ثقافة وادبزوايا

الكتابة العمياء أو كتابة المتاهات …بقلم :صالح لبريني

25qpt849
تتملكني حيرة عميقة وأنا في مقام الكتابة الجليل والبهي، هذه الحيرة النابعة من عسر الإدراك الذي يغشى الذات الولهانة بمعانقة البحث المضني عن معنى الكتابة في عالم مليء بالحروب بشتى تلاوينها، حروب لا تعطي أي قيمة للحياة، بقدر ما تزرع الموت في كل مكان يحب الماء والأناشيد والرقص، والغناء المترع ببواطن العذابات البشرية. عالم يكتب تاريخ ألفية ثالثة بنزيف وآهات ومكابدات الموتى، المعطوبين، الثكالى واليتامى، النازحين صوب الألم والمعاناة، الغرباء بين البلدان، الذين تفوح سحناتهم بعوز في الدفء والمحبة في أوطانهم التي تركوها تئن تحت وطأة القنابل والصواريخ والمخططات الجهنمية لأعداء الحياة.
ومن ثم تقف الكتابة أكثر شللية وعدمية عن القيام بفعل شيء تجاه هذا العدم، ومع ذلك تبقى البلسم الذي يضمد جروح الباطن والظاهر لذات تعشق الغوص في متاهات الوجود باحثة، منقبة عن الأسمى والأطهر، وتغدو الجدوى من الكتابة حماية الذات من الامّحاء والامّحاق، جراء هذا الزحف الكارثي والمرعب للإنسان، وبالتالي فبالكتابة نقاوم هشاشة الذات والوجود، هشاشة المحبة التي باتت في خبر النسيان، تنسج عناكب الحروب والويلات عليها خيوط بل حيطان الإقبار، فبدا الأمر وكأننا نزكّي كل ما هو مظلم في هذه الفترة العصيبة التي تمرّ منها البشرية.
فالكتابة، في الأصل، أشد ارتباطا بالذات، هذه الأخيرة تعدّ البيت الذي تلوذ إليه كلما شعرت بالغربة والاغتراب في وجود يكره وجوده ووجود الجمال والحب، وجود الشمس ساطعة في سماء القلوب، وجود الماء الجاري بين المجاري ناشرا الحياة والبهاء في ربوع الأصقاع الطبيعية والإنسانية، ومادامت الكتابة مرتبطة بالذات فهي تنغمس في الأسئلة الحارقة والمضنية، الأسئلة المنبثقة من توتر داخلي يغلي في مرجل الأعماق، للإجابة عنها بعيدا عن النرجسية المرضية، وإنما مرتهنة بكينونة تبحث عن مخرج للإنسانية من هذا الوضع الجحيمي الذي تتخبط في قيوده . ولعل الاحتفاء بالموت ما هو إلا صرخة في وجه العالم المتجبّر القاهر، المستبد، القاتل لكل أمل في الحياة حتى ينعم الوجود بالاستقرار الروحي والمادي، والتزام بأحقية الحياة .
2)
لا يسعى الكاتب من وراء الكتابة إلى كسب مادي ولا مجد سلطوي زائل؛ وإنما يشاكس العالم ويستفزّه بالسعي خلف ما هو معنوي يستطيع من خلاله، أن يبذر في الروح بذور الإحساس بقيمة الحياة والجمال، والذود عن القيم الإنسانية التي تسمو بالإنسان عن الزائل الطارئ، والتشبث بكل ما ينقذ الذات والعالم من الغرق في التشيؤ والتبضيع الذي تقوم جاهدة به العولمة تجاه الإنسان والقيم والمشاعر النبيلة؛ فكان لهذا الأمر سلبيات تهدد كينونة الإنسان التي أصبحت تتلاشى وتندثر بفعل ممارسات لا تمت إلى الإنسان بصلة. ولعل الاغتراب المفعم بالعدمية الذي ينتاب الكاتب ما هو إلا جواب عمَّا يعتور العالم من تشوهات في القيم السامية التي كرستها جل المعتقدات السماوية، وجذّرتها الأفكار الإنسانية التي تنتصر للإنسان وللقيم، وتنبذ كل ما من شأنه إحداث أعطاب لن تنجو البشرية من عواقبها الوخيمة التي بدأت، في الآونة الأخيرة، تنتشر كالنار في الهشيم، ذلك أن اللاقيم وتسليع الإنسان وتخريب العالم البيئي هي لسان حال عالم ذاهب إلى الانهيار، الشي الذي يدعونا إلى التأمل في هذا المصير الكارثي الموبوء بأمراض التّملك والهيمنة التي تحولت إلى هوية بشرية هدفها قتل العواطف المتوهجة بما هو فطري أصيل في الإنسان؛ وبالتالي تغدو الكتابة الدواء الذي يمكنه علاج البشرية من هذه العلل المهلكة والقاضية على الحس والتأمل والتدبّر في ملكوت الله وملكوت الإنسان للوقوف على حقيقة الاحتفاء بالحياة والقيم والمحبة.
فالكتابة وعاء من هذا الانهيار الحضاري الذي يهدد الذات في وجودها، ووعاء أيضا لرعاية القيم والحب والجمال حتى يتحول العالم إلى مرتع للنور والضياء، للمحبة والفضيلة، حتى تعود البشرية إلى سِمْتِها الحقيقي، وعليه فالكاتب يَجْمُلُ به أن يكون في الصفوف الأمامية للدفاع والمنافحة عن الذات والعالم بما يملك من قوة الخيال أولا ومن وهج التأمل لصوغ تجارب همّها الإنصات إلى المحيط النابض بالحياة، والضاج بالألم.
3)
الكتابة العميقة تنطلق دوما من تصور واضح للعملية الإبداعية، إذ في غياب وعي جمالي وفني لا يمكن للكتابة تأدية دورها التنويري أولا فهي بمثابة النبراس الذي يضيء عتمات البواطن ويكشف عن المشاعر الدفينة والهواجس المتوترة للذات، وثانيا لكونها تبحث عما هو جوهري في الكون، فالكاتب وهو يخلق عوالمه الإبداعية يستدعي معالم الوجود الملتبسة محاولا القبض عليها، ومحاورتها حوارا نابعا من عمق الإحساس تجاه الكائنات الممتدة في ملكوت لا ينتهي.
هذا الوعي الجمالي الفني يمنح للكتابة بعدها القيمي والثيماتي، ويزيدها إشراقة وتوهجا، لأنها تسعى إلى التعبير عن موقف الذات من كينونتها، والعالم عبْر التأمل المعقلن؛ والتدبّر المؤنسن حتى يحقق الموجود وجوده الناطق بحالات التوتر والقلق، والاحتراق بالأسئلة الوجودية المبرقة في الآن ذاته، فالسؤال الوجودي لطالما حيّر العلماء والفقهاء والمبدعين والفلاسفة وكل من له ذرة تفكير، لكونه سؤالا مرتبطا بهذا العالم المتنافر والمتصارع مع الذات التي تبذل قصارى جهدها لتملّك هذه الكينونات المتعددة حتى يحقق هوية كينونته المتملصة والهاربة نحو العزلة المفضية إلى الشعور بالغربة والاغتراب، خصوصا في ظل الانهيار التام للقيم والإنسان.
لا غرو في كون الكتابة مغامرة محفوفة بمخاطر الإبحار في لج غائر وعميق، من لم يمتلك مجاذيف الرؤية الواضحة الجلية سيكون من الضحايا الأولين لهذه المغامرة، وكذلك الفكر المنفتح على آفاق بعيدة من خلالها نستشرف العمق الكوني والإنساني.
4)
الكتابة حفر أبدي في الطبقات الجيولوجية للأعماق؛ حتى تستطيع الذات الكاتبة التعبير عمّا يعتورها من ارتجافات وجودية تجاه العالم، وتجاه المصير الإنساني في ألفية تشهد أكبر كارثة في الحق البشري، حيث لا مجال للإحساس بالأمن الوجودي لذوات متشظية ومتمزقة بفعل حروب طاحنة من أجل إشباع الرغبات الغابوية، كل هذا دمغ الكتابة المعاصرة باللاجدوى والعدمية واللامعنى، إنها كتابة سوداء تؤمن بالظلمة والعتمات، تكره النور، وبالتالي فهي تنتصر للغموض بدل الوضوح، فأمام هذا الخراب الذي يعم العالم ما عسى الكتابة القيام به سوى النحيب ولعنة الموت. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بالكتابة العمياء.
فالكتابة العمياء إدانة فصيحة بليغة ضد وجود ملتبس؛ منهار على المستوى القيمي، لا قيمة للحياة، عالم يمجّد التوابيت والجثامين، والجنون المخرب الهدّام وليس الجنون المعقلن بتعبير الشاعر الجميل عبد الله راجع، من هنا نلاحظ الاختيار الاضطراري للكاتب بعيدا عن واقع ملتهب، مشتعل بأسئلة المفارقات التي تعمّ هذا الملكوت الذي لم يعد إلا عنوانا للتيه، لانتحار الإنسان في متاهات الاغتراب القسري .
الكتابة العمياء صرخة في وجه البصيرة التي عجزت عن الإدراك العميق لما يجري من تخريب وتدمير لحضارت إنسانية لعبت دورا مهما في تشكيل الوعي الإنساني والكوني، هذه البصيرة المستضاءة اليوم بالقتامة الاستهلاكية المعولمة. إنها كتابة المتاهات التي بإمكانها انتشال الذات الكاتبة من ربقة هذا الجحيم الوجودي التي ألقيت فيه البشرية، بعد أن اعتقد الإنسان تحرره من أغلال العبودية المستحدثة بلبوسات اقتصاد السوق الحرة وعولمة ثقافة ملء البطن وتسطيح الفكر، وعليه فالكاتب وهو في حالة تأمل وتبصر لما يجري يشعر بنوع من النفي القسري الممارس عليه، إذ لا وجود لمنطق الاختلاف في منظور القوى الجائرة، المستبدة، التي لم تأل جهدا في تمييع الإنسان وتحويله إلى سلعة لصناعة الرداءة الفكرية والثقافية والسياسية، ما أدى إلى بروز أمراض اجتماعية تستشري في جسم المجتمعات تهدد الإنسان في الوجود.
الكتابة العمياء أو كتابة المتاهات هي رحلة الذات عبر الإنصات الروحي لفيوضات المنسي والمهمش في الذات، والإبحار في سراديب العالم المدلهمة بأحداث خارقة للمألوف في القيم والثوابت في الأعراف العالمية بين الأمم التي تلح على ضرورة الإيمان بالاختلاف، في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة لا مكان للاختلاف وفي هذا إيذانا بانهيار العقلانية المتنورة أمام العصبيات القومية، والتعصب الديني، ورفض الآخر المختلف ثقافيا وعقائديا من تجليات أزمة العقل الإنساني الذي يعيش حالة شلل، نظرا لهذا التغول الغابوي.
فالكتابة العمياء لا تستسلم للكائن وإنما تحرّض من أجل معانقة الممكن، كحلم يراود الذات الكاتبة للتعبير عما يكتنفها من تشوهات في الرؤية، هذه الأخيرة لابد من امتلاكها من لدن الكاتب حتى يستطيع ملامسة أعطاب الإنسانية، ووجود مخارج حقيقية لأزمة قيم. وهي التي، من خلالها، تستمد الذات الكاتبة القدرة على مجابهة متاهات معتمة في الذات والعالم.
القدس العربي
٭ شاعر من المغرب

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى