ثقافة وادبزوايا

متى ينتهي عصر القرود الثلاثة؟

349
درجت عبارة الحق الذي يأبى النسيان على الظهور مراراً وتكراراً على الشاشات الفضائية منذ سنوات، والمقصود بالطبع الحق الذي لا ينساه شعب سُرق منه وطنه في أكبرعملية بلطجة ونهب شهدتها العصور الحديثة، بقرارات عصر كانت فيه القوى الاستعمارية “تُشرّع” و”تسنّ” على هواها، بالضبط كما يحدث اليوم مع عودة هذه القوى ذاتها.
وبعد هذه العبارة تواصلت مسيرة ذاكرة الحق الضائع؛ ذاكرة النكبة العربية والإنسانية بالطبع، وليس النكبة الفلسطينية فقط، بعدد من البرامج والصور أو ما تيسّر منها على أكثر من شاشة عربية، ما بين تقديم فيلم وثائقي أو طاولة حوار أو تكرار صورة اللاجئين الذين يحملون مفاتيح بيوتهم بعد أكثر من ستين عاماً على هدم الآلاف منها في ما يقارب 500 قرية، واحتلال البيوت الحجرية الجميلة في عين حوض ويافا وحيفا وعكا.. إلخ، وإسكان من جاؤوا بهم من رومانيا وألمانيا وبولندا وروسيا .. إلخ، إضافة إلى من استوردوهم من المغرب وتونس والعراق وإثيوبيا واليمن .. إلخ.
كلمة “إلخ..” هذه مفتوحة كما يقول واقع الحال، لأن استعمار الأرض العربية لم يتوقف طيلة القرن الماضي، وتوسّع خارج فلسطين ذاتها وشمل أراضي عربية تتوسع مساحاتها مع تكاثر عدد المستسلمين لهذا النوع من الاستعمار، تماماً مثلما كان يحدث أيام احتلال الفرنجة للخريطة الممتدة من أنطاكيا شمالاً إلى غزة جنوباً، ومن مدن ساحل شرقي المتوسط غرباً إلى صحراء شرقي الأردن شرقاً، بحيث يمكن أن نتوقع أن يفكّر الصهاينة، بمختلف جنسياتهم ودولهم، باستيراد مستعمرين من كواكب أخرى، لأن الأرض العربية واعدة، وكلها بالطبع مساحة “بيضاء” خالية في أذهان هؤلاء مثلما يقول ميرون بنفنسيتي (أحد أوائل المستعمرين)، وشاء الله أن تمتدّ بين محيطين، أحدهما يتصل بالشرق وآخر يتصل بالغرب، ولا تنتظر سوى المزيد من القطعان الجائعة للأرض والثروات والمستقبل الواعد، وتسمية وديانها وأنهارها وهضابها وجبالها التي لا أسماء لها منذ بداية الخلق.
المسألة ليست أن نتذكّر فقط، كما قد يحسب بعض الناس، بل أن ننظر حولنا، ونبصر، أيضاً، لأن الأعجب في أمر هذه الجريمة أنها متواصلة، وهي بهذا المعنى جريمة تأبى أن تتوقف، حتى وإن ظلّت قرودنا العربية الثلاثة الشهيرة في الحكاية وعلى الأرض تُواصل عرض مسرحيتها الحكيمة: “لا أسمع .. لا أرى.. لا أتكلّم”، بعد أن أضافت إليها فصلاً جديداً مع عصر الفضائيات عنوانه: “لا أتذكر”.. أيضاً.
الاستمرار والتواصل في آلية هذا الإستعمار الأغرب من نوعه تصل حداً مذهلاً، فإبادة العربي قائمة على قدم وساق، وتدمير البيوت على رؤوس سكانها قائمة، وتدمير الأراضي الزراعية ما زال قائما في فلسطين ولبنان وسورية وفي أي مكان يمكن أن يقف أمام هذه القطعان المتعطشة للدم والأرض والثروة. وواهم من يتصور أن جرائم هذا الاستعمار حدثت في الماضي فقط، فهي تحدث كل يوم منذ قرن تقريباً وحتى قراءة أخر كلمة في هذا المقال. لأن الخريطة العربية بكل ما فيها هي الهدف، والتهام هذه الخريطة وقتل آخر “هندي أحمر” فيها هو نهاية السيناريو المتخيل في أذهان هذه القطعان.
وأمام كل هذا، ليست الذاكرة هي التي تأبى النسيان فقط، بل إن في الميزان الآن مصير أمة كاملة. وليس أن الذاكرة تأبى النسيان فقط، بل إن الصمت والتعامي والتصامم أو التزوير.. والتناسي في المقابل لا يجدي أيضاً. نأمل أن تحمل لنا الأيام القادمة شيئاً من فيلم طويل ينتهي بخاتمة عنوانها “نهاية عصر القرود الثلاثة”. سيكون هذا الفيلم شائقاً ومثيراً، ولن تفوت أي مشاهد فرصة متابعته، بل وأخذ دور في أحداثه، سواء تقدّمت أو تأخرت.
العربي الجديد

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى