الناصرة ـ «القدس العربي»: من أجل فهم أعمق لقوى اليمين الجديد في إسرائيل بوسعك قراءة كتاب جديد للكاتبة كارولين غليك بعنوان «الضم الآن»، فهو يندرج ضمن مساعي تمهيد الأرضية لإحالة القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية المحتلة، كما تم من قبل في هضبة الجولان والقدس المحتلتين.
الكتاب الذي يذكّر عنوانه بحركة «السلام الآن» بل هو رد عليها، يقترح طمس الهوية الوطنية الفلسطينية من جهة وتحويل الفلسطينيين لمواطنين أو سكان في إسرائيل.
تعبر الباحثة العضو في مركز سياسات الأمن في واشنطن عن رؤية أوساط اليمين والمستوطنين بتوجهاتهم الاستعلائية الوقحة غير المبالية بالعالم واحتجاجاته، وتدعي أن الفلسطينيين هم توليفة بين الجهاديين وبين اللاساميين وأن السلطة الفلسطينية كمنظمة التحرير الفلسطينية ما زالت منظمة «إرهابية».
بل تتهم الشعب الفلسطيني «منذ تأسيسه على يد المفتي الحاج أمين الحسيني منذ 1920» باللاسامية وبعدم بناء هوية وطنية تقوم على أي أساس عدا الكراهية لهوية اليهود وحقوقهم.
وتتبنى هي الأخرى فرية «اللاشريك» الفلسطيني التي ابتدعها رئيس الحكومة الأسبق (العمالي) إيهود باراك، وتتهم الفلسطينيين برفض أي تسوية لتقاسم البلاد مع اليهود وبعدم التنازل يوما عن تصفيتهم وإبادة إسرائيل.
بل تصف الرئيس عباس بأنه مكمل طريق ياسر عرفات وأمين الحسيني. وترى بتسوية الدولتين وهما وهذيانا أو جزءا من الخطة المرحلية لتحرير فلسطين.
وفي محاولة ديماغوجية لتسويف رفض تسوية الدولتين من قبل اليمين وإسرائيل تقول إن الحركات الفلسطينية ومنظمة التحرير تشكلت قبل 1967 وقبل ولادة مصطلح «الاحتلال».
وتقترح غليك رؤية سياسية جديدة تقوم على فكرة الدولة الواحدة تحت السيادة الإسرائيلية لكنها لا توضح بالتحديد كيف سيعيش الطرفان جنبا إلى جنب في دولة واحدة طالما أن الفلسطينيين يسعون لتدمير إسرائيل بالكامل ،فما بالك والحديث عن سيادة طرف على طرف.
وضمن مخاطبة أوساط إسرائيلية تخشى من الخطر الديموغرافي المترتب على ضم الضفة الغربية وتحويل سكانها لمواطنين في إسرائيل تدعو غليك أولا إلى إبقاء غزة خارج إسرائيل لأنها تنازلت عنها في 2005 ولأنها غير مسؤولة عنها وفقا للقانون الدولي.
وضمن اعتبار الاحتلال نوعا من صنع الجميل تدعي غليك أن ضم الضفة الغربية سيضع حدا للاضطهاد الذي يكابده الفلسطينيون تحت حكم السلطة الفلسطينية ويجعلهم مواطنين في نظام ديموقراطي ليبرالي حقوقهم محمية ومتساوية.
وتلتزم غليك برؤيتها المستهجنة هذه بتمكين فلسطينيي الضفة من الحصول على المواطنة في إسرائيل على أن تبقى هذه صاحبة القرار برفض طلب المواطنة أو رفضه بناء على اعتبارات أمنية.
وتشير لحق الفلسطينيين بالحركة والعمل والإقامة في أي موقع في البلاد. وسيتمكن الفلسطينيون عندئذ من المشاركة في الانتخابات للبرلمان (الكنيست) مثلما سيتم فتح جهازي التعليم والاقتصاد أمامهم، أما من لا يمنحون صفة المواطنين فيحفظ لهم الحق بالمشاركة في الانتخابات المحلية فقط.
وضمن رؤيتها هذه تقترح غليك تفكيك الحكم العسكري في الضفة الغربية كما حصل من قبل في الجولان السوري عام 1981 ، كما تقترح حل السلطة الفلسطينية وأجهزتها الإدارية وأن لأمنية و أن تتولى الشرطة الإسرائيلية مسؤولية كاملة.
ولا تخشى غليك التهديد الديموغرافي الذي يؤرق أوساطا إسرائيلية متزايدة وتنفي وجود «قنبلة سكانية» زاعمة أن الموازين الديموغرافية تعمل لصالح اليهود.
وتعلل رؤيتها بالزعم أن الإحصاء السكاني الإسرائيلي الأخير من 1997 ملفق، وأن القائمين عليه رغبوا استخدامه فزاعة لتبرير فكرة الدولتين. بل تذهب لحد القول إن «المعطيات الديموغرافية الملفقة» غررت برئيسي الحكومة السابقين أرئيل شارون وإيهود أولمرت اللذين أبديا استعدادا للتنازل عن أجزاء من البلاد خوفا من التهديد الديموغرافي.
وتدعي غليك ضمن مساعيها لتهدئة المخاوف الديموغرافية أن عدد الفلسطينيين منذ 2010 لا يتعدى الـ 1.4 مليون نسمة، أما في غزة فيبلغ عددهم مليون نسمة فقط.
وحتى وفق هذه الأرقام غير الصحيحة وفقا لإحصاءات فلسطينية وإسرائيلية فإن غليك تقترح في الواقع نظام أبرتهايد يعيش فيه عدد كبير من الفلسطينيين كسكان لا كمواطنين ويمنعون من المشاركة بالانتخابات العامة.
وبما يتعلق باحتمالات الغضب الدولي على مثل هذا الإجراء المقترح تذكر غليك بأن العالم سلم فعليا بضم القدس والجولان المحتلتين.
وتتجاهل غليك نضالات وتطلعات الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال دون أن تقترح سبلا عملية لطمس هذه التطلعات الوطنية. كما تتجاهل تفشي الكراهية والعنصرية ضد العرب والإرهاب اليهودي المتصاعد.
وهي بالطبع تتهم الفلسطينيين بمحاولة تقويض اتفاق أوسلو بعمليات انتحارية في تل أبيب، متجاهلة أن العملية الانتحارية الأولى نفذها المستوطن باروخ غودلشطاين داخل الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل عام 1994.
وبلهجة استعلائية تهاجم الكاتبة الإسرائيلية الدول الغربية وتسخر من اعتقاد واشنطن بأن فقدان الاستقرار في الشرق الأوسط ينتج عن عدم تسوية القضية الفلسطينية.




