قبل أيام، أرسل لي الصديق المطلع الرائع الدكتور زهير عناب رابط هذه المادة منشورة باللغة الإنجليزية. فكرت أولاً -بغريزة المترجم- أن أنقل النص إلى العربية بدفع الفضول وللاطلاع الخاص. تخوفت بداية مما قد تقوله السيدة الكاتبة ولم أفكر بالنشر، وقد تعودنا الحذر مما يكتبه أكثر اليهود. لكن الذي وجدته في تأملات إيلا حبيبة شوحط استنفر أشواقاً دفينة وأفكاراً يبدو الإعلان عنها مفرطاً في الطوباوية. قبل المشروع الصهيوني الاحتلالي في فلسطين، كان اليهود العرب، كما نسمع ونقرأ، جيراناً وأصدقاء وأبناء وطن. وحسب ما تقول شوحط، كانوا أبناءً للثقافة العربية التي يتحدثون لغتها وينتجون بها ويتواصلون بها. كانوا يحتفظون فقط بذلك التمايز العقائدي الخاص في داخل الثقافة الواحدة مثل مواطنيهم: عربي مسلم، عربي مسيحي، عربي يهودي.
ربما يفكر كثير من الفلسطينيين: ماذا لو “عاد” من يريد من اليهود إلى فلسطين، واندمج مع أهلها وثقافتها ومع أبناء دينه الفلسطينيين الأصليين في وطن يحتضن الجميع، بدون نية استهداف أهل فلسطين من غير اليهود بالطمس والإقصاء. ماذا لو بقي اليهود العرب الآخرون في مدنهم ومساقط رؤوسهم كما فعلوا كل الوقت. كانت أشياء كثيرة جداً ستذهب إلى غير ما ذهبت إليه. لكن شوحط فاجأتني بأشواق وحنين وانتماء لا نعرف عنها عند مواطنينا اليهود العرب قبل احتلال فلسطين، وعبرت عن أزمة حقيقية تسبب بها الصهاينة الغربيون، وربما بغير قصد تلك الحكومات العربية التي سارعت إلى طرد مواطنيها اليهود لدى قيام الكيان، فأصبح هؤلاء يحملون هوية مشوشة، ويتعرضون للتمييز أيضاً داخل التركيبة الاستعمارية التي يهيمن عليها الغربيون داخل الكيان الاحتلالي.
الآن، أصبح إقران العروبة باليهودية ينتمي إلى فئة الثنائيات المتعارضة، كما تقول شوحط. وكان الذي كرس تغريب هذه الفكرة التي كانت واقعية حتى وقت قريب هو عداء الصهيونية الأوروبية الشديد والمبيت للعرب -بل وحتى التمييز ضد العرب اليهود أنفسهم، بسبب أصولهم الثقافية. وكما تبين أطروحة شوحط المتماسكة، فإن الجميع يدفعون الثمن، بمن فيهم الذين قام المشروع الصهيوني على فكرة خدمتهم. إيلا حبيبة شوحط Ella Habiba Shohat، هي أستاذة الدراسات الثقافية ودراسات المرأة في جامعة مدينة نيويورك. كاتبة، خطيبة وناشطة، وهي مؤلفة “السينما الإسرائيلية: الشرق / الغرب وسياسة التمثيل” (مطبعة جامعة تكساس، 1989) والمؤلفة المشاركة (مع روبرت ستام) لكتاب “إغفال المركزية الأوروبية: التعددية الثقافية والإعلام” (روتليدج 1994). شاركت شوحط في تحرير كتاب “إقصاءات خطرة: تأملات في الجندرية، والأمة وما بعد الكولونيالية” (مطبعة جامعة مينيسوتا، 1997)، والعديد من الكتب الأخرى. تكتب في كثير من الأحيان لمجلات مثل “النص الاجتماعي” و”مجلة الدراسات الفلسطينية“.
الأصل الإنجليزي لهذه التأملات منشور على موقع “بنت جبيل” على الرابط http://www.bintjbeil.com/E/occupation/arab-jew.html، تحت عنوانReflections By An ARAB JEW. بتاريخ 18/12/2013.
إيلا حبيبة شوحط
عندما تُناقش في الولايات المتحدة مسائل الخطاب العنصري والكولونيالي، فإنه غالباً ما يتم استبعاد الناس من أصل شرق أوسطي أو شمال إفريقي من النقاش. وقد كُتبت هذه القطعة بقصد فتح نقاش متعدد الثقافات، يستطيع أن يذهب أبعد من التصنيف الأميركي الإحصائي التبسيطي الذي يختزل شعوب الشرق الأوسط في وصف “البيض” whites. كما كُتبت أيضاً بقصد إدخال فكرة التعددية الثقافية على المفاهيم الأميركية ليهودية المرء. وتستنطق روايتي الشخصية تلك المعارضة ذات الصبغة المركز-أوروبية للعرب واليهود، وخاصة إنكار الأصوات اليهودية العربية (السفارديم) في كافة السياقات الشرق أوسطية والأميركية.
أنا يهودية عربية. أو، بشكل أكثر تحديداً، امرأة إسرائيلية عراقية، تعيش وتكتب وتعمل بالتدريس في الولايات المتحدة، وقد ولد معظم أفراد عائلتي وترعرعوا في بغداد، وهم يعيشون الآن في العراق، وإسرائيل والولايات المتحدة وإنجلترا، وهولندا. وعندما واجهت جدتي المجتمع الإسرائيلي لأول مرة في الخمسينيات، كانت مقتنعة بأن الناس الذين يبدون ويتحدثون ويأكلون بشكل مختلف -يهود أوروبا- هم في الحقيقة مسيحيون أوروبيون. كانت يهودية جيلها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالشرق أوسطية. كان لا بد من تعليم جدتي، التي ما تزال تعيش في إسرائيل وما تزال تتواصل بالعربية إلى حد كبير، ذلك الحديث عن “نحن” كيهود، و”هم” كعرب. كان التمييز العامل بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط دائماً هو: “مسلم”، “يهودي”، و”مسيحي”، وليس عربي في مقابل يهودي. كان الافتراض هو أن “العروبة” تشير إلى الثقافة المشتركة واللغة المشتركة، بالرغم من مع الاختلافات الدينية.
غالباً ما يندهش الأميركيون لدى اكتشاف الاحتمالات المغثية وجودياً أو الغرائبية السحرية في مثل هذه الهوية التوفيقية. وأذكر مثلاً زميلاً راسخ المعرفة، ما يزال يعاني -على الرغم من دروسي المفصلة عن تاريخ اليهود العرب- من متاعب في فهم أنني لا أشكل شذوذاً مأسوياً -بكوني، على سبيل المثال، ابنة امرأة عربية (فلسطينية) وأب إسرائيلي (يهودي أوروبي). ويجعل العيش في أميركا الشمالية من الأصعب علينا إيصال فكرة أننا عرب، وأن لنا الحق مع ذلك في الاحتفاظ باختلافنا في سياق الشرق الأوسط؛ أننا عرب، ويحق لنا مع ذلك أن نحتفظ باختلافنا الديني، مثل العرب المسيحيين والعرب المسلمين.
كانت الحراسة الشُرطية للحدود الثقافية في إسرائيل بالتحديد هي التي أدت بالبعض منا إلى الهروب إلى عواصم الهويات التوفيقية. ومع ذلك، وفي السياق الأميركي، نواجه مرة أخرى نوعاً من الهيمنة التي تسمح لنا بأن نروي ذاكرة يهودية واحدة فقط: ذاكرة أوروبية. وبالنسبة لأولئك منا الذين لا يخفون شرق أوسطيتنا ويذوبونها في إطار “نحن” يهودي واحد، يصبح من الأصعب الوجود في سياق أميركي معاد لفكرة الشرق-أوسطية نفسها.
باعتباري يهودية عربية، أجد نفسي مضطرة كثيراً إلى شرح “أحجيات” هذا الكيان المتناقض: حقيقة أننا نتحدث العربية، وليس اليديشية؛ أن إبداعنا الثقافي، العلماني والديني، وجد تعبيره لآلاف السنين بالعربية (هناك موسى بن ميمون بوصفه واحداً من عدد قليل من المثقفين الذين استطاعوا “شق طريقهم” إلى وعي الغرب)؛ أنه حتى أكثر مجتمعاتنا تديناً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تعبر عن نفسها مطلقاً بالصلوات العبرية باللهجة اليديشية، كما أنها لم تمارس أبداً تلك القواعد الطقوسية- الإيمائية والرموز اللباسية التي تفضل الألوان الداكنة على طريقة بولندا قبل قرون. وبالمثل، لم تكن النساء في الشرق الأوسط يضعن الشعر المستعار أبداً؛ كانت أغطية شعرهن، إذا كن يرتديها، تتألف من أشكال مختلفة من الملابس الإقليمية (في أعقاب الإمبريالية البريطانية والفرنسية، ارتدى العديد الملابس غربية الطراز). إنك إذا ذهبت إلى معابدنا، حتى في نيويورك ومونتريال وباريس أو لندن، فسوف تندهش لدى سماع نغمات “ربع التون” الموسيقية الشرقية في موسيقانا وتراتيلنا، والتي ربما يتصور غير الملمّ بأنها آتية من مسجد.
الآن، وقد تورطت في الحرب تضاريسي الثقافية الثلاث التي تشكل تاريخي الممزق والمشلوع –العراق، وإسرائيل و الولايات المتحدة- فإن من الأهمية بمكان أن نقول إننا موجودون. البعض منا يرفضون الذوبان من أجل تسهيل الانقسامات القومية والعرقية “النقية”. لم يكن قلقي وألمي أثناء الهجمات بصواريخ سكود على إسرائيل، حيث يعيش بعض أفراد أسرتي، يلغي خوفي وألمي على ضحايا قصف العراق، حيث لدي أقارب أيضاً.
مع ذلك، تظل الحرب صديقة الثنائيات المتعارضة، وتترك مكاناً صغيراً فقط للهويات المعقدة. على سبيل المثال، كثفت حرب الخليج نوعاً من الضغط المألوف مسبقاً على الشتات اليهودي العربي في أعقاب الصراع العربي الإسرائيلي: ضغط يفرض على المرء الاختيار بين كونه يهودياً وكونه عربياً. بالنسبة لعائلاتنا التي عاش أفرادها في بلاد ما بين النهرين منذ السبي البابلي على الأقل؛ الذين تم تعريبهم لآلاف السنين، والذين جرى طردهم وترحيلهم فجأة إلى إسرائيل قبل 45 عاماً، أن يضطر الفرد فجأة إلى تقمص هوية يهودية أوروبية مهجنة مستندة إلى خبرات في روسيا وبولندا وألمانيا، كان تمريناً في التدمير الذاتي. أن يكون المرء يهودياً أوروبياً أو أميركياً، هو أمر ينظر إليه بالكاد على أنه تناقض. أما أن يكون المرء يهودياً عربياً، فهو أمر ظل ينظر إليه باعتباره نوعاً من المصادرة المنطقية، بل وحتى تخريباً أنطولوجياً. وقد أدت هذه الثنائية المتعارضة بالعديد من “اليهود الشرقيين” Oriental Jews (اسمنا في إسرائيل، الذي يشير إلى بلدان أصولنا الآسيوية والأفريقية المشتركة، هو: مزراحي)، أدت الثنائية إلى خلق فصام عميق داخل إلى الأحشاء، لأنه تم للمرة الأولى في تاريخنا فرض مفهومي العروبة واليهودية كمتضادات.
الخطاب الفكري في الغرب يسلط الضوء على التقاليد اليهودية-المسيحية، لكنه نادراً ما يعترف بالثقافة اليهودية-الإسلامية في الشرق الأوسط، شمال أفريقيا، أو أسبانيا ما قبل الطرد (1492) والأجزاء الأوروبية من الإمبراطورية العثمانية. وكثيراً ما جرى تصوير التجربة اليهودية في العالم المسلم على أنها كانت كابوساً لا نهاية له من القهر والإذلال.
مع أنني لا أريد بأي وسيلة إضفاء المثالية على تلك التجربة -كانت هناك توترات في بعض الأحيان، وتمييز، بل وحتى عنف- لكننا كنا نعيش، على وجه العموم، بشكل مريح جداً داخل المجتمعات المسلمة.
لا يمكن ببساطة مناقشة تاريخنا باستخدام المصطلحات اليهودية الأوروبية. كنا نحن، كيهود عراقيين، بينما نحتفظ بهوية الطائفة، مندغمين بشكل جيد وسكاناً أصليين للبلاد، ونشكل جزءاً لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والثقافية فيها. وبما أننا كنا معرّبين تماماً وبالكامل، فقد استخدمنا العربية حتى في التراتيل والطقوس الدينية. ثم أنجبت الاتجاهات الليبرالية والعلمانية في القرن العشرين ارتباطاً أقوى لليهود العراقيين بالثقافة العربية، والتي جلبت اليهود إلى ساحة نشطة للغاية في الحياة العامة والثقافية. وقد لعب الكتاب والشعرار والمفكرون اليهود البارزون دوراً حيوياً في الثقافة العربية، وميزوا أنفسهم في المسرح الناطق بالعربية، في الموسيقى، وكمطربين وملحنين وعازفين للآلات الموسيقية العربية التقليدية.
في مصر والمغرب وسورية ولبنان والعراق وتونس، أصبح اليهود أعضاء في الهيئات التشريعية والمجالس البلدية، والسلطة القضائية، حتى إنهم احتلوا مراكز اقتصادية متقدمة. (كان وزير المالية العراقي في الأربعينيات إسحق ساسون. وفي مصر، يعقوب صنوع (1) Jamas Sanua –وفي مفارقة كبيرة، فإن تلك المناصب أعلى من تلك التي وصل إليها أفراد جماعتنا بشكل عام في داخل الدولة اليهودية حتى التسعينيات!)
العملية التاريخية نفسها التي جردت الفلسطينيين من ممتلكاتهم وأراضيهم وحقوقهم الوطنية والسياسية، كانت متصلة بتجريد يهود الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من ممتلكاتهم وأراضيهم وتجذرهم في البلدان المسلمة. كلاجئين، أو مهاجرين هجرة جماعية (اعتماداً على منظور المرء السياسي)، أُجبِرنا على ترك كل شيء وراءنا والتخلي عن جوازات سفرنا العراقية. كما أثرت العملية نفسها أيضاً على نزوحنا وفقداننا الجذور، أو على توضيعنا الغامض في داخل إسرائيل نفسها، حيث جرى التمييز ضدنا بشكل منهجي من قبل المؤسسات التي كرست طاقاتها وقدراتها المادية لمنح الامتيازات الثابت ليهود أوروبا والحرمان الثابت لليهود الشرقيين. حتى إن ملامحنا الخارجية كانت تخوننا، وتفضي بنا إلى الاستعمار الداخلي والتصورات الفيزيائية الخاطئة. في كثير من الأحيان، تصبغ النساء الشرقيات من السفارديم شعرهن الداكن بالأشقر، في حين تم اعتقال الرجال اليهود الشرقيين أو ضربهم أكثر من مرة عندما تم الخلط بينهم وبين الفلسطينيين. والذي شكل للمهاجرين الأشكناز من بولندا وروسيا علواً اجتماعياً (حرفياً: “صعود”) كان بالنسبة للسفارديم الشرقيين تردياً (“هبوط“).
بعد أن جُردنا من تاريخنا، أجبَرنا وضعنا الذي لا مخرج منه على قمع حنيننا الجمعي، في المجال العام على الأقل. قامت الفكرة الطاغية عن “الشعب الواحد” الذي التم شمله في وطنه القديم بانتزاع السلطة فعلياً من أي ذكرى حنونة للحياة قبل إسرائيل. لم يُسمح لنا أبداً بالحزن والحداد بسبب الصدمة التي كثفتها وبلورتها في البعض منا مشاهد الدمار في العراق، وحسب. نادراً ما لا تدرس نتاجات إبداعنا الثقافي بالعربية والعبرية والآرامية في المدارس الإسرائيلية، ويصبح من الصعب باطراد إقناع أبنائنا بأننا كنا موجودين هناك فعلاً، وبأن البعض منا ما يزالون يعيشون هناك، في العراق والمغرب واليمن وإيران.
يفضل الإعلام الغربي كثيراً عرض مشهد تقدم التكنولوجيا الغربية المظفر على تناول موضوع بقاء وحياة الشعوب والثقافات في الشرق الأوسط. وليست حالة اليهود العرب سوى واحدة من العديد من حالات الحذف والإدغام. من الخارج، هناك القليل من الإحساس بمجتمعنا، وحتى أقل من ذلك من الإحساس والتقبل لاختلاف وجهات نظرنا السياسية. حركات السلام الشرقية-السفارديم، من الفهود السود في السبعينيات إلى كيشيت الجديدة (وهي ائتلاف “قوس قزحي” من جماعات المزراحي في إسرائيل) لم تكن تدعو فقط إلى سلام عادل للإسرائيليين والفلسطينيين، وإنما دعت أيضاً إلى التكامل الثقافي والسياسي والاقتصادي لإسرائيل/فلسطين مع منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي وضع حد لثنائيات الحرب المتعارضة، ووضع نهاية للرسم التبسيطي للهويات الشرق أوسطية.
ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة – الغد الاردنية





