أقلام واراءزوايا

عن أيّ حلٍّ يتكلّمون؟…بقلم:سمير العيطة

index

 

الأطراف الداخليّة المنخرطة في الحرب الأهليّة السوريّة جميعها ظالمة. ظلمت نفسها بدايةً حين انخرطت في منطقٍ مُغلَق لا ينتهي إلاّ بنهايتها أو نهاية الآخر. وظلمت وتظلم المدنيين الذين يعيشون في كنفها، عبر أخذهم رهائن بشريّة لمنطقها المُغلق واستخدام مشاهد الظلم من أجل مآرب حربها وليس لكفّ الظلم على أبناء البلد الواحد. هكذا وصلت الأمور في سوريا مع تفاقم الحرب الأهليّة القائمة اليوم إلى حدّ الإجرام… من قبل جميع أطرافها.
السلطة السوريّة أوقعت البلاد في فخٍّ جرّها من ثورةٍ ضدّ الظلم والمطالبة بالحريّة إلى حربٍ أهليّة وصراعٍ إقليميّ – دوليّ على سوريا، خاصّة أنّ ما يسمّى «معارضةً سياسيّةً» في المحافل انتهى إلى الوقوع مؤخّراً في فخٍّ كبير، بل وخطيئة عُظمى، عند التحالف الصريح مع تنظيم «القاعدة».
كشف قادة «القاعدة» ومنظّروها في سوريا اليوم عن وجوههم وأعلنوا تغيير اسم تنظيمهم تيمُّناً بالمبادئ التي وضعها مؤسّسهم وبأمرٍ من قيادتهم الدوليّة. فتسارعت تنظيمات سياسيّة سوريّة لتحيّة هذا التحوّل «الوسيم»، ليصدُر بيانٌ من «الهيئة العليا للتفاوض» بالروحيّة ذاتها، لا يتحدّث سوى عن أخطاءٍ لتنظيم «القاعدة»! ولم تنظر تلك القوى والشخصيّات المشاركة في هذه «الهيئة» على اختلاف مشاربها إلى ذلك الموقف من حيث مضمونه، بل فقط من الناحية الإجرائيّة.
وبالتالي خلقت تحيّة «القاعدة» منعطفاً مفصليّاً في الصراع السوريّ، وهو ما سيؤدّي إلى هوّة بين كلّ من يناهض الاستبداد ويطمح للحريّة وبين «هيئة التفاوض»، بعيداً عن نوايا بعض المخدوعين بينهم. فمن يناهض مُجرماً من أجل الحريّة لا يُمكن أن يكون حليفاً لمجرمٍ آخر. ذلك يبدو كاستعادةٍ لما حدث في الثمانينيات في سوريا، التي تمّ استلهام اسم أحد مجرميها لإطلاقه على إحدى «غزوات» حلب الحاليّة.
لم تقع «الهيئة» في هذا الفخّ اعتباطيّاً، إنّما دُفعت إليه دولٌ بعينها، ليس فقط تلك التي تحابي الفكر الإسلاميّ الأصوليّ. وحجّة الإقناع التي استُخدِمَت معها هي أنّ ذلك ضروريّ كي يتمّ إنتاج حلٍّ سياسيّ لتقاسم السلطة. فعن أيّ حلٍّ يتكلّمون؟
الفخّ الذي نُصِبَ «للهيئة» فخّان. التحالف مع «القاعدة» يُلغي إمكانية الحلّ السياسيّ على أساس توافق طرفين مفترضين للصراع وتقاسمهما للمناصب. فهذان الطرفان ظالمان لأنفسهما ولمن معهما ولقضيّة سوريا ووحدتها. كما يُلغي إمكانيّة قبول شرائح واسعة من السوريين أن تمثّلهم هذه «الهيئة» في أيّ تفاوضٍ، فما بالنا بانتصار «المعارضة» عسكريّاً على جميع أراضي سوريا أو حتّى على جزءٍ منها.
لم تكن «الهيئة العليا للتفاوض» أصلاً تمثِّل حصريّاً السوريين، ولا حتّى معارضي الاستبداد، لأنّ من اختار أعضاءها دول بعينها هدفها الأساس مناهضة إيران التي تدعم السلطة السوريّة أكثر من حريّة السوريين. فما بال من ليس لا مع إيران ولا مع مناهضيها، وهم أغلب السوريين الذين سئموا من تدمير بلدهم في صراعٍ لحساب الآخرين. والأسوأ أنّ شرعيّة «هيئة التفاوض» قد أضحت اليوم سوريّاً ودوليّاً بقدر شرعيّة «فتح الشام»، أو على الطرف المقابل بقدر شرعيّة أن يكون «حزب الله» طرفاً مفاوضاً حول مستقبل سوريا.
هذا كلّه يترافق مع حشدٍ وتهييجٍ إعلاميّين غير مسبوقين. في محاولة لإظهار أنّ هذه «المعارضة» هي المظلومة، وأنّها تجسّد ذاتها أولئك المواطنين الذين يُقصَفون ويقعون ضحايا. في آليّةٍ هي ذاتها التي أخرجت «الثورة» عمّا كانت عليه في بداياتها، وأشعلت الحرب كي تتحوّل إلى حربٍ أهليّة. بحيث يتمّ الإمعان في إغراق الفصائل المقاتلة في الفخّ و «هيئة التفاوض» معها.
المواطنون السوريّون هم من يدفع الثمن في كلّ هذا، وكذلك من يقومون بخدمتهم وإنقاذ ما يُمكن. كلّهم أضحوا دروعاً بشريّة للمتحاربين في هذه الحرب العبثيّة. وخاصّة في حلب، على ضفّتيها الشرقيّة والغربيّة، وفي محيطها.
بالتأكيد يجب إنقاذ حلب وأهلها، أو من تبقّى منهم في كنفها. ليس فقط لرمزيّة ما هي حلب بالنسبة لبقاء سوريا موحّدة، بل لأنّ أهلها، مثل كلّ بقعة في سوريا، أهمّ وأكبر بكثير من أن يكونوا مجرّد وقود حروب الدول.
فما هو الذي يتمّ البحث عنه إذاً؟ وإلى أين يُراد أن تنتهي الأمور؟ أن تنتصر «المعارضة» وتأخذ حلب بضفّتيها؟ ثمّ ماذا؟ أتقسيمٌ لسوريا بين كيانات ثلاثة، ناهيك عن مناطق داعش؟ كيانٌ «مفيدٌ» كما يقولون يهيمن عليه الاستبداد، وآخر تديره «قوّات سوريا الديموقراطيّة» ضمن مشروعٍ انفصاليّ، وثالثٌ أضحت «فتح الشام» وما تمثّله ركيزته؟ أم أن «تسقُط» حلب الشرقيّة بيد جيش «النظام» ومناصريه، ليهيمن الاستبداد على مساحات أوسع ولتضحى إمارة «المعارضة» تسيطر فقط على إدلب ومحيطها؟ أم لا هذا ولا ذاك، وأنّ الأمر برمّته تحضيرٌ لمناخ استمرار الحرب العبثيّة والقتل سنين أخرى بعد أن أفشلت السلطة السوريّة كما «هيئة التفاوض» الحلّ السياسيّ في النافذة الدوليّة المُتاحة، أو حتّى إقامة هدنةٍ بالحدّ الأدنى. وماذا إذاً من أجل المستقبل؟
سوريا أمام انعطافة جديدة. لا بدّ في مواجهتها من إخراج قضايا الظلم والانتهاكات وأرواح البشر من أن تكون فقط شروطاً لمتفاوضين أدخلا البلاد في طريقٍ مسدود. ولا بدّ أن تبتعد بعدها المنظّمات الإنسانيّة والمدافعون عن حقوق الإنسان عن ألاعيب السياسات الإقليميّة وزبانيّتها على الطرفين. والأمل أن ينبثق في ظلّ الأخطار المحدقة تيّارٌ ثالث يرفض نظام الاستبداد كما يرفض «معارضةً» فُرِضَت على «ثورة» حريّة وكرامة، وسقطت في الأفخاخ الدوليّة الواحد تلو الآخر.
معنى الحلّ السياسيّ سيتغيّر بعد هذه الانعطافة، بالتأكيد. وعنوان إنقاذ الإنسان ستكون له الأولويّة على كلّ شيء. وستعلو الحياديّة بمعنى المساواة في المواطنة وصون الحريّات حتّى على ديموقراطيّة لا معنى لها إذا جرى استخدامها كذريعةٍ لفرض التطرّف.

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى