ثقافة وادبزوايا

ورشة العمى

349 (1)

الأعمى
ينبشُ في أرشيف العتمةِ
عن ملفاتِ اتهام
تدينها

..

حتى أنه ينبش
في صوته
عن الطريق

..

يمشي خطوةً
فتمشي
خطوةٌ أخرى
تحرسها

..

يسرع قليلا
فتبطئ الطريق

..

يتوقف فجأة
تحت شجرة العمى
ويقطف خارطة الطريق
إلى البيت

..

كل هذا
ولم نسأل أنفسنا
من منّا في استطاعته التقدّم
بخطىً ثابتة
من دون أن يتعثّر
بنظرةِ أحد؟

..

إنه الأعمى
هذا اللّغز الفريد
الذي يملك
عشرين ألف سهمٍ
في العتمة
وعشرين ألف إثبات بأن العالم
ليس إلا سوق بورصة
كبير

..

إنه الأعمى
هذا الذي تعلّم باكرا كيف يهبط
بلا مصابيح على
درج الليل
صوب مخدعه العتيق
حتى أنه تعلّم من العزلة
كيف يعلّب العالم من حولهِ
كجدار.
وتفّاحة قلبه
لاحقاً
تعلّم كيف يقشّرها
عندما يجوع.

..

إنه الأعمى
هذا العملُ المعجِزُ حقاً

..

عيناه
ليست فادحتيّ الاتساع
كما نظن
يداه
بوصلة المنافي كلّها
وعكّازه
فقط
من أجل ألا يجعله وحيداً.

..

يقول الأعمى:
يقيسُ الناس قدرتي بما أستطيع
لكنني بخلافهم، أقيس دائما قدرتي
بما لا أستطيع.
ويقول في ما يقول:
العتمة أم
صديقة
عدوّة
لكنها لم تكن -يوماً- كما رأيتموها
مشنقةً للضوء.

..

ويقول أيضا:
كنتُ -مونتير-
لا أنتمي لشيء حتى
في معاناتي
لذلك أدركت قبل أي أحد
كم “فريما” من العتمة يلزمني
لإنهاء حياتي كفيلم
قصير

..

وها أنا الآن نحّاتٌ بارع
أنحتُ العالم
كل ليلةٍ
أعرّيه
وأفضحه
في ورشة العمى.

هشام أبو عساكر
* شاعر فلسطيني / غزة

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى