فيما يصل العام 2013 إلى نهايته، فإنه لا يصعب العثور على شواهد قبور الهيمنة الأميركية. وربما كان الأمر الأكثر حداثة وتعبيراً هو زعم والتر راسيل ميد بأن هناك “قوى مركزية” -الصين، وإيران، وروسيا- كانت تتصرف مثل “محور سوس/ الشر،” حيث تنقّب داخلة وتخرج وهي تقوض بنية النظام الذي صنعته الولايات المتحدة وما يزال قائماً منذ عدة عقود.
لا يمتح ميد هذا النوع من الاستنتاج من فراغ. إن ما يقوله يطابق ما يعتقده العديد من الأميركيين وغير الأميركيين. وتؤكد كل الاستطلاعات العامة في العام 2013 هذا الاتجاه: إن أكثر الناس يعتقدون أن الولايات المتحدة أصبحت أقل قوة مما كانت عليه من قبل. ويريد الأميركيون الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن يتم التركيز على المشاكل الداخلية وترك بقية العالم لشأنه.
تشير نظرة سريعة إلى عناوين صحف العام 2013 إلى أن إدارة أوباما كانت تقود الرأي العام في الولايات المتحدة من الخلف. في موضوع سورية، على سبيل المثال، وقف الرئيس أوباما أول الأمر لصالح استخدام القوة ضد نظام الأسد. وعندما أوضح الرأي العام الأميركي نفوره القوي من هذه السياسة، غيرت الإدارة المسار مرتين، فسعت أولاً إلى استصدار قرار من الكونغرس، ثم قبلت صفقة حافظت على نظام بشار الأسد. وقد استطاع متعاقد واحد مع وكالة الأمن القومي أن يعيث فساداً في قدرات الاستخبارات الأميركية، وأن يوتر بشدة علاقات أميركا مع ألمانيا والبرازيل، ويشوه صورتها في الخارج. وأصبح الحلفاء في أوروبا، والشرق الأوسط، والدول المطلة على المحيط الهادئ غاضبين من عملية سياسة إدارة أوباما الخارجية المهترئة. وفي كل مكان، بدا أن الولايات المتحدة في حالة تراجع.
في هذه الأثناء، عاش خصوم أميركا سنة كدح وجد في 2013. كانت الصين تنشغل بشراء الوصول إلى منطقة البحر الكاريبي، وتستأسد على جيرانها في المنطقة، وتقوم بتوسيع مناطق دفاعها الجوي في بحر الصين الشرقي. وفعل فلاديمير بوتين كل ما يستطيعه ليكون شوكة في خاصرة أميركا، فمنح اللجوء لإدوارد سنودن، وعزز نظام الأسد في سورية، والأهم من ذلك، أكره حلفاءه في المحيط القريب على البقاء في مدار روسيا الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، أطلق الرئيس الإيراني الجديد، حسن روحاني، حملة علاقات عامة تهدف إلى إعادة دمج الجمهورية الإسلامية مرة أخرى في المناطق الخيرة من المجتمع الدولي. وفي الأثناء، تدير طهران الحرب في سورية بلا رحمة، في حين تشن الهجمات الألكترونية في المملكة العربية السعودية.
هذه الأنواع من الاتجاهات تميل إلى إصابة الاستراتيجيين الأميركيين بالقلق والعصبية. أحد ثوابت العلاقات الدولية طوال عقود كان أن هيمنة الولايات المتحدة هي الدعامة الأساسية للنظام العالمي. وحسب “نظرية استقرار الهيمنة” هذه، فإن السلام والرخاء يمكن أن يستمرا فقط عندما تكون هناك قوة عظمى ليبرالية مستعدة للعمل من أجل إبقاء الأسواق مفتوحة، والقضاء على الصراعات المختمرة. وإذا ما كان ميد أو روبرت كاغان محقين، فإن ولايات متحدة غير راغبة -وغير قادرة- على تحقيق الاستقرار في بقية العالم، ينبغي أن تكون حقاً مصدر قلق.
لكن هذه هي حقيقة الأمر مع ذلك: في نفس الوقت الذي كان فيه المعلقون يتحسرون على تراجع الولايات المتحدة، كان العالم ينظر حواليه. وأظن أن “ثينك بروغريس” ومجلة “سبكتيتور” البريطانية ستتفقان على قدر قليل جداً في السياسة، لكنهما نشرتا كلتاهما في شهر كانون الأول (ديسمبر) قصصاً إخبارية تشير إلى شيء مهم: 2013 كان “أفضل عام في تاريخ البشرية”. وكانت بياناتهما حول ذلك لا تقبل الجدال. إنكم إذا نظرتم إلى مؤشرات التنمية البشرية، فإن كل المؤشرات الرئيسية -معدل وفيات الأطفال الرضع، والأمراض المعدية، ودخل رأس المال- كلها تسير في الاتجاه الصحيح. وبحلول نهاية العام 2013، ستكون أصغر شريحة من سكان العالم تعيش في الفقر. كما أن كلاً من التدابير الأمنية والتقليدية البشرية تشير في نفس الاتجاه. وسواء كان الأمر يتعلق بجرائم العنف والتمييز والحرب الأهلية أو بين الدول، فإن البيانات المجمعة تُظهر عالَماً أكثر مسالمة. أو، كما قالت “سبكتيتور” فإنه: “في كل يوم وفي كل شأن، يصبح العالم أكثر ثراء، وأكثر أمنا وأكثر ذكاء”. وإذا كنت لا تؤمن بالتحزب السياسي، قم بشراء كتاب أنجوس ديتون “الهروب الكبير” وسوف تكتشف نفس الرسالة. على الرغم من الاتجاه الذي تنبأ بعد العام 2008 بأن النظام العالمي ينهار، وبأن العالم ذاهب الجحيم، يبدو أن العكس هو الذي يرشح في واقع الأمر.
لماذا وكيف يمكن لهذا أن يحدث عندما تكون القوة الأميركية في طريقها إلى الزوال؟ لقد ارتكب أولئك الخائفون من اضطراب النظام اثنين من الأخطاء الجوهرية في الحكم. الأول، أنهم يفترضون أن الصين وإيران، وآخرين يريدون إعادة كتابة القواعد العالمية للعبة. ليس الأمر كذلك. بكل تأكيد، تريد هذه البلدان الحفاظ على سيادتها وتوسيع نطاق نفوذها -وحول هذه القضايا، سوف تصطدم مع الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، وعلى عكس وجهة نظر ميد، فإنها ستصطدم مع بعضها البعض أيضاً. وعلاوة على ذلك، تريد كل من بكين، وموسكو، كثيراً أن تشارك في الاقتصاد العالمي. وفي واقع الأمر، فإن السبب الذي يجعل روحاني يحاول التفاوض على اتفاق نووي هو إخراج إيران من تحت وطأة العقوبات الاقتصادية التي تصيبها بالشلل. وعلى عكس كل ما كان متوقعاً في أعقاب الأزمة المالية للعام 2008، فإن الأسواق الناشئة لا تبدو حريصة على الإطاحة بالنظام العالمي القائم. والواقع أن اتفاقية التجارة الأخيرة في بالي تشير إلى أنه، إذا كان ثمة شيء، فهو أنها تريد تعزيز القواعد الحالية للعبة.
لكن الخطأ الأكبر، مع ذلك، جاء من خلط المحللين بين إحجام الولايات المتحدة عن استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط وبين حدوث انخفاض في القوة والنفوذ الأميركيين. الحقيقة هي أن الولايات المتحدة ما تزال تملك سلطة كبيرة، وهو أحد الأسباب التي جعلت من 2013 سنة جيدة. وسواء نظر المرء إلى تدفقات رؤوس الأموال العالمية أو استخدام الدولار كعملة احتياطية، فإن هذه البيانات تشير في نفس الاتجاه: مرونة القوة الاقتصادية الأميركية ومقاومتها. وحتى عندما يضرب العجز، تظل الولايات المتحدة تمتلك ميزة لا مثيل لها في القدرات العسكرية. صحيح أن سورية ما تزال تنزف الأرواح وسبل العيش. ولكن، حتى هناك، كان التهديد باستخدام القوة الأميركية هو الذي أدى إلى اتفاق لإزالة الأسلحة الكيميائية في سورية. كما ساعدت القوة العسكرية الأميركية أيضاً في إخماد الصراع في جمهورية أفريقيا الوسطى، فضلاً عن تقديم الإغاثة الإنسانية الضخمة للفلبين.
في واقع الأمر، وبالنظر إلى أعماق خللها السياسي الداخلي، يمكن للمرء أن يتخيل فقط ما يجب أن يدور في خلد منافسي أميركا. في العام 2013 وحده، لم تتمكن الحكومة الاتحادية من تجنب عجز غبي وعبثي في الميزانية، وتعطل الحكومة، وسياسة حافة الهاوية مع سقف الديون. لم يكن هناك اتفاق على إصلاح قوانين الهجرة، ناهيك عن سياسات مثل تغير المناخ، والتعليم، أو البنية التحتية. ومع ذلك، وبالرغم من تزايد الجمود وأهداف السياسة الخاصة، فإن الولايات المتحدة تنهي العام 2013 بتراجع سريع في عجز الميزانية الاتحادية، وارتفاع في قطاع الطاقة، وتسريع وتيرة النمو في الاقتصاد والتوظيف. كان للرئيس أوباما ما يبرره في الإشارة إلى أن 2014 يمكن أن يكون عام انفراج وإنجاز كبير للولايات المتحدة. لا يستطيع أبرع الاستراتيجيين الذين يعيشون في موسكو وبكين وطهران أن يحركوا القوة الهيكلية للولايات المتحدة من مكانها ويحلوا محلها. وهو ما يعني أن العام 2014 سيكون، بالنسبة لهذه العواصم، عاماً محبطا للغاية.
دانيال دبليو. دريزنر(فورين بوليسي)
أستاذ السياسة الدولية في كلية فليتشر بجامعة تافتس، ومحرر مساهم في مجلة السياسة الخارجية.





