أقلام واراءزوايا

السياسة والإعلام في العالم العربي…بقلم:مصطفى الفقي

index
إنني أريد أن أذكر القارئ بنموذجين للإعلام الموجه في تاريخنا العربي المعاصر أولهما إذاعة «صوت العرب» في العصر الناصري، والثاني هو قناة «الجزيرة» التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وأبرزت في البداية مقدمات محايدة سرعان ما تحولت إلى نمط موجه وفقدت جزءاً من مصداقيتها لأنها تحولت إلى طرف في الصراع وليست مجرد ناقل له أو شاهد عليه، والعلاقة بين السياسة والإعلام في العالم العربي علاقة وثيقة فهما في الواقع وجهان لعملة واحدة، فالسياسة هي «مطبخ القرار» الذي يؤثر في الحاضر والمستقبل، بينما الإعلام هو بمثابة «قاعة الطعام» التي تعرض فيها المأكولات الواردة من مطبخ صنع القرار السياسي، ولكننا لم ندرك هذه الحقيقة في عالمنا العربي واستمرأنا تحميل السياسة كل الخطايا والمضي أحياناً في جلد الإعلام وتحميله كل أسباب المشكلات القائمة والملابسات التي تحدث، ولنا هنا ملاحظات مبدئية لا بد من طرحها:
أولاً: لقد تجاوز الإعلام إطاره المحدد ليتحول أحياناً إلى صانع سياسة، بحيث يسبق صاحب القرار ويؤدي في كثير من الظروف إلى أزمات بغير حدود بل ويورط دولته في مواقف كان يجب أن تختار هي لها الظرف المناسب والأسلوب الملائم، وهو بذلك يقوم بعملية إحراج لم تكن متوقعة، والأمثلة على ذلك كثيرة والنماذج متعددة، بل إن أزمات حصلت بين دول شقيقة وكان الإعلام هو العنصر الخفي فيها لأنه غرس انطباعات غير دقيقة وطرح سياسات غير معلنة وقام بتجاوزات غير مقبولة، وقد يستأثر الإعلام بمبادرات لا مبرر لها متصوراً أن السبق والإثارة يصبان في خانة مصلحته، بينما قد يكون الأمر عكس ذلك تماماً، ونحن نتطلع إلى يوم يقوم فيه الإعلام بدوره الحقيقي بولاء للقارئ والمستمع والمشاهد من دون الإضرار بالمصالح العليا للبلاد.
ثانياً: إن أجواء المبالغة والإثارة إنما تأتي من الفراغ الذي يصنعه حجب المعلومات مع وجود مساحات ضبابية لا تملأها إلا الشائعات والأكاذيب والروايات المختلقة، لذلك فإن «فلسفة الإفصاح» هي التي تدعونا إلى أن نقدم الحقيقة كما يجب أن تكون، وأن ندفع بها نحو المسارات الطبيعية بدلاً من أن نسمح لإعلام غير مسؤول أحياناً أو تفسيرات غير ناضجة أحياناً أخرى وعلينا أن ندرك أن ثورة المعلومات والتقدم التكنولوجي الكاسح في وسائل الاتصال لم تترك للسرية والإخفاء سبيلاً، لذلك فإن حجب المعلومات أو التعتيم على الأخبار هما أمران ذهبا مع القرن الماضي ولم يعد لهما وجود حالياً، فلقد تكفلت أجهزة المعلومات بكشف كل مستور وتفسير كل غامض، ولقد سمعت من يقول أن أكثر الموضوعات سرية في العاصمة الأميركية واشنطن يعرفها على الأقل سبعون شخصاً في الدقائق الخمس الأولى، لذلك فإن تقديم الحقائق هو الذي يؤكد المصداقية ويصنع الشعور بالثقة، وما من سياسة ناجحة إلا وضعت في حسابها كل المحاذير والتحفظات لكي تصل إلى المستهلك الحقيقي للسلعة المعلوماتية بأقصر الطرق وأقل التكاليف.
ثالثاً: شهد الإنسان المعاصر مراحل متقدمة من التفوق الإعلامي الكاسح حتى أن الحروب أصبح يتم تصويرها من ميادين القتال ذاتها، ولقد دهشنا كثيراً عندما تابعنا على شاشة الـ CNN في مطلع التسعينات من القرن الماضي عملية «تحرير الكويت» بالصوت والصورة على نحو غير مألوف لنا ويومها أدركنا بحق أن العالم قد تغير حتى أصبح المراسل الحربي قيمة عسكرية وسياسية وإعلامية في شخص واحد، كما نجح الإعلام العسكري في تحديد القدرات الحقيقية والحسابات الدقيقة للقوى المتنافسة على الساحات السياسية. ولقد رأينا، على سبيل المثل، في مصر كيف أدار القرار الحكومي الرسمي معارك الإعلام سابقاً مازجاً منه سبيكة أسهمت بقوة في التعبير عن مبادئ القاهرة ومبادراتها من أجل صياغة العصر، ولقد بلغت الجاذبية الإعلامية حداً جعلها من أكثر الأمور تأثيراً في مراحل الأمم المختلفة لأنها مستمدة من منظومة ينتظر منها الوطن تحقيق آماله والمضي نحو غاياته، ولقد برعت التنظيمات السياسية المعاصرة ذات الأيديولوجية المختلفة، دينية كانت أو سياسية في استخدام الإعلام كأداة حاسمة للترويج لفكرها وبيع آرائها وتسويق أهدافها وغاياتها، فالإعلام واحد من أخطر أسلحة العصر وأكثرها قدرة على التلاعب بعقول البشر وتوجيه أفكارهم صوب توجهات بعيدة ليست بالضرورة هي الأفضل ولا الأعدل ولا الأكثر نفعاً لمن يتلقون الرسالة الإعلامية ويستجيبون لها.
رابعاً: إن انعدام الشفافية وغياب الرؤية وضعف القدرة على استشراف المستقبل ولا حتى فهم الحاضر تعطي في مجملها مساحة ضبابية يمرح فيها الإعلام ويرتع، إذ إنه كلما اختفت معلومة أفسحت المجال لشائعة مغلوطة أو خبر محرف أو تحليل كاذب، لذلك فإن الإعلام المعاصر يستفيد كثيراً من حالة السيولة السياسية وما تجلبه من أسباب للغموض وإخفاء للمعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، لذلك يلعب الإعلام الأيديولوجي دوراً كبيراً في التوجيه وتحديد المسار خصوصاً في وقت تشيع فيه الأمية السياسية ويتراجع الوعي للمصالح العليا للأوطان، فالإعلام الموجه يضلل الشعوب وينشر غلالة من الضباب على العقول في كل الدول التي تفتقر إلى الديموقراطية وتقهر رأي الفرد وتحرمه من حق الحرية الإعلامية ووصول الخبر الصحيح إلى المواطن العادي الذي يعتبر هو المستهلك الطبيعي للسلعة الإعلامية في نهاية الأمر.
خامساً: إن تزييف الإرادة وتغييب الوعي يستندان دائماً إلى عملية احترافية يجرى فيها كل أنواع التلاعب للانتقاء التحكمي للأخبار الإيجابية أو السلبية، طبقاً لما يراه صاحب المصلحة في تضليل الرأي العام من خلال إعلام منحرف أو منحاز، ولقد نجحت المدارس الإعلامية الحديثة في تسويق أفكارها وتوجيه سهامها إلى من تريد، ولعل أخطر أنواع الإعلام هو ذلك النوع العدواني الإرهابي الذي يروج للأفكار الهدامة والسياسات التي لا تقوم على حق قانوني ولا سند أخلاقي ولا رؤية سياسية. لقد أصبح الإعلام سلاحاً خطيراً في حالتي الحرب والسلام لأن الناس ترى الأحداث من منظوره ولا تعرف إلا الجرعة الإعلامية التي تعودت على قبولها بمنطق الإلحاح والتكرار والرغبة في زرع مفاهيم معينة ليس لها وجود حقيقي أو تأثير فعلي.
سادساً: رغم أن الفارق بين الإعلام والإعلان في اللغة العربية هو اختلاف في حرف واحد، فإن ذلك أدى تلقائياً إلى نوع من التداخل المغلوط الذي يسمح بحالة الحقن العقلي والتوجيه السياسي وفقاً لاحتياجات النظم وأجندات الحكومات ولا يقتصر الأمر على دول متقدمة أو أخرى متخلفة لأن المؤثرات في النهاية تلتقي في الهدف حتى وإن حاولت أن ترتقي في الأسلوب، ولقد أثبتت كل دراسات تحليل مضمون السلعة الإعلامية أن المستهلك وهو المواطن يدفع في النهاية ثمن التزييف أو المغالطة ويتحمل عبء النتائج التي تفتقر إلى المصداقية وتعوزها جرعة كافية من الصدق الذي يعبر عن ضمير المجتمع وإرادة الشعب وسياسة الدولة.
سابعاً: إن دور النخبة السلبي والعجز عن الربط بين الإعلام والسياسة تركا المجال مفتوحاً أمام الهواة وأنصاف المثقفين من دون حسم واضح ينتصر للحقيقة ويسعى وراء المعلومة ويجرم الشائعات ويرفض الأحاديث المرسلة، ولا شك في أن الإعلامي الذي يملك خلفية سياسية ويستطيع توظيفها إلى جانب قدر معقول من الثقافة في إطار بيئة سوية سوف يدفع بدور المرأة ومكانتها إلى الأمام كمقياس معترف به للوصول إلى درجة التحضر وإدراك معدلات التقدم، ولقد استقرت المفاهيم الحديثة على أن الإعلام العصري يخضع لطبيعة المصدر، ولنوعية المعلومة، وهوية من يستقبل الرسالة الإعلامية في النهاية.
إن ما نعاني منه في عالمنا العربي هو غياب سياسة رشيدة تقوم على سياسات واعية ورؤى عادلة وأفكار سامية، فالإعلام الشريف هو رسالة نبيلة يجب أن نحترمها في كل العصور وأن نؤمن بها لأنها تقدم خدمة حقيقية للوطن والمواطن فضلاً عن دورها في توسيع منظور الرؤية وخلق حالة من الرشد والاستنارة بدلاً من صنع المشكلات، وتعميق الأزمات، وإدمان الكذب الذي عرفنا له عشرات الأمثلة على امتداد ساحة الوطن وفي مؤسساته المختلفة. إن الإعلام هو مرآة المجتمع، وهو وسيلة نقل الحقائق، كما أنه تعبير عن الأهداف النهائية للشعوب والغايات الكبرى للأمم.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى