
رياض سيف /لم أتفاجأ أبداً، ولم أشك لحظة بأن فناناً فلسطينياً بقامة كامل الباشا يمكن ان تخطئه جائزة عالمية كأفضل ممثل حين فاز بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم “القضية رقم 23” الذي شارك في مهرجان البندقية السينمائي، في دورته الرابعة والسبعين،
ولا ينطبق القول على الفنان كامل فحسب، بل ينطبق على كثيرين من فناني فلسطين الذين اثبتوا انه اذا ما سنحت لهم الظروف والفرص في اعمال كبيره اخرجوا ما بداخلهم من ماسات غطاها الغبار وتناثروا أشعاعاً في الإبداع والتميز.
كامل الباشا مثل للفنان الفلسطيني الذي عرفته جيداً وتعاملت معه، وكان دائماً في مقدمة المضحين القابضين على جمر فنهم، لا يهزمهم جوع أو عازة، فغذاؤهم الفن ان جاعوا ووقودهم الإبداع الذي ألهمهم إياه تراب ارضهم وصلابة انتمائهم وحبهم لفلسطين التي ما زالت ولّادة للتميز والإبداع رغم جراحها، معطاءة رغم إعصارها.
حين كتبت فيلم حالة عن حصار البشر والحجر في زمن اجتياح المحتل للمدن الفلسطينية عام 2002 م بما سمي بالسور الواقي، ويحكي عن حالة حب بين محاصَرين وسط دمار وموت. كان كامل الباشا بطلاً لهذا العمل، بطلاً بكل ما تعنيه الكلمة من فن وإنسانية وعطاء.
ورغم بساطة التجربة الا انه اخذ من وقته وقوته وجهده ومن جيبه مشاركاً وبدون مقابل بل
وبدون ان ينتظر كلمة شكر، كان يقضي ساعات طويلة من الصباح الى الصباح ومع الفجر يتوجه من رام الله الى القدس رغم الحواجز والمعيقات، ليعود بعد ساعات ليكمل عمله بابتسامة متجدده وعزيمة قوية وإيمان راسخ برسالة الفن التي كلفته الكثير ولم تعطه سوى الأمل بأن يكون الغد افضل مما مضى بإرساء دعائم حالة من الفن الفلسطيني ينافس ليس الأعمال العربية فحسب، ولكن يتجاوزه الى العالمية لكون القضية التي يحملها فناننا الفلسطيني هي القضية الكبرى في هذا العالم وستبقى كذلك، وعلى الفن ان يكون موازياً ومساوياً لها في المقدار ..
كان أداؤه طبيعياً لا تكلفَ فيه، بساطته كانت سر اعجازه، ولذا كنت ارى فيه ذلك الممثل الذي لم اره في غيره من الكثيرين الذين تعاملت معهم من قبل، والذين وصلوا الى النجومية واصبحوا يشار اليهم بالبنان كجمال سليمان وعابد فهد وغيرهم من النجوم الكبار.
ولعلي لا أُخفي سراً اذا قلت ان كامل الباشا كان من المرشحين الرئيسيين لمسلسل بوابة القدس، ولكن ارتباطاته المسرحية حالت دون مشاركته، ما جعلنا نستعين بممثلين من الداخل والضفة الذين قدموا وابهروا، واضافوا بصمتهم الى هذا العمل الكبير. كما اضاف ممثلون من فلسطين بصمتهم في مسلسل الاجتياح، الذي وصل الى العالمية وكان اول عمل في تاريخ الدراما العربية يصل الى جائزة ايمي العالمية. ولا ننس في المقابل كم هي الافلام الفلسطينية التي حققت عالميتها بمخرجيها وممثليها وكتابها وكل العاملين فيها وبها.
نعم نفرح لهذه الانجازات وبالمقابل فإن فرحتنا تبقى منقوصة لا تخلو من بحة الحزن، لكون العالم يقف مصفقاً لإبداعاتنا التي منطلقها وموردها ونتاجها من خارج المؤسسة الفلسطينية التي لم تدرك يوماً ان عملاً فنياً مبدعاً عن قضيتنا العادلة يوازي خطابة الف عام، ويتقدم بالقضية خطوات لا تحققها مئات المؤتمرات وآلاف الصفحات.
فهل ما زال لدى مؤسساتنا وأُطرنا الوطنية شك بعد كل هذه الشواهد الدامغة؟…
* كاتب وسيناريست


