
عمان ـ «القدس العربي»: لا مجال للحيرة والتكهن والاسترسال في التوقع فالاستعراض «المبالغ فيه» برأي أردنيين كثر خلال استقبال ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز يضرب ثلاثة عصافير على شكل أهداف عميقة بحجر واحد سياسياً.
أولاً- الأردن دولة قوية وصلبة وفيها مؤسسات عريقة وبصرف النظر عن أي اجتهادات في الإعلام والنخبة بعنوان حساسيات العلاقة مع السعودية لا زالت تستطيع الترحيب شعبياً وعسكرياً بضيف كبير على الملك عبدالله الثاني.
الترحيب هنا من موقع «الندية» وليس «التبعية» وبصرف النظر عن مقدار ونسبة «التجاوب»السعودي مع حاجات المملكة الاقتصادية والمالية الملحة وهو نفسه التجاوب الذي يثير نقاشاً حيوياً في الوسط السياسي وحتى في نقاشات خاصة داخل مؤسسة القصر الملكي.
ثانياً- إظهار القدرات الحقيقية لوجستياً وأمنياً للدولة الأردنية فعمان تستطيع ترتيب هذا الاستقبال الحافل شعبياً وعسكرياً لضيف من حجم الملك سلمان قبل 24 ساعة من ترتيباتها «الأمنية والدبلوماسية» الضخمة بعنوان ترسيم قمة البحر الميت.
ثالثاً- وقد يكون الأهم- معالجة الحساسيات التراثية التي تطرحها او تحركها بعض الأطراف السعودية هنا وهناك وبين الحين والآخر وهي المسألة ألتي بررت استعراضًا عسكريًا وثقافيًا حافلا أمام الملك سلمان في ساحة الراية الهاشمية وبتوقيع الجيش العربي.
عملياً لا توجد أدلة وقرائن على ان عمان لم تحقق أهدافها المرسومة في البعد السياسي وهي تطرح رسائلها بطريقة تفهمها المؤسسة السعودية العريقة وعلى اساس ان العلاقات في بعدها الاستراتيجي بين البلدين ولن تدخل يوماً في سياقات «التكتيك»..على الأقل هذا ما يريده الأردن بكل الأحوال.
على هذا الأساس يلتقط أمير وسفير سعودي لا ينقصه الذكاء هو خالد بن فيصل الرسالة فيشكر ملك الأردن متمنياً ان يسمح له ان يكون أردنياً.
الأمير السفير عمل في عمان منذ اشهر عدة وكان طوال الوقت «نقدياً» في التعاطي مع ملاحظات في جلسات عامة ويصر على ان أنه وسفارته فقط يمثلان المحطة التي تقرر فيها الأجندة المشتركة لمؤسسات البلدين. وخلف الستارة وقبل القمة واستقبال الملك سلمان عبر السفير الأمير لشخصيات أردنية عن انزعاجه من بعض الشخصيات البرلمانية التي وجهت «عبارات غير لائقة بحق بلاده» وبدون مبرر.
في إحدى هذه المجالسات لاحظ السفير نفسه بأن الإجراءات التي اتخذت في مسألة الخطبة الشهيرة لإمام الحضرة الهاشمية السابق الشيخ أحمد هليل «مرضية» فيما لا زال يترقب مواقف ترد على لسان نواب وبرلمانيين ليسوا محسوبين على المعارضة.
يبدو ان الذاكرة السعودية التي لا تنسى بالعادة «أسقطت التهمة» ضد بعض الأردنيين بعد الأجواء التحالفية التي شهدتها قمة البحر الميت واستعراضات استقبال الملك سلمان حيث لم تعد هذه الاتهامات ولا أصحابها في مستوى «الأهمية».
قبل استقبال الملك سلمان الكيمياء كانت فعالة ونشطة في الرسائل الأردنية حيث اقيل الشيخ هليل فوراً من منصبه بعد خطبته الشهيرة فيما توقف عضوا البرلمان طارق خوري واحمد الصفدي عن الإرسال دون ضجيج لاحقاً.
في خطوة زمنية اقرب لقمة البحر الميت اقيل قبل ساعات من حضور الملك سلمان المستشار العسكري في القصر الملكي الجنرال مشعل الزين حتى لا يضطر- كما يقول خبراء- للاصطفاف وسط كبار المسؤولين أثناء استقبال الملك السعودي الضيف. كما حضر بطرف الصورة في اشارة ملغزة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عبدالله النسور الذي اشتهر بتصريحاته « المعاتبة» للسعودية مرتين على الأقل عندما كان رئيساً للوزراء وقال بان الأردن يمنع حتى الطيور الجارحة والضارة من العبور للشقيقة الكبرى.
تقدم الأردنيون وفي لغة البروتوكول والسياسة بـ»درس رفيع المستوى» ومفعم بالبلاغة والإيحاءات. وطوال الوقت تحرص عمان على الإشارة إلى انها «لا تقايض ولا تعاتب» بتوجيهات ملكية بالمسألة السعودية، من الواضح ان سياسياً اردنياً واحداً فقط يعمل على هذا الأساس خلف المشهد عبر تطوير «آليات شراكة» وتبادل منافع ومصالح بصورة ندية. بهذه الخلفية حضر الملك سلمان وحضر معه واجبه، كما يقال أردنيًا.
لكن على الأرض ورداً على الرسائل الأردنية الودية تستطيع «القدس العربي» ان تؤكد بان السعودية رفعت لافتة واضحة العنوان توحي بان الأسلوب تغير وتبدل وبأن «كرة التعاون الاستثماري والاقتصادي» في المرمى الأردني وليس السعـودي.
ما قالته السعودية مباشر ومختصر لمسؤولي عمان «لديكم حصة في العقل والقلب وحصة من مال استثماري، ظروفنا متباينة قليلاً، فقط المطلوب منكم تحضير الدرس جيداً ..»، بمعنى آخر قالت السعودية ضمناً للأردنيين، «هاتوا مشاريع مقنعة على اساس الشراكة المنتجة ونحن جاهزون للتمويل».
وعليه تصبح مهمة الالتقاط أردنية وبلا عتب ولا عنتريات ولا إنشائيات رومانسية ليس فقط لأن أحوال «السيولة النقدية» تبدلت في السعودية بحكم اعتبارات عديدة. ولكن ايضاً لأن الرياض «تمعذرت» من شقيقتها عمان وهي تبلغ بأنها «لا تريد فتح الباب على مصراعيه أمامها في حال تقديم مساعدات مالية نقدية مباشرة».
المقصود واضح هنا فعمان تعرف مثلاً بأن حكومة بغداد تريد من السعودية «شطب كامل ديون العراق» وبأن اليمن التهم وسيحتاج كميات كبيرة من السيولة في كل الأحوال وبعد وقبل عاصفة الحزم ومهما كانت النتائج.
وبأن عيون نظام السيسي على المزيد من المليارات خلافاً لما تتطلبه من كلف إدامة الصدارة السعودية والمواجهة المفتوحة مع إيران في سوريا والعراق وكذلك في لبنان.
«العذر السعودي» منطقي ومقبول في عمان وإن كان لا يحبه بعض ساستها لكن هذا واقع الحال والتجاذبات اختفت وزالت عن الخريطة وعمان قالت كلمتها برجولة في استقبال الملك سلمان وبقي على نخبتها ان تظهر الأهلية بالقدرة على تقديم مشاريع منتجة وفعالة تقنع التمويل السعودي وتعود بالفائدة لأن الحديث الأولي عن ثلاثة مليارات كدفعة اولى في حساب مشاريع الشراكة الاستثمارية خلافاً للمساعدات المرسومة أصلاً نقدياً.
الملكان عبدالله الثاني وسلمان وفرا الإطار وعلى الموظفين والوزراء في عمان القيام بالواجب وهنا حصرياً تكمن اهمية توقع تبديلات في طبقة علية القوم الأردنية تفاعلاً مع البوصلة السعودية.



