ثقافة وادبزوايا

“هي”: عودة إلى الغريزة الأساسية

349-1

في جديده “هي” (2016)، يعود بول فيرهوفن (1938) إلى لعبته المفضّلة: تقديم زاوية نظر مغايرة للجنس، وهو موضوع كان الجميع يعتقد أن المخرج الهولندي لن يتطرّق إليه مجّدداً، خصوصاً بعد كبوته في فيلم “فتيات الاستعراض” (1995)، إذ يُقدِم صاحب “غريزة أساسية” (1992)، مرّة أخرى، على المغامرة نفسها، بمفردات جديدة.
يضعنا فيرهوفن، منذ البداية، في قلب عالمه الغريب. كاميرا مثبّتة وسط منزل، وصوت صراخ قوي ينبعث من غرفة النوم. لا يفوته هنا أن يُلقي بشيء من التضليل، فمصدر هذا الصوت غريب وغير واضح؛ لا هو صوت نشوة ولا هو صوت ألم.
بعد اقتراب الكاميرا من الغرفة نشاهد عملية اغتصاب، حيث يقوم رجل قوي يخفي وجهه باغتصاب السيدة ميشيل وضربها بقسوة على وجهها. تستمر لعبة المخرج حين يفرّ الرجل فتنهض ميشيل وتأخذ حمّاماً وكأن شيئاً لم يحدث. لم تُبلغ بطلة العمل الشرطة، ولم يشكّل حدث الاغتصاب أي تغيير على سير حياتها، وحين تُخبر شلّة من أصدقائها، تفعل ذلك ببرود وكثير من عدم الاكتراث.
تعيش ميشيل وحدها في بيت كبير، فهي مطلّقة ولديها ابن شاب يحاول أن يجد طريقه إلى الحياة. لا تقيم البطلة علاقات جيّدة مع الأقارب والأصدقاء والزملاء، وهي التي تترأّس شركة لألعاب الفيديو.
في دور معقّد كشخصية ميشيل، اختار المخرج الممثّلة الفرنسية إيزابيل أوبير. المرأة الستّينية ظهرت بشخصية متحجّرة القلب لا تستجيب إلى أية مشاعر، وتقابل معاناة الناس بابتسامة ماكرة. في مشهد إصابة والدتها بجلطة دماغية تُخبر الطبيبة بأن والدتها تدّعي المرض فقط. إنها لا تهتم بحجم ما تفقده ما دامت على قيد الحياة.
بعد الاغتصاب، يُظهر الفيلم محطّات جنسية أخرى لميشيل في هذه القصة، فهي على علاقة مع زوج صديقتها المقرّبة، إذ تخونها في بيتها أحياناً. وفي حواراتهما، تشيران إلى أنهما كانتا على علاقة مثلية، وهو أمر يتأكّد في آخر الفيلم، كما نفهم أن الرجل الذي اغتصبها في البداية وأعاد الكرّة مرّات هو جارها الوسيم المتزوّج. كانت ميشيل قد حاولت الإيقاع به، وتحرّشت به كثيراً، وسلّمته نفسها، لكنه كان يتهرّب، لأنه يفضّل طريقة شاذّة ومتوحّشة.
الجوانب النفسية التي تحرّك العلاقات الجنسية عمل يتقنه فيرهوفن ويعرف كيف يغوص فيه، ويمتلك الجرأة في تناوله، وسجّل فيه أهم نجاحاته: “غريزة أساسية” وأكبر خيباته: “فتيات الاستعراض”، وصولاً إلى فيلمه السابق “خداع” (2012)؛ فجميعها أفلام يحضر فيها البعد النفسي، ومن ثمّ يُستثمر الجنس بطرق ووسائل مغايرة ومختلفة تشاكس تصوّر المجتمعات، ليعود في “هي” إلى قصّة بالعناصر نفسها، لكن بجوانب أكثر تشعّباً.
وجد فيرهوفن في رواية “أووه.. ” للكاتب الفرنسي فيليب دييان فرصة مناسبة تعيده إلى العمل خلف كاميرا متلصّصة على غرف النوم ومتتبّعة العلاقات البشرية الكامنة وراء ميولات تُعتبر في الأعراف شاذّةً. كاميرا لا تكتفي بظاهر تلك العلاقات بل تحفر عميقاً في نفسية الشخصيات التي تتعقّبها.
سليمان الحقيوي

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى