شارك عدد كبير من مجتمع مدينة طولكرم يوم السبت الماضي 25/4/2026م في انتخابات بلدية طولكرم والتي ضمت ثلاث قوائم: قائمة الصمود والعطاء وهي قائمة حزبية عن حركة فتح. وقائمة ثانية هي كرميون وهي قائمة مستقلة رأسها رياض عوض رئيس البلدية السابق، والقائمة الثالثة المسار الجديد وهي قائمة مستقلة يرأسها سهيل السلمان.
وقد أجريت الانتخابات وأسفرت عن فوز قائمة الصمود والعطاء بتسعة مقاعد في البلدية، مقابل أربعة لقائمة كرميون، ومقعدين للمسار الجديد.
وهنا أقف عند هذه النتائج، التي تعكس حقائق وأفكار ومواقف وتوجهات المجتمع الكرمي؛ ولفهم أفكارهم وتوجهاتهم، علينا أن نحلل نتائج الانتخابات بناءً على الأبعاد التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية؛ حتى تتضح الصورة، ونزيل النقاب عن خفايا السطور.
أما البعد التاريخي: توضح النتائج أن هذا الجانب مغيب تماماً في انتخابات بلدية طولكرم، وأنه صار قاب قوسين أو أدنى في طي الكتب لا يعلمه ولا يفقه الأغلبية الساحقة من أهل طولكرم. وقد أعلنت النتائج عدم فوز “دلال البرقاوي” ابنة عائلة البرقاوي التي جعلت من قرية طولكرم مركزاً لناحية وادي الشعير الغربي، وبسبب كونها مركزاً، اخترها العثمانيون عاصمة لقضاء بني صعب الذي استحدثوه في منتصف القرن الثامن عشر. وفي نفس السياق فاز “نصر الفقها” برئاسة بلدية طولكرم وهو من شويكة، تلك القرية التي أصبحت ضاحية للمدينة بعد ذلك. بينها وبين مدينة طولكرم ما صنع الحداد من تاريخ مسطر بالدم بسبب الحرب القيسية اليمنية في القرن السابع عشر ومطلع القرن الثامن عشر الميلادي في صراع العائلات الاقطاعية ومناطق نفوذهم. وفوز ابن شويكة برئاسة بلدية طولكرم سابقة تحدث للمرة الأولى منذ تأسيس البلدية.
وأما البعد الاقتصادي: فقد عمدت القوائم إلى ترشيح بعض من رجال الأعمال في قوائمها، لكن هذا الترشيح لم يكن له الحظ الوافر. فالجانب الاقتصادي لم يلعب دوراً في اختيار المرشحين من قبل المجتمع الكرمي أو فوزهم. وقد أفرزت النتائج أن الغالبية الساحقة من أعضاء المجلس البلدي الحالي هم من الموظفين أو المتقاعدين وليسوا من رجال الأعمال. بل إن رجال أعمال مشهورين من طولكرم لم يحالفهم الفوز بهذه الانتخابات مثل: سعيد أبو خيط، وبشار أبو التين.
وفي البعد الاجتماعي: فمازالت الروابط الاجتماعية في مدينة طولكرم تلعب دوراً رئيسياً في اختيار أعضاء المجلس الكرمي، فقد فاز ستة أعضاء من العائلات العشر الأكبر في طولكرم وضواحيها من حيث عدد المسجلين والمسموح لهم الانتخاب، وهم: عبد الكريم جلاد، وسهيل عودة، ومحمد أبو شنب، وبسمة ضميري، ونداء حمدان، وناظم السفاريني بتحالف عائلات السفاريني في المدينة. كما أن هناك أربعة فازوا بدعم مناطقي، وهم من الضواحي التي كانت سابقاً قرى مستقلة، مثل: خليل الطنة، وحسام الطنيب من ضاحية ارتاح، وخالد عبد الحق من ذنابة، ونصر فقها من شويكة. وهذا الدعم المناطقي يعكس أن هذه القرى الثلاثة التي دمجت مع المدينة في خدمات البلدية والشوارع والبيوت، ما زالت عائلاتها تحتفظ بكينونة خاصة لهم، وما زالوا ينظرون لأنفسهم أنهم قرى لا أنهم أبناء مدينة طولكرم.
فهم ليسوا كالمناطق التي تحتويها المدينة كالحارة الشمالية والجنوبية والغربية والشرقية. فهؤلاء منصهرون تحت التأثير العائلي وليست مناطق ذات كينونة خاصة لهم. فمثلاً: ابن عائلة الجلاد في أي منطقة كانت، ولنفترض الجنوبية، لن يقدم ابن منطقته الجنوبية على ابن عائلته. في الغالب كما أظهرت نتائج الانتخابات.
وإن نظرنا إلى روابط النسب والمصهارة وتأثيرها على نتائج الانتخابات، فإننا نرى فوز “وفاء زيدان”، وأصلها لاجئة لجأ أهلها من قرية قانون أما عائلتها فليست من عائلات المدينة، ولا المخيم الكبيرة، لكنها زوجةٌ لرجل من عائلة الجلاد.
وأما عن العلاقات الاجتماعية فجميع من فازوا وكثير من الذين لم يحالفهم الحظ، لديهم علاقات اجتماعية واسعة في المجتمع. وجميعهم من أصحاب الكفاءة. لكن الروابط العشائرية والمناطقية أدت إلى إسقاط بعض الكفاءات التي هي أولى وأكفأ من بعض الموجودين حالياً في المجلس. منهم: “مراد المدني” فعائلته ليست من العائلات الكبيرة في طولكرم، كما أن ضاحية أو منطقة العزب التي يسكنها وقد خدمها بكل إخلاص، ضاحية مستحدثة ولم تكن قرية قديماً، فغالب سكانها خليط من المخيمات وأحياء المدينة القديمة ومن القرى المجاورة. فلا يوجد اندماج حقيقي بينهم.
بعكس المخيمات، فقد أثبتت الانتخابات الحالية انخراط كثير من أبنائها في المجتمع الكرمي، وبدء قبول المجتمع الكرمي لهم في إطار البلدية بفوز: بسمة ضميري، ووفاء زيدان وكلاهما من مخيم طولكرم. وقد عانى اللاجئون من عدم توظيفهم في بلدية طولكرم إلا بواسطة من مسؤول أو بمصلحة من وراء ستار أو لاحتياج طارئ. وتُعدّ هذه المرة الأولى –بحسب علمي– التي يفوز فيها أحدٌ من أبناء المخيمات بمقعدٍ في المجلس البلدي؛ إذ كان المرشّحون من أبناء المخيمات قديمًا يُقابَلون بشيءٍ من النكات من بعض أبناء المدينة.
وهذا التطور، يعد لافتاً ومهماً وضرورياً. فمجتمع أهالي المخيمات صنعه طول لجوئهم، والأهم من ذلك شدة اضطهادهم والعنصرية التي مورست عليهم في الوطن أو الشتات بدرجات متباينة.
كما أتمنى أن تعمل الانتخابات في المرات القادمة على السماح لجميع أهالي المخيمات، التصويت في الانتخابات البلدية، في أماكن وجودهم سواء بالمخيمات أو غيرها. وخاصة أن مخيمي طولكرم ونور شمس قد دخلا في خدمات البلدية، ودمجا كمباني وشوارع في مدينة طولكرم. فمشاركة اللاجئ في تطوير خدماته الحياتية حق طبيعي له، وليس توطيناً كما يدعي البعض. إنما التوطين هو التنازل عن حق العودة مع البقاء في الوطن البديل، لا ممارسة الحق الطبيعي لأي انسان في البلد الذي يعيش فيه.
وإن كان المجتمع الكرمي اتخذ خطوة إيجابية في التعامل مع اللاجئين، فقد نحى المجتمع الجنيني خطوات أكثر إيجابية في هذا الموضوع، فإن فوز محمد السعدي برئاسة بلدية جنين لمدة عامين دليل على ذلك. فعائلة السعدي سواء من كانوا في الحارة الشرقية أو في مخيم جنين هم من اللاجئين الذين لجأوا إلى جنين بسبب حرب 1948م.
ومن ناحية اجتماعية أخرى، فما زال المجتمع الكرمي كما هو المجتمع العربي الشرقي، ذكورياً بامتياز (أي: يرى ضرورة تولي الذكور للمناصب الهامة والإدارية)، مع تحسنٍ وتطور في نظرته تجاه المرأة. فلو أزلنا الكوتة النسائية ورتبنا عدد الأصوات من الأكثر إلى الأقل في كل قائمة، لوجدنا أن بسمة ضميري حصدت المقعد التاسع في قائمة الصمود والعطاء، ووفاء زيدان حصدت المقعد الثاني في قائمة كرميون. ويعني ذلك أن امرأتين فقط من أصل خمسة عشر عضواً فازتا بأعلى الأصوات في جميع القوائم. وهذه نسبة قليلة جداً. أما نداء حمدان فجاءت نتيجة الكوتة النسائية باستبدالها بفتح الله عاشور، وجاءت وفاء آسيا بدلاً من سعيد أبو خيط الذي حاز على أصوت أعلى منها، وقد استبدل بسبب الكوتة، أما قائمة المسار الجديد ففازا مرشحان من الذكور ولم تطلهم الكوتة النسائية.
وفي بُعدٍ آخر، يُعدّ الأكثر تأثيرًا في توجيه نتائج الانتخابات، يبرز البعدُ السياسي بوصفه العامل الأهم. إذ لم تتشكّل القوائم في فراغ، بل وضعت على أساس سياسي أو تلقى بعضها دعماً من قوى سياسية. فقائمة الصمود والعطاء كانت قائمة حزبية عن حركة فتح، أما قائمة كرميون قائمة مستقلة، فيها مرشحون من حركة حماس، وقد وصلتني معلومات أن حركة حماس دعمت تلك القائمة مالياً. وأما قائمة المسار الجديد فأيضاً مستقلة، لكنها تأسست على يد سهيل السمان عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب، كما دعمت من بعض الأحزاب اليسارية.
وقد أظهرت النتائج، تقدم شعبية حركة فتح في المجتمع الكرمي، وأعتقد أن سبب التقدم، يعود لبعض الانتقادات التي طالت البلدية السابقة ورئيسها رياض عوض الذي كان أيضاً رئيساً لقائمة كرميون، أو للنتائج الكارثية التي لحقت بطولكرم من حرب السابع من أكتوبر. أو لعدم دخول حركة حماس الانتخابات إعلامياً.
فقد أحيطت شائعات بمقاطعة حركة حماس للانتخابات المحلية، لكن حقيقة الأمر، فإن نسبة المشاركة تكشف مشاركة حركة حماس في الانتخابات، فنسبة الاقتراع لهذا العام مقاربة للعام السابق الذي شاركت فيه إعلامياً من ناحية. ومن ناحية أخرى مشاركة بعض أعضائها في قائمة كرميون وعدم تجميد عضويتهم.
وهنا نستنبط، أن تقدم شعبية حركة فتح لم يكن بسبب تحسين خدماتها المقدمة لمواطنيها أو أنها حققت إنجازاً وطنياً خلال الأربعة الأعوام الماضية. بل جاء بالمقام الأول نتيجة لانخفاض شعبية حركة حماس في الشارع.
فالمتأمل في النتائج سيلاحظ أن ستة مقاعد ذهبت للمعارضين لحركة فتح، أي أن أكثر من ثلث أهالي مدينة طولكرم وضواحيها ما زالوا ساخطين على حركة فتح. وهذا أمر لابد أن تتنبه له حركة فتح جيداً، وخاصة أنهم أمسكوا بزمام البلدية، وهذه فرصتهم الذهبية لرفع شعبيتهم في مدينة طولكرم.
ولم يقف الأمر إلى هذا الحد، فالبعد السياسي، لعب دورا ً خفياً في اختيار “نصر الفقها” رئيساً للبلدية كما أعتقد. صحيح، أن إقليم حركة فتح في طولكرم وقفت على مسافة واحدة من المرشحين في العلن. لكني أعتقد أن تحالفات معينة داخل القائمة دعمت نصر الفقها بتوجيه من بعض قيادات الحركة في رام الله؛ لدعم رجال القائد حسين الشيخ في المناصب المهمة، وخاصة أن نصر الفقها قد عمل مديراً لدائرة الارتباط المدني الذي ترأسه القائد حسين الشيخ –نائب رئيس دولة فلسطين.
ومما حملني على قول هذا الاعتقاد، هو الخلاف الذي دار بين بعض الفائزين من قائمة الصمود والعطاء على رئاسة البلدية، فحسمت من قبل محافظ طولكرم اللواء عبد الله كميل، بتدخل –إن صحت المعلومة التي وصلتني- من بعض الأجهزة الأمنية على تعيين نصر الفقها رئيساً للبلدية اقراراً بالنتائج التي أرستها الانتخابات (أنه حصل على أعلى الأصوات داخل القائمة)، مع اختلاق منصب لأول مرة في بلدية طولكرم، هو “نائب ثاني لرئيس البلدية” حتى يرضوا عائلة الجلاد –أكبر العائلات عدداً في طولكرم- وابنهم عبد الكريم الجلاد.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال عوامل أخرى أسهمت في حصول نصر الفقها على أعلى الأصوات ضمن قائمته، من بينها سمعته المرتبطة بخدمة الجمهور خلال عضويته السابقة، إضافةً إلى الدعم المحلي من أبناء منطقته.
أما البعد الديني فكان له نصيب في الانتخابات، فقد أصدر حزب التحرير الإسلامي بياناً بتحريم المشاركة في الانتخابات لكن المجتمع الكرمي لم يستجب له. ففي الانتخابات الماضية كانت نسبة الاقتراع (49.49 %)، أما نسبة الاقتراع لهذه الانتخابات فهي (45.50 %). أي انخفاض طفيف قدره 4% ويعزى لأسباب عدة.
صحيح، أن جميع المشاركين من الديانة الإسلامية، والجميل في هذه الانتخابات أنها اختفت من مظاهر الشعارات الدينية التي تستخدم لتحقيق أهداف انتخابية. لكن يمكن ملاحظة حضورٍ للبعد الديني في سلوك التصويت، تمثّل في اختيار مرشحين ضمن قائمة الصمود والعطاء ممّن يؤمّون الناس في المساجد تطوّعًا إلى جانب أعمالهم المهنية، وهما: ناظم السفاريني وخالد عبد الحق، وكلاهما فاز. ويُقرأ هذا الاختيار بوصفه تعبيرًا عن ميل المجتمع الكرمي إلى تفضيل الكفاءات التي تجمع بين الالتزام الديني والأهلية المهنية، وتقديره لها.
وقد كان تقديم الكفاءات ذات الالتزام الديني غائباً نسبياً عن حركة فتح، حتى أصبح “إياد جراد” وهو من الملتزمين دينياً، مسؤولاً عن إقليم حركة فتح في طولكرم. والذي أعتقد أنه صاحب اليد الطولى والدور الرئيسي في هذه الإضافة.
في ختام القول: تكشف هذه القراءة أن اختيار المرشحين من قبل المجتمع الكرمي تم أولاً على أسباب سياسية حزبية ثم أسباب عائلية ومناطقية ثم على الكفاءة. فهناك مرشحين من العائلات العشر الأكبر عدداً في سجل الانتخابات لم يحالفهم الحظ في الفوز مثل: شريف الجيوسي، ورأفت مهداوي، وفؤاد أبوشنب، الذي خسر وهو من قائمة المسار الجديد، بينما فاز قريبه محمد أبو شنب الذي من قائمة حركة فتح.
أما الكفاءات، فجميع من فازوا من أصحاب الكفاءات، فالمجلس الحالي قد تعددت الكفاءات دون أن تطغّ إحداهم على الأخرى، فمنهم: المهندس، والإداري، والأكاديمي، والطبيب، وهناك إعلامية أيضاً.
لكن هناك من هو أكفأ من بعض الموجودين في هذا المجلس لم يحالفهم الحظ، للأسباب التي شرحتها في هذا المقال. وهنا أقول:
أتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي توضع فيه القوائم بناء على كفاءات اختلفت فيما بينها على الخطة المناسبة لخدمة البلد. فقائمة ترى أن الضروري هو تطوير البنية التحتية، وأخرى ترى أن الأولى هو المياه النظيفة، وأخرى تقول الأولى بخلق وظائف صغيرة. مع أهداف قابلة للقياس لا شعارات فضفاضة كما لمستها في البرامج الانتخابية الثلاث. وأن يختار الناس القائمة بناء على الهدف الأنسب الذي يتوافق مع رؤيتها. وأن يتم الاختيار على أساس الكفاءة وقدرته على تحقيق ما وعد به بغض النظر عن حزبه السياسي أو العشائري أو المناطقي.
في ذلك الوقت، سنكون وصلنا إلى البلدية التي نريد، والخدمات التي نطمح. لكن طالما الاختيار لأعضاء البلديات على أساس سياسي وعشائري ومناطقي، وهناك أطراف من أصحاب القرار في رام الله يتدخلون بها، فلن ترى بلدية فاعلة تحقق المستحيل، فضلاً إذا حققت الممكن. وستبقى البلديات على حالها تراوح مكانها في تسيير الأعمال لا أكثر.
آمل أن يأتي يوم من الأيام، تكون فيه انتخابات بلدية طولكرم، على أسس غير الأسس المبنية عليها اليوم، وعلى وعي في ضرورة تجنيب البلدية التجاذبات السياسية والعشائرية. وأن تستحدث مناصب إدارية للمدينة والقرى تكون مسؤولة عن البلدية وجميع مؤسسات المدينة أو القرية بشكل عام، تحت إدارة المحافظ، ويصبح منصب المحافظ إضافة إلى تلك المناصب منتخباً من قبل أبناء المحافظة، ولو على أسس سياسية. فهو المكان الأنسب لتلك التجاذبات.
فهل سيأتي يوم أرى فيه ما آمل؟



