الاخبارشؤون عربية ودولية

«لوبيات» الضغط .. الصناعة الحقيقية للقرار الأميركي

92b71954-73c2-4b87-b0be-4e978e567bea

المشهد الأول، في مدينة بولدير في كولورادو، وفي كاليفورنيا، حيث تحبسُ صناعةُ المشروبات الغازية الأميركية أنفاسَها حتى الثامن من تشرين الثاني. هناك، تدور المعركة لا فقط بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، بل على اختيار السكان ما إذا كانت سترفع الضريبة على مشروبات «الصودا»، لمكافحة السمنة. معركة تدور رحاها بين ثلاثة أقطاب من جهة، «جمعية القلب الأميركية»، وعمدة نيويورك السابق مايكل بلومبرغ، ولورا وجون ارنولد، المليارديرين اللذين يغدقان أموالهما على نشاطات خيرية بعدما جمعاها من قطاع الطاقة، في مواجهة «جمعية المشروبات الأميركية». وأغدق لوبي «الصودا» 30 مليون دولار لإقناع الناخبين بالتصويت ضد الضريبة المضافة، فيما صرف الفريق الآخر 40 مليون دولار للحملة المضادة.
المشهد الثاني، في مدينة فلينت المنكوبة بمياهها المُلوّثة بالرصاص في ميشيغان، التي سُرّبت حولها الأسئلة لكلينتون قبل إحدى مناظراتها الثلاث مع بيرني ساندرز على «سي إن إن». شركة «نستله» العملاقة، قد تكون حصلت على الأرجح على موافقة السلطات البيئية المحلية، لاستخراج المزيد من المياه من المنطقة، مجاناً، فيما تكافح المدينة لدفع المسؤولين لتنظيف أنابيب مياهها الملوثة، ويفرغ سكانها ما في جيوبهم لشراء المياه المعبأة، من «نستله» وغيرها.
المشهد الثالث، في واشنطن، حيث نجحت صناعة الغذاء الأميركية وشركات التكنولوجيا الحيوية مؤخراً في الضغط على مجلس النواب للوصول إلى حلٍّ وسط لوسم منتجاتها إذا ما كانت تحتوي على موادّ مُعدّلة جينياً، في دليل آخر على نفوذ مجموعات الضغط الاقتصادية في واشنطن.
هي ثلاثة نماذج تعكس حجم وقوة ملايين «اللوبيات» الاقتصادية في الولايات المتحدة، وتنضم إليها «اللوبيات» السياسية، على غرار أكثرها نفوذاً، «ايباك» الإسرائيلية، لتشكل صورة متكاملة بإمكانها، لو فهمت آلية عملها جيداً، أن تقدم فكرة واضحة عن كيفية صناعة القرارات في واشنطن، وتحديداً داخل الكونغرس وبين النواب الذين يستشيرون بدورهم اللوبيات في كيفية استقطاب الرأي العام داخل ولاياتهم. ويقول مثل شهير في الولايات المتحدة: حذار أن تغضب ثلاثة، صناع التبغ، وصناع السلاح.. و«إيباك»!
ولا تنشط هذه اللوبيات فقط في إطارها الوطني، بل غالباً ما تتخطاه إلى ما وراء البحار. هكذا، لم يألُ عملاء العملاق التجاري «وولمارت» جهداً للضغط من أجل افتتاح فروع لهم في الهند، ولم توفر مجموعة «متحدون ضد إيران نووية» إعلاناً في صحيفة أو رسالة أو مقالاً، من أجل الضغط ضد عودة الشركات المصرفية والتجارية الأوروبية للعمل في الجمهورية الإسلامية بعد الاتفاق النووي.
وتستغل مجموعات الضغط في الولايات المتحدة الدستور الأميركي إلى حدوده القصوى، تماماً كما تفعل «المنظمة الأميركية للسلاح»، مستفيدةً من «حق الأميركي في الدفاع عن نفسه» في وجه السكان الأصليين. هكذا، تؤدي جماعات الضغط دوراً فاعلاً في صنع السياسة الاميركية العامة، وعبر جميع مراحلها، بدءاً من مرحلة إثارة اهتمام الحكومة بالمشكلة، وصولاً الى تقييم القرار، مستخدمة العديد من الوسائل المباشرة وغير المباشرة لتحقيق أهدافها. ويتم ذلك في الكثير من الأحيان عن طريق عملائها المدفوعين، وقد يكون الكثير منهم مسؤولين سابقين في واشنطن، أحيل بعضهم على التقاعد، وضالعين في كواليس الشأن العام.
وتستثمر هذه الجماعات آليات العمل الديموقراطي في كل جوانبه، بدءاً من التعددية السياسية وحرية الصحافة وحرية التعبير وتشريع الدخول في العمل السياسي عبر «اللوبي» ليكون لها التأثير داخل المؤسسات الرسمية.
وأقرّ النظام السياسي الأميركي عبر مؤسساته بفاعلية وتأثير هذه المجموعات، وذلك من خلال منحها تشريعات عديدة، أهمها التعديل الدستوري الأول المؤكد على «حرية الخطابة والتجمع»، ليُلحقه بتشريعات جديدة لتنظيم عملها، أهمها في عام 2010 إطلاق يدها في كمية ضخّ الأموال التي تريدها، بعدما كان محدداً. هكذا، تنشط هذه «اللوبيات» بقوة خلال الحملات الانتخابية، من خلال دعم المرشحين، لا عن طريق إعطائهم الاموال مباشرة، بل عبر تمويل حملاتهم الانتخابية بشتى الوسائل. ولهذا السبب، أرسل المرشح الديموقراطي بيرني ساندرز رسالةً عاجلة إلى جمعية المشروبات الأميركية، التي تضم العملاقين «بيبسي» و«كوكا»، لسحب صورته عن إعلان يتهمه بالعداء لها، مؤكداً أنها لم تكن أحد الأهداف خلال حملته على الفساد في واشنطن.
وخلال العام الحالي، أغدقت صناعة الدواء في الولايات المتحدة، لوحدها، وإلى جانبها «لوبي» شركات التأمين، أكثر من 200 مليون دولار على نشاطات الضغط من أجل حماية مصالحها، معرقلة أي قانون بإمكانه خفض التكلفة الصحّية على الاميركيين. ولذلك، يشكل قانون «اوباما كير» على سبيل المثال، أحد أهم التجاذبات السياسية في أروقة الكونغرس بين الديموقراطيين والجمهوريين، ومعه قانون السلاح، الذي أقر الرئيس الأميركي الحالي أنه شكل أحد أهم إخفاقاته على الصعيد الداخلي، بعدما منع لوبي السلاح تمرير قانون للاستقصاء المسبق حول طالبي شراء الأسلحة الفردية في البلاد.
في كتابها «اختطاف اميركا»، توضح الباحثة سوزان جورج أن لائحة العشر الأوائل لمجموعات الضغط الاميركية تضم «الاتحاد الأميركي للطب» و «اتحاد المستشفيات»، اللذين «يعملان من دون كلل حتى لا يتمكن المواطن الاميركي العادي من الحصول على خدمة صحية مدعومة من الدولة ـ أو لا سمح الله ـ طبابة مجانية، في يوم من الأيام».
على لائحة العشر الأوائل في الكتاب أيضاً، شركات عابرة للقارات، وعمالقة الصناعة الحربية. أما لائحة المئة الأوائل، فتضم خليطاً من «المشتبه فيهم المعروفين»: صناعة النفط، والسيارات، الاتصالات والبرمجيات والإلكترونيات، والدواء. أما «لوبيات» الأفراد، فتتضمن اتحاد المزارعين، وثلاثة لوبيات للأميركيين المتقاعدين، أبرزها «الجمعية الاميركية للمتقاعدين» AARP، صاحبة النفوذ الواسع، التي تضم 38 مليون شخص، وهي أنفقت خلال العام الحالي حوالي سبعة ملايين دولار، واستضافت المرشحين الرئاسيين للوقوف على توجهاتهما في ما خصّ الضمان الاجتماعي.
وبخلاف اوروبا، يتسم عمل مجموعات الضغط الاميركية بـ«الشفافية»، إذ بالإمكان الوصول إلى حجم الأموال التي تنفقها من داخل الكونغرس نفسه. ولهذا السبب، تتوفر الأرقام حول حجم إنفاقها على موقع «أسرار مكشوفة» opensecrets.com، الذي يصنف «غرفة التجارة الأميركية» على رأس لائحة الأكثر إنفاقاً خلال العام الحالي، يليها «اتحاد السماسرة العقاريين»، و«اتحاد الاطباء»، ثم «جنرال إلكتريك». ويبرز في اللائحة اسما عملاق الصناعة الحربية «لوكهيد مارتن» و «اكسون موبيل» للنفط، واتحاد صناعة وأبحاث الدواء الأميركية.
وللمفارقة، وفيما يتراجع تأثير مجموعة الضغط الإسرائيلية «ايباك» مؤخراً، لا سيما خلال عهد باراك اوباما، لم يعد خافياً النشاط الذي بدأت تظهره مجموعات يسارية مناهضة للحرب، وأخرى معنية بالبيئة، وأخرى ضد العولمة والتجارة الحرة، فيما يكافح العرب لخلق لوبي ضاغط لدى دوائر القرار الأميركية، رغم اختلاف مآربهم. ويبقى للوبي السعودي في الولايات المتحدة، الكثير من الخبايا، والاموال التي تضخ، محققاً تقدماً واضحاً على اللوبيات العربية الاخرى بسلاحه الأكثر فعالية؛ «البترودولار»!
صناعة التأثير بين الـ«باك» والـ527
بحسب موقع opensecrets، تتوزع صناعة التأثير في الولايات المتحدة على «مجموعات المصالح» و«عملاء الضغط» والـ«باك» (لجان التحرك السياسي) والأبواب الدائرية (آلاف الأشخاص الذين يستخدمون أبواب الكونغرس لخدمة مصالح عملائهم)، والمنظمات، وأخيراً الـ527، أي الإعلانات، التي باتت تستخدم على نطاق واسع من قبل جماعات الضغط المتعددة.
ويتربع على عرش مجموعات المصالح، تلك التي تعمل في إطار قطاع المال والتأمين والعقارات، وهي أغدقت خلال العام الحالي، بحسب الموقع، 912 مليون دولار، 42 في المئة ذهبت للديموقراطيين، و57 في المئة للجمهوريين. ويأتي قطاع الطاقة والثروة الطبيعية في المرتبة السابعة، مع 77 في المئة للجمهوريين، وفي المرتبة الـ13 قطاع الدفاع مع 61 في المئة للجمهوريين. أما أكثر الداعمين للديموقراطيين، فهو قطاع العمل، مع 81 في المئة. أما بالنسبة لأكثر الممولين لـ«باك»، فهي جمعية سماسرة العقارات، وتحل شركة «لوكهيد مارتن» للصناعات الحربية في المرتبة السادسة. وأخيراً فإن أكثر لجان التحرك السياسي (باك) تمويلاً، هي جمعية الطيارين (54 في المئة للديموقراطيين)، واتحاد المصرفيين (77 في المئة للجمهوريين).
السفير

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى