أقلام واراءزوايا

إسرائيل والانفتاح الواسع على أفريقيا…بقلم: خيري عمر

index

 

تعد جولة بنيامين نتنياهو في شرق أفريقيا الأولى لرئيس وزراء إسرائيل لأفريقيا جنوب الصحراء منذ 30 عاماً، وتأتي محاولة لـ”العودة إلى أفريقيا”، والواضح أن الهدف الأساسي للسياسة الإسرائيلية يتمثل في إعادة بناء العلاقات الهشة التي تشكلت بعد حرب 1973، والحصول على ميزاتٍ تفضيلية ضمن حزمةٍ تنموية، تشمل قطاعات الزراعة والصحة والأمن المحلي، والحصول على شركاء جدد لا يرتبطون مباشرة بالقضية الفلسطينية، بما يتيح لها حرية التحرك، من دون الارتباط بتقدم السلام مع الفلسطينيين أو تأخره.

تحول سياسة إسرائيل
مرت العلاقات الإسرائيلية ـ الأفريقية بثلاثة أطوار، كان أهمها الحصار العربي ـ الأفريقي لانتشار النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا، لكنها تبنت، منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، سياسة الانفتاح على أفريقيا، وركزت على سياسات بناء الثقة، من خلال المساعدات الفنية والخبراء، لتكوين بنية أساسية للعلاقات السياسية والاقتصادية، لكنها، في المرحلة الحالية، تسعى إلى حدوث انتقال في سياستها الخارجية، بحيث تستطيع إقامة علاقات مباشرة، من دون قيود أو اعتراض من الدول العربية.
وتأتي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أفريقيا في سياق تغيرات إقليمية متسارعة، قد تمثل الشوط الأخير للتحوّل في أزمات الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تسوية الخلافات مع تركيا، ومن ثم تبدو أهمية هذه الزيارة المثيرة للجدل، من وجهة انعكاساتها الإقليمية، في أنها على أعتاب مرحلة تغير في العلاقات السياسية بين بلدان الشرق الأوسط.
كانت عودة العلاقات مع إثيوبيا في العام 1989 مع اقتراب وصول حركة تغراي إلى السلطة، وفي ظل تنامي الدور الأميركي لتفكيك نظام منغستو هيلامريام، وانهياره في 1991، حيث اتجهت إسرائيل إلى تطوير استراتيجيةٍ لاستعادة العلاقات مع بلدان أفريقيا، من خلال استثمار اتفاق السلام مع مصر، والحديث بشكل إيجابي عن الهوية الأفريقية، وتوظيفها في تطوير العلاقة مع بلدان أفريقيا، وهي سياسة نتجت منها استعادة العلاقات الدبلوماسية مع غالبية الدول، في السنوات الأولى من تسعينيات القرن الماضي.
وخلال العقود الماضية، استطاعت إسرائيل بناء علاقات جيدة مع جيرانها، واتخذتها ركيزة لبناء علاقات واسعة مع أفريقيا، فقد أشار نتنياهو إلى هذه الجزئية في لقائه مع الرئيس الكيني، أوهورو كيناياتا، في 5 يوليو/ تموز 2016، واعتبر النتائج المتحققة في الشرق الأوسط غير مسبوقة في التاريخ، ويمكن أن تكون أساساً لعلاقات جديدة مع أفريقيا.
وكاتجاه عام، تعمل إسرائيل على التقارب مع الأفارقة، من خلال احترام الهوية الأفريقية، ففي أثناء المؤتمر الصحفي مع رئيس أوغندا، يوري موسفيني، جاء نتنياهو على كلمة “أفريقيا الجميلة”، وهي إشارة إلى التقارب مع الشعوب الأفريقية، وهذا التناول على نقيض المدركات السياسية والإعلامية العربية التي تحمل، في طياتها، انتقاصاً من “القارة السمراء” وغيرها من المصطلحات المثيرة للجدل.

إطار استراتيجي جديد
وتتركّز أهمية القرن الأفريقي بالنسبة لإسرائيل في الجوانب المرتبطة بتعزيز التجارة مع آسيا، والتعاون مع إثيوبيا، في تكوين منطقة حاجزة لمنع تمدّد الحركات الجهادية في الصومال وتقويض نفوذ إيران. وبشكل عام، ارتبطت هذه العلاقات بالصراع في الشرق الأوسط، ومن ثم، فإن التغيرات الراهنة وإعادة تشكيل النظم السياسية التي يشهدها الإقليم سوف تساعد في إعادة هيكلة العلاقات الإسرائيلية ـ الأفريقية.

وفي أثناء جولة شرق أفريقيا، تشكلت الأجندة المشتركة في عدد من القضايا، شملت مكافحة الإرهاب والتعاون الفني والتدريب في مجال الزراعة، وهي مجالات تعد تقليديةً في العلاقات الثنائية، لكنها، في الوقت الراهن، تمثل تطوراً نوعياً، يرجع إلى سببٍ رئيسي؛ يتمثل في ضعف المزاحمة العربية أو المصرية لتوسع الدور الإسرائيلي في هذه المرحلة، ما يتيح الفرصة لإقامة علاقات تكاملية بديلة عن المشروع الطموح لـ”المؤتمر العربي ـ الأفريقي” الذي انتهى بانعقاده الوحيد في العام 1980، ولم تظهر مشروعات أخرى، جماعية أو ثنائية، تدعم العلاقات العربية الأفريقية.
ولعل الخطورة الراهنة تكمن في تزامن تطوير العلاقات الإسرائيلية مع أفريقيا مع انهيار الإطار القانوني لنهر النيل، وتبلور تحالف ومصالح دول المنابع، ما يزيد من فرص التمكين لإطار “عنتيبي” حلاً وحيداً يفتح الباب أمام الصيغ المختلفة لتقاسم المياه بين دول حوض النيل، وهي صيغ لم تعد تقليدية، كما كانت في العقدين الماضيين، لكنها يمكن أن تتطور للحلول المنفردة، كما يحدث في سد النهضة.
وعلى مستوى الشرق الأوسط، تبدو الصورة أكثر وضوحاً مع توجه السياسة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في التعامل مع قطاع غزة، فمن جهةٍ، يسمح الاتفاق التركي ـ الإسرائيلي بدورٍ لتركيا في دعم القطاع. ومن جهة أخرى، يدعم طلب نتنياهو من إثيوبيا المساعدة في الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس دور الدول الأفريقية في مشكلات الشرق الأوسط، لكن هذا التوجه، في إطاره العام، محاولة لاستبدال الدور المصري، وكذلك دور إيران، بأدوار أخرى، تمنح إسرائيل ميزاتٍ سياسيةً، وتهدئ من التوتر على حدودها الجنوبية.
وعلى الرغم من هذه التطورات، لا تعمل السياسة المصرية ضمن تحالف إقليمي واضح، يساند مطالبها ويعزّز مصالحها. ولذلك، لا تبدو إمكانيات التأثير في دول الجوار الأفريقية أو العربية مرجحةً في المدى المنظور، وفي مقابل وجود شبكة من التحالفات فيما بين الدول الأفريقية، وبين دول الخليج ومنطقة الشرق الأفريقي والسودان، ما يشكّل معضلةً أمام السياسة الخارجية المصرية.
ويبدو القلق، هنا، نابعاً من انكفاء مصر على مشكلاتها الداخلية، حيث تبدو التحرّكات المصرية تجاه أفريقيا بطيئةً، على الرغم من تسارع التحديات المتجدّدة، كما أنها لا تتخذ موقفاً محدّداً تجاه تطوير العلاقات الإسرائيلية ـ الأفريقية، وهو ما يعكس التغيرات التي تشكلت في العقود التالية لاتفاقية السلام مع إسرائيل.
وإذا كانت مصر ترى أن مرحلة الصراع مع إسرائيل انتهت، فهذا لا يعني التغاضي عن وجود تنافس أو تعارض في المصالح الحيوية، وهي معادلةٌ صعبةٌ لا يتضح وجود إطار يتصدّى للتحدّيات المرتبطة بتطور العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، مما يضع موانع أمام محاولات تحسين العلاقات المصرية مع بلدان شرق أفريقيا، فاستمرار الأزمة الداخلية في مصر يعد من القيود التي تعوق فاعلية السياسة الخارجية، وتضعف الاستفادة من ميزات الموقع والسكان في ظل محدودية الموارد الطبيعية.

انفتاح بلا قيود
ويعكس اجتماع نتنياهو برؤساء سبع دول أفريقية في كمبالا الدور الإقليمي التقليدي لأوغندا، كملتقى لتنسيق سياسات الشرق الأفريقي وحوض النيل، وهو دور يقتصر على تعزيز الهوية الأفريقية لهذه المجموعة من الدول، كما أنه يشمل، من وجهة أخرى، الدول الرئيسية في الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد)، حيث التقى رؤساء كل من أوغندا وكينيا ورواندا وجنوب السودان وإثيوبيا وتنزانيا، بالإضافة إلى زامبيا، وهو ما يشكل أرضية للتعاون مع منظمة إقليمية في مكافحة الجفاف والتصحر.
فليس من المصادفة أن زيارات نتنياهو، في الأيام القليلة الماضية، شملت مجموعة دول تقع ضمن المجال الحيوي لمصر، ما يعكس دلالة أن التوجه الإسرائيلي في السياسة الخارجية يسعى إلى بناء سياسة إحلالية للدور المصري مع هذه الدول، ليس فقط في دول حوض النيل، ولكن أيضا على مستوى ليبيا وإيطاليا وتركيا، ويبدو أقرب إلى تحييد هذا الدور أو تهميش تأثيره في هذه البلدان.
وبنظرةٍ على الدول التي زارها نتنياهو، يمكن القول إن مجموعة هذه الدول لا تشكل فقط قلب حوض النيل، لكنها تقدّم مساهماتٍ واضحةً في إدارة الاتحاد الأفريقي، ويتطلع بعضها إلى القيام بدور فعال على مستوى القارة. ولعل السمة المشتركة هي أن مجموعة البلدان الأفريقية أنجزت تحولاً مهماً في أزماتها الداخلية، وينطبق ذلك خصوصاً على كل من كينيا التي أنجزت شوطاً مهماً في التحول الديمقراطي، وزامبيا وأوغندا ورواندا وأخيراً إثيوبيا، فالحكومات في هذه الدول تتمتع باستقرار نسبي، يساعدها في العمل وفق سياسةٍ خارجيةٍ مستقرّة. وهنا، يمكن ملاحظة أن الاتفاقيات التي عقدت، في هذه الجولة، اتسمت بالتبادلية والتوازن، وذلك مقارنة باتفاق “إعلان المبادئ” حول سد النهضة الموقع من مصر والسودان وإثيوبيا، ما يشير إلى أن البلدان الأفريقية صارت أكثر تقارباً مع إسرائيل، ما يزيد من احتمالات الدخول في علاقات استراتيجية.
ويمكن القول إن التصورات التقليدية التي سادت على مدى عقود الصراع العربي ـ الإسرائيلي لم تعد تصلح لتفسير السياسات الراهنة، حيث اعتمدت، بشكل رئيسي، على معيار الصراع، لكن التغير الحالي يقوم، بالأساس، على سياسة ملء الفراغ الناجم عن تراجع السياسة العربية وعدم قدرتها على مجاراة الدور الإسرائيلي، ليس فقط نتيجة مرور البلدان العربية بأزماتٍ داخليةٍ حادة. ولكن، بسبب تغير نظرتها إلى تسوية المسألة الفلسطينية عبر طرق أخرى غير شن الحرب.
ولعل التطور المهم في هذه المرحلة يكمن في انكماش النفوذ العربي في كينيا وإثيوبيا وأوغندا، ويلاحظ أنها شهدت تحولاتٍ مهمة في بناء نظمها السياسية، ووصلت إلى درجةٍ مقبولة في الاستقرار السياسي، يمكن أن تساعدها في بناء علاقاتٍ مستقرة مع إسرائيل، تمكّنها من مقاومة الضغوط العربية، وهو ما يؤدي إلى اختلال العلاقات السياسية لصالح إسرائيل، وبالتالي، تكون منطقة شمال أفريقيا ومصر أمام تحدّيات جديدة في علاقتها مع تخوم أفريقيا “جنوب الصحراء”.

العربي الجديد

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى