لم أكن أهتم كثيراً بعرفات. لم أكن أهتم بشأن اللحية المشعثة أو العينين الجاحظتين، أو حقيقة أنه تخلص من بعض من أصحابه، أو حتى بالطريقة التي نهر بها ذات مرة مصوراً صديقاً لي، كان قد حاول أخذ صورة لرأسه الصلعاء. كان الأداء المسرحي، ذلك الحديث الفائض الذي لا داعي له عن “سلام الشجعان -وهي عبارة نسخها عن ديغول- ثم إخراجه الذي لا ينتهي أثناء المقابلات ورقة جنيه فلسطيني قديم عليها كتابات بالعبرية والعربية. بالتأكيد يستطيع اليهود والعرب أن يعيشوا معاً مرة أخرى؟
قدم عرفات الكثير من التنازلات لإسرائيل -لأنه كان يشيخ وأراد أن يذهب إلى “فلسطين” قبل أن يموت- وهي التنازلات التي ما يزال خلفاؤه السياسيون يدفعون ثمنها حتى الآن. لم يكن عرفات قد رأى مطلقاً مستعمرة يهودية فوق الأرض المحتلة عندما قبل باتفاقيات أوسلو. لقد وثق بالأميركيين. ووثق بالإسرائيليين. ووثق بأي شخص بدا وأنه يقول الأشياء الصحيحة. ولا بد أنها كانت بداية منهكة في مسيرته المهنية، أن يكون “إرهابياً” فائقاً في بيروت، ثم يحظى بالحفاوة والاستقبال في حديقة البيت الأبيض باعتباره “رجل دولة” فائقا، ثم أن تقوم إسرائيل بإعادة رسم تكوينه ليكون “إرهابياً” فائقاً مرة أخرى.
في نهاية المطاف، وبينما كان محاصراً في مقره في رام الله تحت قصف الدبابات الإسرائيلية، لاحظ زواره القلائل أنه بدا مريضاً. ولاحظ دبلوماسي إسكندنافي تمكّن من زيارته كيف أنه لم يعد يرتدي الجوارب، وكيف تكونت لديه عادة التقاط اللحم الفائض من قدميه خلال المقابلات، وكيف تغيرت رائحة المرافق الصحية التي يستخدمها.
ثم جاءت رحلة عرفات إلى باريس -تحول الإسرائيليون فجأة ليصبحوا إنسانيين تجاه الرجل العجوز- و، حتى قبل وفاته، جاءت أولى الغمغمات عن السم. لم آخذ تلك الغمغمات على محمل الجد كثيراً حينذاك. فكرت بأنه إذا عاش، فإن الثرثرات ستتوقف؛ وإذا مات، فإنه سيكون قد تعرض للسم -بنفس تأكيد تسمم نابليون على يد البريطانيين، بنفس تأكيد كون أحداث 11/9 مؤامرة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وهكذا، مات عرفات. وهكذا، بطبيعة الحال، قيل لنا إنه قد سُمم.
سهى عرفات، التي كانت مغتربة عنه لبعض السنوات، بدأت الحديث عن مقتله. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الأمر جريمة قتل. وصادف أنني سمعت حديثاً من ممرضة عسكرية تعمل في مستشفى بيرسي العسكري حيث عولج عرفات وحيث توفي. وقالت الممرضة إن السلطات الطبية أجرت فحوصاً كثيفة لتتأكد مما إذا كان عرفات قد تعرض للتسميم، قبل وفاته وبعدها، ولم يعثروا على أي أثر للسم. وكانت علاقات الفرنسيين مع إسرائيل سيئة في ذلك الوقت.
ولكن، بينما توالت السنين، لم يكن هناك أي حديث أو أي ذكر لموت عرفات يخلو من كلمة “سم”. وعندما بدأت الاتهامات، تحدث حتى الناطقون الرسميون الإسرائيليون عن احتمال أن يكون أعداء عرفات الفلسطينيون قد تخلصوا منه. ومن جهة أخرى، ثبت أن إسرائيل حاولت تسميم مسؤول حماس في عمان -ثم قامت بإعلام الملك حسين بنوع الترياق المضاد للسم واضطر بنيامين نتنياهو إلى إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين كجزء من تلك الصفقة. ثم قام الإسرائيليون لاحقاً باغتيال ياسين بقصفه في كرسيه المتحرك.
ثم هذا الشهر، عندما قدم العلماء تقريرهم عن المستوى العالي لعنصر البولونيوم الذي عُثر عليه في جثة عرفات، بدأ الأمر كله من جديد. ربما يكون ذلك العنصر قد جاء، كما اقترح لي أحد الذين قابلتهم، من قذائف اليورانيوم المنضب التي أطلقها الإسرائيليون على مقر عرفات عندما كان عالقاً ومحاصراً في رام الله. مشكلة. فحسب تحرياتي في ذلك الوقت، لم تكن لدى الإسرائيليين أي قذائف تحتوي على اليورانيوم المنضب حسب جردهم للذخائر. ولا يعني ذلك أنهم لم يستخدموها في أماكن أخرى. ولكن، ليس في رام الله.
وما الدليل في واقع الأمر؟ لقد توفي عرفات في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2004، وهو يوم مناسب بما أن هدنة “الحرب العظمى” أشرت على نهاية صراع منح الميلاد لـ”الوطن” الإسرائيلي في فلسطين. التحقيقات الروسية أسفرت عن نتائج غير حاسمة. والفرنسيون لم يخبرونا عن النتائج التي توصلوا إليها بعد. والعينات الستون التي أُخذت من رفات الرجل العجوز وملابسه قادت المحققين السويسريين إلى القول فقط إن الدليل على وجود البولونيوم يدعم “بشكل معتدل” فكرة تعرضه للتسميم.
أنا أشك. أخبرني إدوارد سعيد بأن عرفات كان قد أخبره في العام 1985 بأنه “إذا كان هناك شيء أريد أن أكونه، فهو أن أكون مثل الحاج أمين. كان دائماً على حق، ولم يحصل على شيء ومات في المنفى”. وكان الحاج أمين، مفتي القدس المطارد من البريطانيين، قد ذهب إلى برلين خلال الحرب العالمية الثانية على أمل أن يقوم هتلر بمساعدة الفلسطينيين. كان ذلك أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه أي فلسطيني على الإطلاق. وقد تعقب عرفات خطى ذلك الخطأ بالذهاب إلى بغداد واحتضان صدام بعد غزوه للكويت، معتقداً بأن صدام سوف “يحرر” الأرض التي تسمى فلسطين. لقد أراد عرفات أن يصدق صدام. وأراد أن يصدق الأميركان. والإسرائيليين. وفي النتيجة، دمر إرثه من تلك الثقة العبثية أي أمل بقيام دولة فلسطينية. ذلك هو السم الذي ينبغي أن نكون بصدد دراسته.
(الإندبندنت) ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية





