تواجه بلدة سلوان في القدس المحتلة واحدة من أقسى حملات التهجير الممنهج، حيث تتهدد أوامر الهدم نحو 150 منزلاً فلسطينياً في المنطقة. تأتي هذه الإجراءات في سياق سياسة توسع استيطاني محمومة تحظى بدعم حكومي مباشر، وتهدف إلى تغيير الطابع الديمغرافي للبلدة التي يسكنها نحو 60 ألف نسمة.
وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هذه العمليات إلى إفراغ الأرض لصالح مشاريع أثرية واستيطانية، وعلى رأسها توسيع ما يسمى بـ ‘مدينة داود’. ويراقب السكان يومياً جرافات الاحتلال وهي تنهش منازل قضوا عقوداً في بنائها، ليرتفع فوق أنقاضها العلم الإسرائيلي معلناً إحلال المستوطنين مكان أصحاب الأرض الأصليين.
تستند هذه التحولات إلى منظومة قانونية صاغها الاحتلال لتسهيل السيطرة على العقارات، حيث يُسمح لليهود بالمطالبة بممتلكات يدّعون ملكيتها قبل عام 1948. وفي المقابل، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام استحالة الحصول على تراخيص بناء قانونية، مما يجعل منازلهم ‘غير قانونية’ في نظر القانون الإسرائيلي.
أمين جلاجل، مسن فلسطيني يبلغ من العمر 62 عاماً، يجسد مأساة البلدة، حيث تلقى أمراً بهدم المنزل الذي وُلد وترعرع فيه. يتساءل جلاجل بمرارة عن منطق الاحتلال الذي يدعي عدم امتلاكه لتصريح بناء، بينما وجوده في هذا البيت يسبق القوانين التي تحاكمه اليوم.
عائلة جلاجل التي كانت تمتلك ستة منازل في الحي، لم يتبقَّ لها سوى سقف واحد يؤوي اليوم 96 فرداً من مختلف الأجيال. هذا الاكتظاظ الخانق هو نتيجة مباشرة لعمليات الهدم المتكررة التي طالت بقية عقارات العائلة، مما جعلهم يعيشون في حالة ترقب دائم لما تبقى من مأواهم.
ويضع الاحتلال السكان أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الهدم الذاتي بأيديهم، أو انتظار جرافات الجيش ودفع تكاليف الهدم الباهظة. وتصل هذه التكاليف في بعض الأحيان إلى 100 ألف شيكل، وهو مبلغ يعجز معظم السكان عن توفيره، مما يضطرهم لتنفيذ الهدم بأنفسهم في مشهد إنساني مفجع.
إما أن نهدم منزلنا بأنفسنا، أو ندفع 100 ألف شيكل لكي يهدمه الجيش؛ خيار يختزل حجم الإكراه الذي نعيشه.
أحمد، أحد أبناء عائلة جلاجل، يروي كيف استنزفه الاحتلال مالياً عبر غرامات باهظة بدعوى البناء غير المرخص قبل أن يتم هدم منزله في نهاية المطاف. ويؤكد أن الضغوط لا تتوقف عند الهدم، بل تشمل تهديدات مستمرة ومحاولات إغراء مالي من قبل جمعيات استيطانية لشراء ما تبقى من الأرض.
وفي زاوية أخرى من سلوان، اضطر الشاب وسيم صيام (37 عاماً) لتحويل منزله إلى كومة من الركام بيديه امتثالاً لأمر رسمي. كان وسيم يعيش في ذلك المنزل مع زوجته وأطفاله الخمسة ووالدته التي تعاني من ظروف صحية صعبة، ليجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى يحميهم.
ويقول صيام إن سلطات الاحتلال لا تلتزم بأي معايير إنسانية، حيث لا تضع في اعتبارها حاجة الأطفال أو المرضى للسكن. ويرى أن الهدف الوحيد لهذه السياسات هو توفير الراحة والرفاهية للمستوطنين على حساب جحيم العائلات الفلسطينية التي تُطرد من ديارها قسراً.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن وتيرة هذه الانتهاكات تسارعت بشكل ملحوظ منذ عام 2022 مع تولي الحكومة اليمينية المتطرفة مقاليد الحكم. وقد ارتفع عدد المستوطنين في الضفة والقدس إلى نحو نصف مليون، وسط مباركة رسمية لبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية رغم التنديد الدولي.
لا تقتصر المعاناة على فقدان الجدران، بل تمتد لتشمل السيطرة على الموارد الطبيعية والمواقع التاريخية في البلدة، مثل ينابيع المياه التي باتت حكراً على المستوطنين. ويصف السكان ما يحدث بأنه ‘محو صامت’ للهوية الفلسطينية، حيث تُستخدم الضغوط القانونية والاقتصادية والنفسية لدفعهم نحو الرحيل الطوعي.





