ثقافة وادبزوايا

كتابات لا تنشر.. على الدفاتر اليومية

84d731f9-b251-47d5-8501-16c39d096ccd

يمشون إلى حياتهم راضين بكل هذه “العاديّة”، لكنهم في حياة موازية يصنعون مشهدياتهم وكلماتهم في نصوص مختبئة في دفاتر. لا ينشرونها لأنّ في الأخير “تعدّياً على السر” الذي يمشي به الشخص إلى حياته. في ما يلي إجابات عن أسئلة لعددٍ من الكتّاب الشباب الذين يكتبون ولا ينشرون. لماذا يرفضون النشر وما الذي تضفيه الكتابة غير المنشورة على النص؟
مريم حجازي
حين أكتب، من ثم أقرأ ما كتبت تصبح الأشياء أكثر وضوحاً بالنسبة إليّ. أن يصاغ الشعور أو الفكرة أمر يستهويني كثيراً. أن نعوّض العجز بالكلمات وإعادة تشبيه الألم بأشياء خيالية. لأنّ حافز الكتابة الأساسي لديّ هو الحزن.
لا أكتب يوميا لأن الكتابة أمر انسيابي وليس تطويعياً. لا أستطيع الكتابة في أيّ وقت، لأنّ الكتابة ليست قراراً بل تخرج بشكل تلقائي وما يستدعيها هو التجربة.
قدمت لي الكتابة معرفة أكثر بنفسي، صرت ألاحظ تبدّل المصطلحات والصور التي أستخدمها وأقيّم حالتي النفسيّة. أفادني هذا الأمر كثيراً من ناحية فهم نفسي، وبالتالي السيطرة على ردود فعلي وتقييمي للأشياء التي تحدث حولي.
أكثر ما يثيرني للكتابة هو الحب، الألم الفردي، الذاكرة، والعلاقة مع الله. أتقصّد ألّا أنشر ما أكتبه إلا قليلاً لأن النص حين يبقى بعيداً من أعين الناس يحافظ على خصوصيته، ويقدّم لكاتبه هامش حريّة أكبر. نحن نخاف أن تفضحنا الكتابة، نختبئ بها من أنفسنا ومن الناس. النص غير المنشور فيه صدقية أكبر ومقارعة شفافة مع الذات، بالنسبة لي. لا يكون النص خاضعاً للنقد ولا لمراعاة المزاج العام.
نص للكاتبة:
“لطالما وقفت أمام صورتك، تلك التي استثنيت الحزن فيها وأظهرت بسمة خفيفة. كنت أجيد التأمل فيها، في كثرة التفاصيل الكامنة في وجهك. أحب فكرة البكاء أمامها، كأنّي مع كل دمعة أعاتبك وأغسل الكره المتراكم بيننا. لا وسيلة للاعتذار غير ذلك، أن أبكي أمامك ولو من خلف صورة اختلستها منك ذات لقاء. هذا الكم الهائل من الألم، لفتاة تنتحب أمام من تحب، كقربان للغفران. وما يشعرني بالراحة، اعتقادي القوي أنّ الله يعدّ الدمع تماماً كالحسنات، ويجبر بذلك الكسر الذي في داخلي”.
عبد الله خليفة
‎تعدّت الكتابة بالنسبة لي كونها عادة أو موهبة لتصير جزءاً من حياتي اليومية. وبالرغم من أنّي لا أكتب يومياً، لأنّي لست متفرغاً لها، لكنّي أعتبر مطاردة الأفكار والمشاهد التي تمرّ بي جزءاً من عملية الكتابة. تخلق لي الكتابة مساحة لأكون حيث أشاء، أكتب شيئاً فأكون العاشق أو الواعظ أو المعلّق على الأحداث…
أحياناً، تلحّ عليّ فكرة ما فتكون أقوى من الضجيج المحيط أو ضغوطات العمل، فأخلق الوقت وأكتبها. قد يتكرّر ذلك في فترات متقاربة. تقرّبنا الكتابة من الحدث الذي نكتب عنه أو من الحالة، حتى نصبح جزءاً منها أو أنّها تعيد خلق حالة مؤاتية لطريقة عيشنا فيها أو تلقينا لها.
على المستوى الشخصي، تعني قضية الوطن لي الكثير لأنّني مغترب، وهذا ينعكس على ما أكتبه ويأخذ حيّزاً كبيراً من نصوصي. كل ما يتعلق بالوطن يستفزني لأكتب عنه. كما أكتب في أحيان كثيرة عن الحب والفكر الديني، إضافة إلى يومياتي.
تفسح لي الكتابة غير المنشورة التوسع أكثر في الفكرة. أشعر أنّي بذلك في مساحة رحبة لا ينتظرني فيها أحد ليقيّم ويبدي رأيه. في الكتابة التي لا تنشر انعكاس أعمق لشخصية صاحبها، تعطي النص صبغة حقيقة بعيدة من التزيين. لو عدنا إلى بعض الروايات، فإنّ أكثر المقاطع جاذبية هي تلك التي دأب الكاتب فيها على التخفّي خلف شخصية معيّنة، كواجهة يقف وراءها ليتكلم عما يشعر به.
يبقى أن هناك الكثير ممن يكتبون يعتقدون أنّ كتاباتهم لا تستحق النشر، وقد لا يكون هذا الأمر صائباً، إنما بسبب قراءاتهم المكثفة وعدم ثقتهم بأن ما لديهم يستحق النشر، أو مثلاً لعدم وجود منصات متاحة للنشر. لكن في الغالب، الكتّاب المترددون في النشر لديهم أجود أنواع الكتابة.
نص للكاتب:
“أعترف أنّي أنانيّ. أريد جمالك لعينيّ فقط. أريد أنسكِ لروحي فقط. وأعترف أنّي شرقيّ حين أكذب في كل مرة أقول إني لا أمانع وأنا أمانع. لكنّي يا حبيبتي لن أضع في يديك القيود، ولن أخنق صوت العصافير على شبّاككِ ولن أختنق بعد ذلك. أنا أكره الحبّ عندما أختنق”.
لارا حسن
كنت أكتب في صغري بالإنكليزية وكان لدي دفتر صغير أدوّن فيه رسائل أرسلها إلى شخص متخيّل سميته “الرجل الذي على القمر”. بعدها صرت أقرأ شعراً لنزار قباني وتعرّفت على الكتابة باللغة العربية من خلال دواوينه. كنت أكتب يومياتي بشكل دائم على دفتر مخصّصٍ لها، وأدوّن أحداثاً صارت بالفعل وأخرى متخيّلة، كأن أقول إنّني سافرت مع عائلتي إلى أفريقيا وتعرفنا إلى تلك البلاد عن قرب.
كان النص الأول الذي أكتبه ويقرأه أحد غيري هو المرثية التي كتبتها حين توفي جدي عام 2008 وقرأتها أمام الناس.
تأثّرت كثيراً بكتابات بسام حجار، وصار كاتبي المفضّل، وأشعربأنّي إذا وددت كتابة شيء ما فسأكتب مثله. اشتريت كتبه كلها وأتقصد ألّا أقرأها دفعة واحدة، والسبب أنّه مات، ولن يكون بإمكانه كتابة شيء جديد.
لم أرغب يوماً بنشر ما أكتب لأني منذ البداية كنت أتوجه إلى شخص واحد متخيل، هو نفسه “الرجل الذي على القمر”. شخص أعلم أنّه يفهمني ويقرأ رسائلي ونصوصي ويتفاعل معها. إضافة إلى أنّ الكتابة تذهب بنا أبعد من المشهد أو الحدث، ولن يتمكن الجميع من تصديق أن ما كُتب ليس حقيقياً، وهذا أمر مزعج، أن تكتب ما تريد أن يصل إلى أذهان الناس لا أن تتخلى عن كل ذلك لتكتب ما يحلو لك من دون قلق التقييمات. بالإضافة إلى ذلك، فالكتابة هي ولوج في حالة معيّنة، فأجد أن النشر هو تعدّ متقصد للآخرين على مساحة هذه الحالة الخاصة، تماماً كما القراءة، حين نلج في مشهد ما ونصير جزءاً منه، فإنّنا في هذه اللحظة سنرفض إشراك أي أحد معنا لأنّها حالة تخصنا وحدنا. نشرت نصين لي في الجريدة وفي المرتين كان هناك سبب للنشر. لكن في المجمل، أحب أن تبقى الكتابة مفتوحة على احتمالات كثيرة وأشعربأن النشر يقلص من هذه اللحتمالات.
نص للكاتبة:
“تكلّما البارحة عن أنّ السماء هنا أكثر اتساعاً. أوسع من الحزن الثقيل الذي يعم بيروت. تكلما عن أنّ الشمس هنا ترمي بأفياء خضراء على الأرواح الضالّة.
كانت هي تنظر إلى السماء، ويغرق هو في ضوء عينيها. تلك الصغيرة التي تجلس في حضن والدها وتسأله دائماً: “بابا فيك تفتحلي طريق؟”، قاصدة بأن يأخذ القضمة الأولى من أي شيء، كالتفاحة التي بين يديها.
وهي هناك تنتظر، محدقة، راجفة من الخطوة الأولى. كان هو يغرق ويرى الألوان تزداد حدّةً، لِتبتعد عن الرمادي الساكن غشاء عينيه.
ختم نظرته الأخيرة بابتسامة. عارفاً أنه من الآن سيجمع أطراف الدنيا بين ملامح وجهها. ترك اتّساع السماء، أطفأ حنينه لِبيروت، وأغمض عينيه على العالم. داعب يدها بين أصابعه وتمتم: “كل العمر”. كان هذا هو أوّل الطريق”.

0
السفير

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى