هناك شخصيات في النظام كانت لها مشكلة مع الثورة وهي تحاول الآن مهاجمة أي رموز للثورة، وليس الدكتور البرادعي وحسب”.
وبالنسبة للمنتقدين، فإن الحذف في الكتب المدرسية هو جهد محسوب يهدف الى تعزيز  سلطة السيسي عبر تحجيم الانتفاضات ومهندسيها الرئيسيين إلى الحد الأدنى. ويقول البعض  أن حالات الحذف تعتبر أحدث مثال على نظام تعليم يتم توجيهه أكثر نحو إرضاء قادة الأمة أكثر منه نحو تعليم الطلاب عن التطورات السابقة بموضوعية.
ويقول نصار: “تكون عيون كاتب الكتب المدرسية على الرئيس، على الرجل الذي يعتلي العرش. إنها طريقة لتملق الحاكم وامتداحه، وذكر ما يعطيه المزيد من النفوذ على الشعب وما يعطيه صورة جيدة. التاريخ ليس تاريخ الشعب. إنه تاريخ الحاكم”.
ولم تستجب وزارة التربية للطلبات المتكررة بالتعليق. لكن الناطق بلسان الوزارة قال في تقارير اعلامية محلية أن اسم البرادعي قد أزيل في عهد وزير التربية السابق، بعد شكوى من أولياء الأمور. وأضاف أنه يجب التحقيق حالياً في الأمر، مضيفاً أنه “لا يجب أن يعيد أحد كتابة التاريخ، حتى لو كانت هناك خلافات بين النظام والدكتور البرادعي”.
بالبعد الذي يستطيع أحد تذكره، كانت أول حالة حذف في المنهاج الدراسي بدافع سياسي قد جرت أثناء رئاسة جمال عبد الناصر في الستينيات. وفي معظم الكتب المدرسية، يجري يصور ناصر على أنه أول رئيس للأمة.  وفي الحقيقة، كانت تلك الميزة لمحمد نجيب، الضابط العسكري الذي أطلق انتفاضة العام 1952 سوية مع ناصر.  وفي ظل حكم خليفتيه -أنور السادات ومبارك- مجدت الكتب المدرسية قياداتهما العسكرية خلال صراعات مصر مع إسرائيل مما جلب لكلا الرئيسين مزيداً من الشرعية.
ثم تم تحريف نظام التعليم مرة أخرى في ظل الرئيس السابق محمد مرسي، الذي قاد الإخوان المسلمين إلى السلطة في العام 2012 عندما أصبح أول رئيس لمصر ينتخب ديمقراطياً. وقد روج المنهاج الجديد لوجهات نظر الإسلاميين، وأصبحت المدارس مواقع لتجمعات وأنشطة الإخوان المسلمين. وتم تعديل الكتب المدرسية لتتضمن صورا لنساء يرتدين البرقع.
وبعد عام لاحقاً، أطاح انقلاب عسكري قاده الجنرال السيسي بالرئيس مرسي، واعتبرت جماعة الإخوان المسلمين جماعة خارجة على القانون. وقال علماء التربية إن آلاف الكتب النصية التي كانت قد طبعت خلال حكم الإخوان دمرت. واليوم، توصف جماعة الإخوان المسلمين في المنهاج الدراسي بأنها فاسدة ومتعطشة للسلطة، وأن إبعادها على يد الجيش كان عملاً مبرراً.
وفي العام الماضي، أزالت وزارة التربية والتعليم أيضاً قصص صلاح الدين وعقبة بن نافع –الشخصيتين الإسلاميتين البارزتين اللتين أثرتا في الإسلاميين المتطرفين- في محاولة للتصدي للتطرف.
واليوم، تذكر ثورة العام 2011 بالكاد في صفحات كتاب التربية الوطنية للصف التاسع. وهي توصف بإيجاز حول كيف أن “الوحدة الوطنية تجلت في أفضل أشكالها”، وكيف أن المسلمين والمسيحيين نزلوا إلى الشوارع للدعوة إلى “الحرية والكرامة”. ولا يوجد أي ذكر لحقيقة أن السبب وراء الانتفاضة كان الغضب الجماعي من حكم مبارك السلطوي والاستبدادي ومحاباته وفساده.
ويقول مغيث: “لا يوجد ذكر للمحتجين الذين قتلوا خلال ثورة 25 كانون الثاني (يناير)، كما ليس هناك ذكر للكيفية التي اندلعت بها الثورة، ولا لسوء معاملة الشرطة، ولا ذكر للفساد”.
ويقول كتاب التاريخ للصف الثاني عشر أن سبب الثورة كان التزوير في الانتخابات وتدهور الاقتصاد والحياة السياسية، وأن الجيش استولى على السلطة من أجل “إنقاذ الثورة”.
ووفق كتاب التربية الوطنية للصف التاسع، تمجد تظاهرات الشوارع الضخمة يوم 30 حزيران (يونيو) 2013 والتي أطاحت بمرسي السيسي وحكومته لوفائهما بمطالب الشعب ولتحقيقهما “الأهداف” التي وضعتها ثورة العام 2011. وقد تمخضت الانتفاضة عن “خريطة طريق وضعت مصر على المسار الصحيح في تطوير مواردها وبناء مستقبلها” كما يقول الكتاب المدرسي.
ويقول نصار: “لقد شارك كل الناس  في ثورة 30 حزيران (يونيو). ولم يكن هناك أي قائد كاريزمي واحد. لكن السيسي في كتب النصوص المدرسية هو البطل القومي الذي قاد ثورة 30 حزيران (يونيو) وأزال الإخوان المسلمين”.
وفي حالات أخرى، أزيلت حتى أقل الإحالات إلى الثورات. وفي العام الماضي، ذكرت القناة التلفزيونية، إيوان 24، أن درساً بعنوان “ثورة الطيور”، والذي تثور فيه الطيور على بقرة مستبدة قد أزيل من منهاج الصف الأول الابتدائي. كما أن مشهداً من مسرحية شكسبير، أنتوني وكليوبترا، والذي يشير إلى ثورة أزيل من منهاج الأدب للصف الثاني عشر.
يبدي المفكرون والمتابعون قلقاً من أن إعادة كتابة التاريخ تقوض الإيمان بالنظام التعليمي. ويقول نصار: “في كل مرة هناك تغيير من جانب إلى الآخر، ومن نهاية متطرفة إلى أخرى”. ويتساءل مستنكراً: “كيف لي أن أصدق الموضوع؟ إننا لا نصدق ما يحتويه منهاجكم. إننا نريد شهادة الدبلوم فقط. هذا هو موقف الطلبة والآباء”.
مع ذلك، من غير المرجح أن تغير حالات الحذف في كتاب النص قيم انتفاضة العام 2011. ويقول مغيث: “كان ذلك حلماً عاشه كل المصريين. إنه جزء من هويتنا القومية الآن. وسيكون من الصعب جداً محوه بالكامل.

سودارسان راغافان  – (نيويورك تايمز)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

“.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
In new Egyptian textbooks, “it’s like the revolution didn’t

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق