الرئيسيةزواياأقلام واراءأميركا: مشروع لم يكتمل ...بقلم :بشار اللقيس

أميركا: مشروع لم يكتمل …بقلم :بشار اللقيس

2f5e2184-a65e-4cf3-ad1d-30554e52e5a0
لم تنتج الولايات المتحدة ما أنتجته روسيا في الأدب. وبالمثل، لم تنتج روسيا ما أنتجته الولايات المتحدة من نص سياسي. مطلع القرن الماضي وقبيل انتصار البلاشفة، ظهر في الأدب الروسي المدرسة الشكلانية كتعبير عن رفض القوميين للمدرسة الشيوعية وأفكار لوكاتش حول الانعكاس الأدبي. برأي الكثيرين من أبناء المدرسة الجديدة، لم يكن ثمّة صلة ضرورية بين الأدب والبنى المنتجة له. بمعنى أو بآخر، لم يكن للتاريخ وقواه المجتمعية؛ الثقافية، السياسية، أو حتى الاقتصادية أي صلة بناتج النص الأدبي. بالنسبة للشكلانيين الروس، يُعتبر شكل النصّ النهائي المعيار في تقييم ونقد أي نص أدبي. تماماً كالولايات المتحدة في السياسة اليوم. لا تعير أميركا كثير الاهتمام للبنية التحتية؛ الثقافية، الاقتصادية، أو حتى الاجتماعية لأي طرف سياسي. إن معيار قبول أي طرف مقرون بإسهامه بتماسك المحصلة النهائية للناتج السياسي. بنحو كبير، تبدو الولايات المتحدة شكلانية في السياسة كحال الروس في الأدب قبيل أكثر من قرن. تهتم الولايات المتحدة بالشكل النهائي لأي عملية سياسية، وقد لا تجد نفسها معنية بالأطر المرجعية أو الثقافية في تعاونها مع أي جماعة. هي لا تخجل من التغاضي عن «داعش» تارة، والتعاون مع تركيا تارة أخرى، وهي لا تجد نفسها محرجة في التعاون مع حكومة بغداد ومن قبلهم الأكراد في الآن عينه. بالنسبة لها، سيظل التعاون متاحاً طالما أن أياً من الأفرقاء لن يخرج عن الناتج النهائي للنص المفترض.
تستفيد الولايات المتحدة لا شك من ميراثها الفلسفي الانغلوسكسوني ـ المابعد قاري؛ بالنسبة للأنغلوسكسونيين، كان ينبغي على الفلسفة التخلص من ميراث البحث في الميتافيزيقا والكينونة اللتين كثيراً ما شغلتا العالم القديم. لقد انشغل الهم المعرفي للمدرسة الفلسفية الأميركية بهندسة النص أكثر مما انشغل بالمعنى الحقيقي له. بالمعنى السياسي، تشغل موضوعات توزيع السلطة وهندستها بين القوى المختلفة، العقل السياسي الأميركي، أكثر مما تشغله موضوعات البحث في كيفية بناء السلطة نفسها. أواخر التسعينيات صارت محاضرات رائد المدرسة التفكيكية المحدثة ريتشارد رورتي، في جامعة ستانفورد، بمثابة المُقرر المعرفي للتقليد الفلسفي المابعد قاري. بالنسبة لرورتي، على الولايات المتحدة إعادة هندسة العالم الجديد، بعيداً عن وهم التفوق وانزياحات اليمين واليسار التقليدي.
مع وصول أوباما العام 2008 لسدة الرئاسة، سعى «الديموقراطيون» لإدارة العالم بقليل من الجهد وكثير من اللعب على صراعات الآخرين. خاض أوباما طيلة مرحلة ولايتَيه، ووفق ميراث رورتي، عملية صفرية النتائج بالنسبة للحلفاء وللخصوم. لم يعط الرجل الأمان لأوروبا في شرقها، مثلما لم يُعط المشروعية للتقدم الروسي هناك. في السابع عشر من أيلول 2009، أعلن أوباما إلغاء مشروع الدرع الصاروخي في شرق أوروبا. إعلان أوباما ذاك جاء متزامناً مع تهديد روسيا بقطع إمدادات الغاز لأوروبا في العام نفسه. بُعيد بضعة أسابيع وفي محاولة لطمأنة الأوروبيين، أعلن روبرت غايتس في نيويورك تايمز بدء العمل بمنظومة إس إم 3 البحرية. لكن كلام غايتس لم يقنع حلفاءه الأوروبيين في ظل مماطلة الولايات المتحدة في إتمام حائط دفاع فعّال بوجه الصواريخ الهجومية الروسية. أوكرانيا هي الأخرى كانت محطّ تساؤل أوروبي. بنحو من الأنحاء، تشعر أوروبا أن الولايات المتحدة دفعت الأوروبيين لمواجهة غير متكافئة، وهو ما دفع بوزير خارجية بولندا في قمة وارسو 2016 للجهر برفضه لأي تمنٍ في التعاطي مع روسيا، في إشارة غاضبة حول سياسات الولايات المتحدة.
اللعب على التناقضات، بشكل عام تبدو أقرب لتقليد «ديموقراطي» في سياسات الولايات المتحدة. بالعودة إلى فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة، يمكننا لحظ الفتور الذي أبداه «الديموقراطيون» تجاه قبول دول شرق أوروبا في عباءة الأطلسي. بالنسبة لـ «الديموقراطيين» كان إدخال كل من بولونيا والمجر والتشيك، سيفضي بالمحصلة لتعزيز مكانة ألمانيا على حساب فرنسا داخل «حلف الأطلسي». ماطلت الولايات المتحدة آنذاك، حتى آذار من العام 1999 لقبول عضوية ثلاث من أصل ثماني دول كانت قد أعلنت نيتها الانضمام منذ قمة فيزغارد/ المجر العام 1991. في الصومال كذلك، وبُعيد عملية إعادة الأمل في كانون الأول 1992، سعت الولايات المتحدة تحت إدارة «الديموقراطيين» للتملص من مسؤولياتها وإلقاء عاتق الأمر على الأمم المتحدة بالكامل، برغم سياسة بوش الأب الحاسمة بحفظ الأمن كخيار استراتيجي هناك. لم تستجب إدارة كلنتون، فيما بعد، لمطالب بطرس غالي بنزع سلاح حركة عيديد المعادية للولايات المتحدة نفسها. مرة جديدة كان «الديموقراطيون» أقربَ لتبنّي المنطق الصفري بالنسبة للحلفاء والخصوم. كانت الولايات المتحدة متشككة بعلاقة عيديد بالقوات الإيطالية، وبعلاقة تجمعه بالسعوديين. أما في رواندا العام 1994، فكانت أعداد الضحايا قد تجاوزت الثلاثمئة ألف في الحرب الدائرة بين الهوتو والتوتسي، عندما كانت مادلين أولبريت تماطل في جلسات مجلس الأمن تحت حجة عدم وجود معلومات كافية لاتخاذ القرار بالتدخل العسكري. في حقيقة الأمر كان التدخل بالنسبة للأميركيين مشروطاً بألا يفضي دعم الهوتو لتعزيز مكانة فرنسا في وسط إفريقيا، وألا يفضي دعم التوتسي لتعزيز مكانة بلجيكا التاريخية هناك.
مع فشل هيلاري كلينتون في الوصول إلى سدة الرئاسة، بدا في الأوساط الإعلامية الأميركية أن ثمة سؤالاً يراود صنّاع الرأي اليوم: إلى أين تتجه أميركا؟ في ترجمة فرنسية لسلسلة محاضرات ريتشارد رورتي في جامعة ستانفورد، اختار الفرنسيون ترجمة تلك المحاضرات تحت عنوان: أميركا مشروع لم يكتمل. وبغضّ النظر عن المرامي الفرنسية من هذا العنوان، تبدو الولايات المتحدة إلى حدّ كبير أقرب لمشروع لم يكتمل مع وصول دونالد ترامب لسدة الرئاسة. في واشنطن يعتقد كثيرون أن ثمّة نزوع لدى الأميركيين للانكفاء نحو تقليد مونرو السياسي الذي يعطي الأولوية للمحيط الحيوي للولايات المتحدة. بنحو كبير تبدو هذه المقاربة صحيحة، إذا ما أخذنا خطاب ترامب الانتخابي كمعيار للمقاربة، وبنحو كبير تبدو هذه المقاربة خاطئة، إذا ما أخذنا الائتلاف الذي يسعى ترامب لتشكيله كيما يرأس فعلياً الإدارة الجديدة. يدرك ترامب جيداً الهوة التي تفصله عن حزب السلطة الحاكم واقعاً في الولايات المتحدة. كذلك يدرك الرجل أيضاً حجم الشرخ بين جمهوره ونخب الساحلين الشرقي والغربي في أميركا. بتعيينه لمايكل فلين كمستشار للأمن القومي، وما يُحكى عن نيته تعيين دايفيد بترايوس أو جون كيلي وزيراً للخارجية، يكون الرجل قد حسم خياره بأن ثمة تسوية داخلية باتت بمقتضى الضرورة. هو لن يستطيع حكم الولايات المتحدة منفرداً. لذا يبدو الرجل أقرب لعقد صفقة مع حزب الحرب، أو لِنقل، مع جماعات الحرب المتمركزة خلف المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة. لن يستطيع الرئيس الأميركي تمرير كامل مرحلة حكمه بلا حرب. الحرب حاجة داخلية أميركية. لكن وجهة هذه الحرب ومآلاتها تبدو الآن غير معلومة. وقد لا تكون «داعش» آخر مستهدفي الحرب الأميركية المقبلة، مثلما قد لا تكون إيران أو قوى المقاومة بعيدة كل البعد عن دائرة نيرانها.
منطقتان ساخنتان ستحملهما الأيام على شكل ملفات عاجلة على طاولة الرئاسة الأميركية؛ الشرق الأوسط وشرق أوروبا. هو يعلم أهمية المنطقتين، وتلازم التسوية فيهما منذ أن خُطّ نظام يالطا. لكن المشهد يبدو اليوم أكثر تعقيداً وإرباكاً مع خسارة القارة الأوروبية كثيراً من أهميتها السياسية، ومع افتقاد رأس الإدارة الأميركية لتفويض كامل الصلاحية لإدارة عملية المساومة.
هل يخرج ترامب من المقاربة الأوروبية في الشرق الأوسط؟ بالتأكيد هو لا يريد الإيغال أكثر في دماء العالم القديم بالاعتماد حصراً على المقاربة الأوروبية، لكن خروجه ذاك، لن يكون معزولاً عن المقاربة الأوروبية ـ الأميركية لمسألتي أوكرانيا والدرع الصاروخية.
هل يقدم ترامب على تسوية مع موسكو على حساب طهران؟ يعلم ترامب أن ثمّة ميراثاً من عدم الثقة بين ورثة السوفيات والولايات المتحدة، منذ أن ساوم الكرملين على عبد الناصر، كيما ينتزع أماناً غربياً في شرق أوروبا. آنذاك، لم يدم التفويض الغربي لروسيا في براغ 1969 أكثر من عقد، ليعود الغرب ويتآمر على السوفيات في هلسنكي 1975. الذاكرة المثقلة بانعدام الثقة بين الطرفين، ستثقل كاهل ترامب هي الأخرى في إدارته أي مساومة مقبلة. في أي اتجاه ستمضي الولايات المتحدة؟ لا يبدو أن ترامب نفسه عارفاً بالإجابة، لكن ترجمة فرنسية لمحاضرات رورتي قد تفي بالإجابة في أن أميركا، وإلى اليوم، مشروع لم يكتمل.

السفير اللبنانية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب