في تشرين الثاني (نوفمبر)، أضاع أعضاء في “كيمبرلي بروسيس” أثناء جلسة اجتماع علنية في جنوب أفريقيا ما كان ربما آخر فرصة جيدة لحظر بيع كل الألماس الدموي، بما في ذلك أحجار الألماس المقطوع والمصقول، والتي تعد مصدراً مهماً للتمويل بالنسبة للنظام المسلح نووياً في إسرائيل، والمتهم بممارسة جريمة الفصل العنصري وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وقد أخفقت الحكومات التي تنطوي على اهتمام متجذر بصناعة الألماس، والتي شكلت وتسيطر على “كيمبرلي بروسس” في تعديل تعريف “ألماس الأزمات” المقصور على “الألماس الخام الذي تستخدمه حركات الثوار أو المتحالفين معها لتمويل الصراعات التي تستهدف إسقاط الحكومات الشرعية”. وتتفادى كل شركات الألماس المقترنة بانتهاكات حقوق الإنسان القوانين الناظمة في “كيمبرلي بروسس“.
كان الفشل واضحاً مقدماً عندما أعرب أصحاب حصص رئيسيون، بمن فيهم جنوب أفريقيا التي ترأست “كيمبرلي بروسس” في العام 2013، عن معارضتهم لإجراء إصلاحات من شأنها أن تخضع “كيمبرلي بروسس” لحظر التعامل مع الألماس المقترن بانتهاكات حقوق الإنسان من جانب قوات الحكومة.
في الأثناء، يرفض بعض المتعاملين بالجواهر بيع الألماس المستخرج من منطقة مارانج في زيمبابوي، حيث ذكر أن القوات الحكومية قتلت 200 عامل منجم. ومع ذلك، فإن معظم، إن لم يكن كل المتاجرين بالجواهر البارزين في العالم، يبيعون الألماس المعالج في إسرائيل، حيث تولد هذه الصناعة حوالي مليار دولار سنوياً للقوات العسكرية الإسرائيلية المدانة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في فلسطين.
ومع انتقال رئاسة “كيمبرلي” إلى الصين في العام 2014، ثم أنغولا وفق الترتيب في العام 2015، فإن أحداً لا يعتقد بأنهما ستُحدثان التغييرات الضرورية لحظر الاتجار في كل الألماس الدموي.
موقف الشركات
ترتقي بيانات المسؤولية المجتمعية للشركات -الشعارات الأخلاقية للشركات التقدمية أخلاقياً- إلى ما هو أكثر قليلاً فقط من واجهة خادعة، ما لم تكن مدعومة بتفعيل متين. ولا تستطيع أي كمية من الدعم الخيري لقضايا الشركة المفضلة الجديرة أن تخفف، بشكل مباشر أو غير مباشر، من سوء تقديم سيل من العوائد للأنظمة المارقة المدانة بانتهاكات بالجملة لحقوق الإنسان.
تمتلك شركة “أنغلو أميريكان بي ال سي” 85 % من “دي بيرز”، ما يجعلها واحدة من الشركات الرائدة في تجارة الألماس مع وجود مصالح لها عند كل مراحل الإمداد، بدءا من التعدين إلى بيع التجزئة. وتروج “دي بيرز” الألماس خاصتها من ماركة “فور ايفر” الذي يصنّع الكثير منه في إسرائيل. وتدعي أدبياتها الترويجية بأن “ماركة فور ايفر ملتزمة بمطابقة المعايير والممارسات التجارية والاجتماعية والبيئية في عموم مجالات نشاطاتها ونشاطات شركائها“.
تقضي سياسة التنمية المستدامة لشركة “أنغلو أميركان” بأنه يتوقع من المزودين الالتزام “بالحقوق الإنسانية الأساسية وممارسات العمل النزيهة، في خط منسجم مع المعايير الدولية المعترف بها”. ويجب على المزودين أيضاً “معارضة الفساد والرشوة والغش.. ويجب عليهم عدم استيعاب أي شكل من غسيل الأموال أو المشاركة في محفزات تجارية غير مشروعة“.
ورغم ذلك، تستمر “دي بيرز” في بيع الألماس المصنع في إسرائيل، مع أن صناعة الألماس الإسرائيلية تعاني من سوء سمعتها على صعيد التفرقة في مكان العمل بين اليهود وغير اليهود -وهي حقيقة تؤكدها بيانات صادرة عن مكتب الإحصاءات الإسرائيلي ومبادرة أخيرة ممولة حكومياً لتشجيع غلاة اليهود المتشددين للقبول بالتوظيف في صناعة الألماس من دون مبادرة شبيهة لغير اليهود. بالإضافة إلى ذلك، ورغم إماطة السلطات اللثام عن “أضخم بنك غير شرعي في العالم” منخرط بالاتجار الزائف بقيمة تصل إلى بلايين الشواقل في بورصة الألماس الإسرائيلية في العام 2012، تستمر شركة “أنغلو أميركان” في الاتجار مع شركات الألماس الإسرائيلية. ويعري فشل “أنغلو أميركان” في التقيد بمعاييرها الخاصة سلوكها المنافق، بتحكيم معيار مزدوج يغلف صناعة المجوهرات عندما يتعلق الأمر بالألماس الدموي من إسرائيل.
مما تجدر الإشارة إليه أن مجموعة “ستينميتز دياموند”، وهي واحدة من أكبر مزودي شركة تيفاني و”شريك فريد من نوعه” لشركة “سوثبي دياموندز” تقوم بتمويل ودعم وحدة كتيبة جيفعاتي في الجيش الإسرائيلي من خلال شركة ستينميتز. والمعروف أن كتيبة جفعاتي مذنبة بارتكاب مجزرة ضد 21 على الأقل من عائلة الساموني في غزة -في جريمة حرب وثقتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وتنظيمات حقوق إنسان أخرى.
وهناك شركات مجوهرات بارزة على الصعيد العالمي بما فيها “هاري ونستون” و”كارتيير” و”ريتاني” و”بلو نايل” و”زيلس” و”بريليانت إيرث” و”غراف دياموندز” و”تشو تاي فوك” و”تشوبارد” والكثير غيرها تبيع الألماس القادم من إسرائيل والملطخ بالدم الفلسطيني -أحدث الضحايا كان طفلا يبلغ من العمر 15 عاماً، وليد وجدي الرمحي، الذي أصيب بطلقات نارية في ظهره وقتل بأيدي قوات كتيبة جفعاتي يوم 7 كانون الأول (ديسمبر). وكان الفلسطيني رقم 26 الذي يقتله الجنود الإسرائيليون هذا العام.
إن الحتمية التي تقضي بأن تحترم كل النشاطات التجارية حقوق الإنسان وتضمن أن لا تسهم علاقاتها التجارية في التسبب بآثار عكسية على حقوق الإنسان، هي عقيدة مؤسسة جيداً ومؤكدة في مبادئ الأمم المتحدة الإرشادية الخاصة بالنشاطات التجارية وحقوق الإنسان، وعقد الأمم المتحدة العالمي، وخطوط الإرشاد الخاصة بالشركات المتعددة الجنسيات لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتشكل صناعة الألماس التي تسهم بما نسبته 31.2 % من صادرات الصناعة الإسرائيلية في العام 2011 مصدراً كبيراً جداً لعوائد النظام في إسرائيل، ما يعني أن تجار الجواهر الذين يبيعون الألماس المعالج في إسرائيل يساعدون في تمويل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
يتعرض أصحاب الحصص في الشركات التي تبيع الألماس المتصل بالممارسات الوحشية وسفك الدماء إلى خطر مالي وقانوني. ويترك سوء العرض الزائف لهذا الألماس على أنه طاهر من النزاعات، يترك المتعاملين في المجوهرات عرضة لتحدٍ من جانب زبائن دائمين مغضبين من حقيقة أن الألماس الذي اشتروه بحسن نية هو في الحقيقة ألماس دموي. وقد تكون الشركات المتورطة في انتهاك حقوق الإنسان ملزمة بالتعويض الذي يمكن أن يصل في حال ضحايا العنف الإسرائيلي في فلسطين إلى مليارات الدولارات.
رغم سجل إسرائيل كمنتهك محترف لحقوق الإنسان ومخزونها من الأسلحة النووية، والذي ترفض إخضاعه لتنظيم دولي، فإن قادة صناعة الألماس العالمية ما يزالون يعطون إسرائيل مزية اللجوء إلى خيمة “كيمبرلي“.
قوة المستهلك
إذا أراد المستهلكون أن يكونوا واثقين في المصداقية الأخلاقية للألماس، فإن المجتمع المدني يجب أن يستعيد المبادرة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال وضع صناعة المجوهرات تحت الضوء، ومطالبة العاملين فيها بضمان أن تكون الجواهر التي يبيعونها ليست مصدراً لتمويل، أو أن تكون مقترنة بأي شكل من الأشكال بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان -أي الألماس غير الدموي.
فيما يدخل الألماس المقطع والمصقول من إسرائيل سوق الألماس بطريقة قانونية وبكميات ضخمة (50 % من السوق الأميركية)، فإنه يجب على مشتري الألماس المطالبة بمعرفة المكان الذي ورد منه الألماس وقطع وصقل فيه، إذا كانوا يريدون تجنب شراء الألماس الدموي.
ويجب على مشتري الألماس عدم السماح لتجار المجوهرات باستغفالهم فيما يتعلق بـ”ألماس الصراعات” -عرض التضحية الذي يتعلق فقط بالألماس الخام الذي يمول العنف الثوري ضد الحكومات الشرعية. وذلك يحيد ويعمي المستهلكين عن التجارة الموسعة في قطع وصقل الألماس الدموي الذي يبقى غير مضبوط وغير مبلغ عنه من جانب الإعلام.
إن عبارة “من مصدر أخلاقي” هي عبارة مريحة يتم إدخالها في ضمير مشتري الألماس. ويمثل الألماس الخام في المصدر نسبة صغيرة فقط من قيمة الألماس المصقول والمقطع الذي يبيعه الجواهري. وهكذا، يمكن أن يكون الألماس ذو المصدر الأخلاقي ألماساً دموياً إذا كان العائد الذي يولده بعد التصدير يستخدم لتمويل انتهاكات حقوق الإنسان. إن شاخصة “من مصدر أخلاقي” هي هراء -إنها لا توفر أي قدر من الحماية من الألماس الدموي.
ثمة مثال آخر للدعاية التي تحيط بصناعة المجوهرات، وهو إساءة الاستخدام الواسع لمصطلح “نقي من النزاع”. وهذا جزء من نظام غامض للضمانات طرحه مجلس الألماس العالمي، والذي يسمح لبائعي الألماس بأن يشهدوا ذاتياً على أن الألماس المعني خال من النزاع استناداً إلى حقيقة أنهم مواكبون لعملية كيمبرلي فاقدة المصداقية، والتي توفر تغطية قانونية للألماس الدموي الذي يمول قوات الحكومة.
(ذا بالستاين كرونيكل) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
*ناشط في حقوق الإنسان من إيرلندا، وله اهتمام خاص بقضية إسرائيل/ وفلسطين والدور الذي يلعبه الألماس في تمويل المشروع الصهيوني في فلسطين. وكان قد كتب مقالات عدة عن المعايير المزدوجة في صناعة الألماس.





