الهجوم الإرهابي الأخير في فرنسا، الذي شُن على الصحيفة الساخرة “شارلي إيبدو”، لم يكن يتعلق بحرية التعبير. لم يكن يتصل بالإسلام الراديكالي. ولم يكن يجسد ذلك الصدام الخيالي بين الحضارات. لقد كان مؤشراً على واقع مرير، حيث يرد المعذبون في الأرض، المحرومون من الموارد الضرورية للبقاء على قيد الحياة، العاطلون من الأمل، الخاضعون للسيطرة الوحشية، والذين يستصغرهم ويسخر منهم أصحاب الامتيازات والأوفر حظاً ممن يعيشون في بذخ وكسل الغرب الصناعي، يردون بغضب عدمي.
لقد قمنا نحن في الغرب بهندسة غضب المحرومين. كانت شرور الرأسمالية العالمية والإمبراطورية هي التي أنجبت شر الإرهاب. وبدلاً من فهم الأسباب الجذرية لهذا الغضب ومحاولة معالجته، قمنا ببناء ميكانيزمات متطورة للأمن والمراقبة، ومررنا القوانين التي تسمح بالاغتيالات المستهدفة والتعذيب في حق الضعفاء، وحشدنا الجيوش الحديثة وآلات الحرب الصناعية من أجل الهيمنة على العالم بالقوة. ولم يكن ذلك شأناً يخص تحقيق العدالة. وهو ليس أمراً متعلقاً بالحرب على الإرهاب. وليس له شأن بالحرية أو الديمقراطية. وهو لا يتعلق بحرية التعبير. إنه يتعلق بتدافع الأوفر حظاً بطريقة جنونية للعيش على حساب الفقراء. والفقراء يعرفون ذلك.
لو أنك قضيتَ بعض الوقت كما فعلت أنا في غزة، والعراق، واليمن، والجزائر ومصر والسودان، وكذلك في مشاريع الإسكان المعزولة المحبطة والكئيبة، المعروفة باسم “الضواحي”، والتي تحيط بالمدن الفرنسية مثل باريس وليون لتُخزِّن المهاجرين المعدمين من شمال إفريقيا، فإنك ستشرع في فهم قصة الأخوين شريف وسعيد كواشي، اللذين قتلا يوم الجمعة الماضي في معركة بالأسلحة النارية مع الشرطة الفرنسية. هناك وظائف قليلة جداً في جيوب البؤس تلك. هناك العنصرية علنية، واليأس مستشر، خاصة بالنسبة للرجال الذين يشعرون بأنهم يعيشون بلا غاية أو لزوم. هناك المضايقات التي يتعرض لها المهاجرون، خاصة من الشرطة أثناء التحقق من الهويات، هي واقع ثابت تقريباً. وقد سحب رجال الشرطة ذات مرة أحد المهاجرين من شمال أفريقيا، دون سبب واضح، من عربة لمترو الأنفاق في باريس كنتُ أستقلها، وضربوه بلا شفقة على المنصة. ويشكل المسلمون الفرنسيون نحو 60 إلى 70 % من مجموع نزلاء السجون في فرنسا. وتعمل المخدرات والكحول مثل صفارات الإنذار التي تفصح عن الألم الأبكم الذي تعانيه مجتمعات المسلمين الفقيرة.
والفرنسيون لا يعتبرون الخمسة ملايين أفريقي شمالي في فرنسا فرنسيين. وعندما يعود هؤلاء المهاجرون إلى الجزائز، وطنجة أو تونس، حيث ربما يكونون قد ولدوا وعاشوا فترة وجيزة، فإنهم يُعاملون على أنهم غرباء منبوذون. وعندما يجدون أنفسهم عالقين بين عالمين، فإنهم ينجرفون، كما فعل الأخوان كواشي، إلى التيه، والجرائم والمخدرات.
يشكل تحول المرء إلى محارب مقدس، إلى جهادي، إلى بطل لمثال مطلق ونقي، تحولاً مُسكراً، ونوعاً من إعادة الانبعاث التي تجلب إحساساً بالقوة والأهمية. وهو شيء مألوف بالنسبة للجهادي الإسلامي كما كان مألوفاً بالنسبة لعضو في منظمة “الألوية الحمراء” أو الأحزاب الفاشية والشيوعية القديمة. والمتحولون إلى أي مثال مطلق يقدم الوعد بدخول المدينة الفاضلة، يعتنقون نظرة مانوية للتاريخ، تعج بنظريات المؤامرة الغرائبية. وتصبح القوى المتعارضة، بل وحتى الحميدة، ممتزجة بالخبث الخفي. ويعتقد المتحولون أنهم يعيشون في عالم ثنائي مقسم بين الخير والشر، والطاهر والمدنس. وباعتبارهم أبطال الخير والطهر، فإنهم يقدسون تضحيتهم ويشيطنون كل أولئك الذين يعتبرونهم غير المؤمنين. وهم يعتقدون بأنهم مكلفون بتغيير التاريخ. ويعتنقون عنفاً فائق الذكورية، والذي يُنظر إليه على أنه عنصر التطهير من ملوثات العالم، بما فيها أولئك المنتمون إلى أنظمة عقائدية أو أعراق أو ثقافات مختلفة. وهذا هو السبب في أن أقصى اليمين في فرنسا، المنظم حول مارين لوبان، زعيم الجبهة الوطنية المعادية للمهاجرين، ينطوي على الكثير من المشترك مع الجهاديين الذي يقول لوبان بأنه يريد القضاء عليهم.
إنك عندما تغرق في اليأس، عندما تعيش في غزة، سجن إسرائيل المفتوح الهائل، وتنام على الأرض في كوخ حقير، وتسير كل صباح عبر الشوارع الموحلة لمخيم اللاجئين الذي تعيش به لتحضر زجاجة مياه لأن الماء الذي يتدفق من صنبورك سام، وتصطف في طابور أمام مكتب للأمم المتحدة لتحصل على الطعام لأنه ليس لديك عمل وعائلتك جائعة، وتعاني من الغارات الجوية الدورية التي تشنها إسرائيل وتترك المئات من القتلى، فإن عقيدتك الدينية تكون هي كل ما تبقى لديك. وتمنحك الصلاة الإسلامية خمس مرات في اليوم إحساسك الوحيد بالتكوين والمعنى، والأهم من كل شيء: الإحساس بتقدير الذات. وعندما يسخر الأوفر حظاً في العالم من الشيء الوحيد الذي يزودك بالكرامة، فإنك ترد بغضب بدائي. ويتفاقم هذا الغضب عندما تشعر أنت وكل الذين حولك تقريباً بالعجز عن الرد.
كانت الرسوم الكرتونية للنبي في الصحيفة الباريسية الأسبوعية الساخرة، شارلي إيبدو، مستفزة وصبيانية. لم يكن أي منها مضحكاً. وهي تعرض ازدواجية غرائبية في المعايير عندما يتعلق الأمر بالمسلمين. في فرنسا، يمكن أن يواجه أي منكر للهولوكوست، أو أي شخص ينكر الإبادة الجماعية للأرمن، عقوبة السجن لمدة سنة أو يُجبر على دفع غرامة قدرها 60.000 دولار. ويعتبر عملاً إجرامياً في فرنسا أن يسخر أحد من الهولوكوست بالطريقة التي سخرت بها “شارلي إيبدو” من الإسلام. وفي حين يجب تعليم طلاب المدرسة الثانوية في فرنسا عن الاضطهاد النازي لليهود، فإن نفس هؤلاء الطلاب لا يقرأون أي شيء تقريباً في كتبهم المدرسية عن الفظائع الفرنسية واسعة النطاق، بما في ذلك حصيلة القتلى من الجزائريين التي تقدرها بعض المصادر بأكثر من مليون شخص، خلال حرب استقلال الجزائر ضد فرنسا الاستعمارية. ويحظر القانون الفرنسي ارتداء البرقع في الأماكن العامة، وكذلك النقاب. ويمكن أن تتعرض النساء اللواتي يرتدين هذه الأزياء للاعتقال، ودفع غرامة مالية تقدر بحوالي 200 دولار وإجبارهن على تنفيذ عقوبة في شكل خدمة المجتمع. وقد حظرت فرنسا التظاهرات التي تدعم الفلسطينيين في الصيف الماضي عندما كانت إسرائيل تشن غارات جوية يومية على غزة، والتي أسفرت عن مقتل المئات من المدنيين هناك. والرسالة الموجهة إلى المسلمين في كل هذا واضحة: إن تقاليدكم، وتاريخكم ومعاناتكم ليست مهمة. إن قصتكم لن تُسمع. وقد امتلك جو ساكو الشجاعة لبيان هذه النقطة في اللوحات التي يرسمها لصحيفة الغارديان. وكما أشار ساكو، فإننا إذا لم نكن نستطيع أن نسمع هذه القصص، فإننا سنظل بلا نهاية نستبدل الإرهاب بإرهاب الدولة.
قال لي المفكر والداعية الإسلامي حمزة يوسف، الأميركي الذي يعيش في كاليفورنيا، في رسالة بالبريد الألكتروني: “إنه وضع سيئ جداً ومحزن ذلك الذي تعني فيه الحرية إهانة واحتقار وتسخيف أكثر مبادئ الناس قدسية. في بعض الدول اللاتينية، تتم تبرئة الناس من جرائم القتل إذا كانت أم المتهم قد تعرضت للقذف والافتراء من جهة المقتول. لقد رأيت هذا في أسبانيا قبل كثير من السنوات. وليس هذا عذراً للقتل، لكنه يفسر الأشياء حين يتعلق الأمر بالشرف الذي لم يعد يعني أي شيء في الغرب. كانت أيرلندا دولة غربية ما تزال تحتفظ بشيء من ذلك، وكان قانون المبارزة الأيرلندي هو الذي استُخدم في كنتاكي، آخر ولاية حظرت المبارزة في الاتحاد الأميركي. وكانت المبارزة ذات مرة ممارسة بارزة جداً في الغرب عندما كان الشرف يعني شيئاً عميقاً في روح الإنسان. الآن، لا يُسمح لنا بالشعور بالإهانة من أي شيء سوى الوسم العنصري، الذي يعني أقل بالنسبة لشخص بالغ التدين من الهجوم على دينه أو دينها. وما تزال الدول المسلمة تُحكَم، كما تعرف جيداً، برموز العار والشرف. والدين هو الرمز الأكبر. لقد أحزنتني تغريدات وبوسترات “أنا شارلي”، لأنني بينما لا أتعاطف بالمطلق مع أولئك الحمقى المضللين (المسلحين الذين غزوا الصحيفة)، فإنني لا أنطوي على أي شعور بالتضامن مع المستهزئين”.
كانت صحيفة شارلي إيبدو، على الرغم من إصرارها على أنها تستهدف الجميع على قدم المساواة، قد طردت فناناً وكاتباً في العام 2008 بسبب مقالة اعتبرتها معادية للسامية.
وبعد وقت قصير من هجمات 11/9، عندما كنت أعيش في باريس وأعمل مراسلاً لصحيفة “نيويورك تايمز”، ذهبت إلى “المدينة 4000″، وهو مشروع إسكان رمادي حيث عاش المهاجرون من شمال أفريقيا في شقق ذات نوافذ مغلقة بالطوب. كانت القمامة متناثرة على السلالم. والشعارات المرسومة بالرذاذ تندد بالحكومة الفرنسية وتصفها بالفاشية. ويبيع أعضاء العصابات الرئيسية الثلاث الكوكايين والحشيش في مواقف السيارات وسط الهياكل المحترقة للكثير من السيارات. وألقى بعض الشبان الحجارة عليّ. وهتفوا: تباً للولايات المتحدة، تباً للولايات المتحدة، تباً للولايات المتحدة”، وهتفوا أيضاً: “أسامة بن لادن، أسامة بن لادن، أسامة بن لادن!” وبجوار باب شقة امرأة يهودية عجوز، كتب أحدهم بالرذاذ “الموت لليهود”، قبل أن تقوم المرأة بمسح العبارة.
في “الضواحي”، كان أسامة بن لادن بطلاً. وعندما وصلت أخبار هجمات 11/9 إلى “المدينة 4000” –التي سُميت كذلك لأنها كانت تضم 4000 شقة سكنية في تلك المرحلة من إنشائها- تدفق الشباب خارجين من شققهم لكي ينشدوا وهتفوا بالعربية “الله أكبر”. وكانت فرنسا قد أقامت قبل ذلك ببضعة أسابيع أول مباراة رسمية لها بين فريق فرنسي وفريق جزائري منذ حرب الاستقلال الجزائرية التي انتهت في العام 1962. وقد صفر الجمهور من شمال إفريقيا وأطلقوا صيحات الاستهجان أثناء عزف النشيد الوطني الفرنسي. وهتف الجمهور: “بن لادن! بن لادن! بن لادن”. وتم رشق وزيرتين فرنسيتين حاضرتين بالزجاجات. وعندما كان المنتخب الفرنسي يوشك على الفوز، قام الجمهور الجزائري باجتياح الملعب، من أجل إيقاف المباراة.
قال لي مهاجر مغربي كان يجلس مع اثنين من أصدقائه على مقعد طويل خلال زيارتي للمدينة 4000 في العام 2001: “إنك تريد منا أن نبكي من أجل الأميركان عندما يقومون بقصف وقتل الفلسطينيين والعراقيين في كل يوم؟ إننا نريد أن يموت المزيد من الأميركيين حتى يبدأوا في رؤية كيف يكون ذلك الشعور”.
وقال لي مهاجر جزائري عمل عدة سنوات ميكانيكياً في السكة الحديدية: “لقد أعلنت أميركا الحرب على المسلمين منذ وقت طويل. وهذا مجرد رد فعل فقط”.
من الخطورة تجاهل هذا الغضب. لكن الأكثر خطورة هو رفض دراسته وفهم أصوله. إنه لم ينبع من القرآن أو الإسلام. لقد نهض من اليأس الجماعي الشامل، ومن ظروف الفقر الواضحة التي لا تخفى، إلى جانب عنف الغرب الإمبريالي، والاستغلال الرأسمالي والغطرسة. وبينما موارد العالم تتناقص، خاصة مع هجمة تغير المناخ، فإن الرسالة التي نرسلها إلى غير المحظوظين والمعذبين في الأرض صارخة واضحة ولا لبس فيها: نحن لدينا كل شيء، وإذا حاولتم أن تأخذوا أي شيء منا، فإننا سوف نقتلكم. كما أن الرسالة التي يرد بها المحرومون هي أيضاً صارخة واضحة لا لبس فيها. وقد تم تسليمها في باريس.
الغد الاردنية





