الجمعة, مايو 15, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءأميركا: جنون الحرب...بقلم:توم إنغلهارت

أميركا: جنون الحرب…بقلم:توم إنغلهارت

 فهرس

يوم 4 نيسان (أبريل) من العام 1967، ألقى مارتن لوثر كينغ كلمة في كنيسة “ريفر سايد” في مدينة نيويورك، بعنوان “ما وراء فيتنام: حان الوقت لكسر الصمت”. وفي كلمته تلك، نظر إلى الحرب الدائرة في ذلك الوقت والأموال التي تصبها الولايات المتحدة فيها على أنها أعراض كارثة مجتمعية. وقال كينغ من على منبر تلك الكنيسة إن برنامج الفقر الذي وضعه الرئيس ليندون جونسون “يجري كسره ونزع أحشائه”، وأضاف: “كما لو أنه كان لعباً سياسياً وهمياً على مجتمع أصبح مجنوناً بالحرب. إننا نأخذ الشباب السود الذين أصابهم المجتمع بالشلل ونرسلهم مسافة ثمانية آلاف ميل ليحققوا الحريات في جنوب شرق آسيا، التي لم يجدها هؤلاء الشباب في جنوب غرب ولاية جيورجيا وشرق هارلم. لم أستطع التزام الصمت أمام مثل هذا الاستغلال الوحشي للفقراء”. وتحدث مرتين إضافيتين في تلك الكلمة المهمة عن “جنون فيتنام”، ودعا إلى وقفه.

لا يجب أن يفكر أحد في ذلك على أنه مجاز استخدمه واعظ. كان هناك بالفعل جنون مطبق أفلت من العقال -وليس في “مناطق حظر الطيران” في فيتنام فقط، وإنما في دوائر السياسة هنا في الولايات المتحدة، في حنق كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين الذين أصابهم العجز المخيف بينما يوسعون نطاق حرب رهيبة على الأرض وفي الجو. وبدا أنهم لم يعودوا قادرين على تصور أي مسار آخر غير التصعيد في وجه كارثة وهزيمة محتملة. وحتى في سنوات رئاسة رونالد ريغان، عندما كانت هناك محاولة قصيرة لصبغ تلك الحرب الخاسرة بصبغة بطولية (وصفها الرئيس بأنها “قضية نبيلة”)، فقد كان ذلك الإحساس بالجنون، أو على الأقل ذلك العقلي الناجم عنه، ما يزال موجوداً. وجرى تلخيصها في عبارة ثم تطبيقها بشكل متكرر على الأميركيين الذين كانوا أقل من راغبين في إعادة الاتجاه إلى العالم بعدوانية. كانوا يعانون من “متلازمة فيتنام”، كما قيل.

اليوم، وبعد العيش 25 عاماً تقريباً فيما يمكن أن يدعى ببساطة ذات يوم “حرب أميركا العراقية” (التي دخلنا مؤخراً في فصلها الثالث)، يستطيع المرء أن يحس بأن “جنوناً” مشابهاً يطبق على واشنطن من الحنجرة. وتماماً كما أشار كينغ إلى حقبة فيتنام، فإنه “منذ 11/9 فإن البرامج والوكالات المحلية الأميركية تتضور جوعاً بينما تتدفق الأموال على الصناديق المالية للبنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) وعلى دولة أمن قومي تنتفخ باطراد. وكانت النتائج واضحة. ففي وجه انتشار فيروس الإيبولا في غرب أفريقيا على سبيل المثال، لم يعد باستطاعة الرئيس التعويل على الوكالات أو المنظمات المدنية للمساعدة، لكن عليه دعوة القوات الأميركية في شكل من “زيادة عديد الإيبولا” -حتى لغتنا أصبحت مجيشة- رغم أن هذه القوات ليست معروفة بمهاراتها أو نجاحاتها أو بطرقها السليمة عندما يتعلق الأمر بعمليات “إنسانية” مدنية أو عمليات بناء الدول.

لقد دخلنا فعلاً تلك الفترة التي تفشل فيها الاستراتيجية، كما هو حالها، حينما يشعر قادتنا على نحو غريب بأنهم بلا حول ولا قوة أمام تقاطر الفشل والإلحاح الذي لا يمكن تحمله للمزيد من التصعيد. وعند هذه النقطة، في الحقيقة، تبدو الهستيريا التي تلف واشنطن في ما يتعلق بتنظيم “الدولة الإسلامية” أعلى بنقطة أو اثنتين من أي شيء خبرناه في سنوات فيتنام. لقد استغلت قوة طائفية شرسة في الشرق الأوسط اللحظة، ولفتت الانتباه العالمي بشكل هائل حتى رغم أن حدودها الواقعة في منطقة مليئة بالأعداء المحتملين تبدو واضحة، كما أن “تهديدها الوجودي” للولايات المتحدة يتكون من احتمالية أن يقدم بعض الجهاديين الأميركيين المنحرفين على إيذاء البعض القليل منا. ولك أن تصف ذلك بأنه تصعيد عاطفي في واشنطن التي تبدو مشوشة على نحو ملحوظ.

لقد تطلب الأمر من أسامة بن لادن إنفاق 400.000 إلى 500.000 دولار، و19 خاطفاً والكثير جداً من التخطيط لكي ينتج البرجين الساقطين في 11/9 وما تبع ذلك من هستيريا في هذا البلد الذي شن حربا عالمية على الإرهاب، والتي كانت كارثية ولا تنتهي أبداً. لكن الأمر من قادة الدولة الإسلامية ربما بضع مئات من الدولارات وشريطي فيديو قاتمين يصوران ثلاثة رجال في سهل بلا ملامح في سورية، من أجل خلق هستيريا مطلقة وعمياء هنا. ويمكن التفكير في ذلك على أنه تأكيد لتعليق كارل ماركس الشهير من أن المرة الأولى تكون مأساة، لكن الثانية تكون ملهاة.

إحدى الإشارات الواضحة على طبيعة الملهاة التي تميز وقتنا الراهن هي عدم القدرة على استخدام أي كلمة أو عبارة عامة بطريقة قاطعة غير قابلة للتفنيد إذا وضعت “العراق” أو “الدولة الإسلامية” أو “سورية” في الجملة نفسها. ولنتذكر أسوأ ما استطاعت واشنطن الخروج به في شكل كلمات قابلة للتفنيد هو معنى “يكون” في تصريح بيل كلينتون سيئ الصيت عن علاقته بالمتدربة في البيت الأبيض؟ (مونيكا لوينسكي). على المستوى اللغوي، كانت تلك أيام المجد الطوباوية لواشنطن الرسمية.

فلنتأمل فقط في المصطلحات العامة الثلاثة الراهنة: “حرب”، و”قوات على الأرض” و”قتال” لتجد أن ثمة سؤالاً مفرداً يربط بينها: هل سوف نفعل أم أننا لن نفعل؟ وليس لدى واشنطن، في كل حالة، أي أجوبة مقبولة. حول الحرب، قال وزير الخارجية: لا، لن نفعل؛ لكن المكتبين الصحفيين في البيت الأبيض والبنتاغون أعلنا: نعم، إننا في حرب. كما أن الرئيس راوغ ووصف ذلك بأنه “عمل مستهدف” وتحدث عن “قدرة أميركا الفريدة من نوعها على التجييش ضد تنظيم مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام”. فلينقذنا الله، إن ما لم يكن ولن يكون هو خوض “الحرب البرية”.

فقط في حالة الكونغرس ساد وضوح معين. ليس هناك أي شيء مهم في الحقيقة. ومهما قرر الكونغرس أو رفض اتخاذ قرار بشأنه عندما يتعلق الأمر بالذهاب إلى الحرب، فإنه سيكون جيداً لأن البيت الأبيض كان ماضياً قدما في “فعله” عموماً. في ما يتعلق بمسألة “قوات على الأرض”، فإن ما لا يقبل الإنكار هو أن الرئيس أرسل أصلاً 1600 من القوات البرية إلى أرض العراق (مع المزيد فيما بعد)، لكن هذه لم تتأهل لحمل صفة قوات على الأرض لأنها مهما فعلت فإنها لن تدخل “في القتال” (وهو بوضوح المكان الوحيد حيث تطأ فيه القوات العسكرية الأرض). وكان الرئيس واضحاً تماماً حول هذه النقطة. لن تكون ثمة “مهمة قتالية” في العراق. ولسوء الطالع، يبدو أن لفظة “الاشتباك” تتحول لتكون نوعاً آخر من المصطلحات المنطوية على الغموض، لأن تلك القوات غير البرية بالكاد وطئت العراق عندما باشر رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الأميركية، مارتن ديمبسي، بإثارة احتمال أن بعضها، مسلح، قد ينتشر يوما ما مع قوات عراقية كمستشارين وكمراقبين للقوة الجوية الأميركية في معارك مستقبلية من أجل المدن العراقية الشمالية. هذا ما يبدو البيت الأبيض مصراً راهناً على تعريفه بأنه ليس “مهمة قتالية”. وما نزال على بعد أسابيع وحسب من الدخول في عملية متواصلة يمكن أن تطول أعواماً، ولك أن تتصور عقدة اللغة مع حلول ذلك الوقت. ربما ستكون الأمور أسهل إذا وافق جميع الأطراف -الكونغرس والبيت الأبيض والبنتاغون ومفكرو واشنطن- ببساطة على أن الولايات المتحدة هي في “حالة حربية” في العراق، وأن لها قوات برية على الأرض في حالات يحتمل أن تكون قتالية.

مؤسس مشارك لمشروع الإمبراطورية الاميركية، ومؤلف كتاب «الولايات المتحدة التي يتملكها الخوف» بالاضافة الى تاريخ الحرب الباردة ونهاية ثقافة النصر. كتابه الاحدث الذي سينشر في الشهر المقبل هو “حكومة الظل: المراقبة والحروب السرية والعالمية»

القدس دوت كوم

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب