ثقافة وادبزوايا

اتكاء على أبطال من زمن آخر

349
تُرجّح المصادر ظهور معظم السير الشعبية بشكلها المتعارف عليه في العصر المملوكي، وبعد احتلال بغداد على يد المغول، تحديداً، وكانت غايتها الأبرز كما يشير الباحثون تخليق بطل شعبي قادر على استنهاض الهمم في فترة ساد فيها اليأس والإحباط.
تؤكد هذه الفرضيةَ أبحاثٌ كثيرة لم يجد أصحابها في المرويات التاريخية إلاّ أبيات شعر قليلة، نسبياً، مقارنة بما أضيف عند وضع سيرة الزير سالم أو تغريبة بني هلال، وأن هذه الأشعار لا تؤلف قصة متكاملة بل تعتورها تناقضات بين مصدر وآخر، وما يزال الجدل حول كثير من حقائقها سارياً إلى اليوم.
يبرز سؤال أساسي -لا إجابة محقّقة عليه- حول مدى تدخّل السلطة في تأليف هذه الملاحم الشعبية وماهية تدخّلها، خاصة مع تراكم الإضافات عليها وتبدّل أنظمة الحكم، ووجود أكثر من نسخة من كل سيرة بفوارق في سرد بعض الأحداث أو تحديد مصائر متفق عليها لأبطالها.
التعلّقات الشعبوية بأبطال السير، سواء كان عفوياً أو بتقصّد سلطوي، يؤشر على مفارقة في الوعي العربي، ومنها الانحياز لشخصية أبي ليلى المهلهل رغم أنه في السيرة المتناقلة عنه بقي يقاتل من دون هدف لأنه أراد أن يعود أخوه كليب حيّاً، وهو تعلّق بالمستحيل وإنكار للواقع وببطل يقتل ولا يرى نهاية لسفك الدم.
وفي تغريبة بني هلال، يتعاطف غالبية الناس معهم ومع بطلهم أبي زيد الهلالي، رغم تواتر إشارات تاريخية حول دورهم التخريبي في شمال أفريقيا ومشاركتهم في المؤامرات والدسائس، لكن الوعي الشعبي ينتصر لهم ويشكّل سرديّته الخاصة عن شجاعتهم وفروسيتهم.
في المقابل، أتت الطعون بهذه الصورة المرسومة في الوجدان الشعبي حول الهلاليّين على أسس مذهبية، في وقت لاحق، بسبب تأييدهم الفاطميين الذين تبنوا المذهب الإسماعيلي. ويبدو أن هذا الانقسام حول هوية البطل قد يتجذّر بفعل عوامل سياسية راهنة، أو يكون عابراً، حيث ما زالت تأثيرات الوجود الفاطمي في مصر واضحة في الفن والغناء والأمثال الشعبية، وكأن المصريين عقدوا في مخيالهم وذاكرتهم مصالحة بين المذاهب وتغلّبوا على خلافاتها.
مرةً أخرى، حين تحوّلت هذه السير إلى أعمال درامية في التلفزيون والمسرح، حاول صنّاعها الاتكاء على أبطالها في محاولة لإسقاط تاريخهم على واقعنا المعاصر، ولم يكن انتشار بعضها بمنأى عن رغبة المهمّش والمظلوم في عودة بطلٍ ينتصر لجموع المهمّشين والمظلومين.
صناعة البطل الشعبي ليست حكراً على ثقافة عربية يستشعر أبناؤها مرارة العجز والهزيمة، بعد تحسين صورته خلافاً لما عليها في التاريخ، وتبرير أخطائه التي اضطر لفعلها في أثناء مقارعته الخصوم، مثل زعيم المافيا الكولومبي بابلو اسكوبار الذي تحوّل إلى أسطورة نتيجة مساعدته الفقراء في بلده، ومواجهته الحكومة الكولومبية التي تؤيّدها الولايات المتحدة.
لا أحد يعلم كيف تشكّل الأجيال القادمة صورة لأبطال عاشوا في هذا الزمن؛ زمن التفتت والانقسام، وكيف ستجمّلهم وتمحو عنهم مساوئهم!
العربي الجديد

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى