الرئيسيةالاخبارهزيمة نتنياهو السياسية تعني انتصاره الأيديولوجي!

هزيمة نتنياهو السياسية تعني انتصاره الأيديولوجي!

بقلم: ديمتري شومسكي /أشار ميخائيل هاوزر طوف في “هآرتس” إلى الفجوة العميقة بين اليمينية البارزة في المجتمع الإسرائيلي وبين التراجع الظاهر في قوة حزب الليكود الذي يمثل واجهة اليمين في إسرائيل. ويشير هذا التباين، حسب هاوزر طوف، إلى أن بنيامين نتنياهو أصبح عبئاً على “الليكود”. ففشله الشخصي في الحرب، والانقسام والتحريض الذي يبثه، يدفع ناخبيه بعيداً عن “الليكود”، في الوقت الذي كان من المفروض فيه أن يحقق “الليكود”، بسبب تنامي تيارات اليمين في إسرائيل، تقدماً كبيراً في الاستطلاعات، بل أن يصبح الحزب الأكبر في تاريخ إسرائيل.
لكن فشل نتنياهو الشخصي والسياسي والحزبي، الذي ركز عليه هاوزر طوف، لا يمكن أن يخفي نجاحه الباهر على الصعيد التاريخي، في كل ما يتعلق بمشروع إعادة تشكيل صورة المجتمع الإسرائيلي بشكل جذري وحاسم، وهو مشروع أنجزه هو نفسه في سنوات حكمه. وماذا يعني هذا التحول الجذري للإسرائيليين نحو اليمين، إذا لم يكن قبل أي شيء آخر إنجازاً واضحاً لا جدال فيه للحملة المنهجية لنزع الشرعية عن اليسار وقيمه الأساسية في السياق الإسرائيلي – السلام، المساواة بين شعبين يعيشان بين البحر والنهر – التي دأب على تسويقها في الساحة الإسرائيلية الداخلية منذ دخل الحياة السياسية.
صحيح أن انجرافاً حاداً وواسعاً نحو اليمين قد حدث في الرأي العام في إسرائيل كنتيجة مباشرة وفورية لـ”مذبحة” 7 تشرين الأول. مع ذلك، من منظار تاريخي طويل المدى فإن العمى الذي أصاب معظم الإسرائيليين بعد “المذبحة” – العمى الذي يطلق عليه لسبب ما “خيبة أمل” – يشكل مرحلة أخرى، مدمرة بشكل خاص، في مسيرة نبذ المجتمع الإسرائيلي لنهج السلام والمساواة، وهي مسيرة قادها نتنياهو ببراعة وثبات طوال مسيرته السياسية.
إضافة إلى ذلك يجب التذكير بأن المنظمة القومية – الإسلامية “المتطرفة” التي نفذت “المذبحة” كانت منذ التفجيرات الانتحارية في التسعينيات حليفة وفية لنتنياهو في كل ما يتعلق برؤية الرعب المشتركة بينهما، وهي رؤية العيش على حد السيف، في صراع لا هوادة فيه من أجل السيطرة المطلقة، يهودية أو فلسطينية، على “أرض إسرائيل”/ فلسطين. إن تقوّي “حماس” المطرد في سنوات حكم نتنياهو، وحتى تحولها جيشاً مدرباً وفتاكاً كان ممكناً، جزئياً، بفضل موافقة نتنياهو على تمويل قطر لـ”حماس”. كان الهدف من ذلك الإثبات للمجتمع الإسرائيلي أن حل الصراع مستحيل أن يكون بشكل سلمي. وقد أكدت “المذبحة” على هذه الفرضية في نظر كثير من الإسرائيليين بطريقة قاسية ومقنعة. صحيح أن “المذبحة” قضت على نتنياهو سياسياً، ولكن حالة الكراهية التي سيطرت على شرائح واسعة في المجتمع اليهودي في إسرائيل، في أعقاب ذلك، تعتبر دليلاً قاطعاً على انتصاره الأيديولوجي.
ولكن هل يمتلك نتنياهو أي أيديولوجيا أصلاً؟ يعتقد بعضهم أن “الأيديولوجيا” الوحيدة، التي يؤمن بها هي الأنانية المفرطة، حيث يخضع كل أفكاره وأفعاله لضمان السلطة السياسية من أجل إشباع رغباته السياسية. في كتابه الأخير “حرب الثلاثين سنة: بنيامين نتنياهو ضد دولة إسرائيل”، أحسن المؤرخ آدم راز في تحديد ووصف هذه الظاهرة المعادية للمجتمع والإنسانية، استناداً إلى مصادر مختلفة ذات صلة. يرى راز أن نتنياهو منذ بداية مسيرته السياسية وحتى الآن وظف المجتمع البشري – سواء بالمعنى الضيق والملموس الذي يشير إلى نيته المباشرة، أو بالمعنى الأوسع الذي يشير إلى المجتمع الإسرائيلي – كطريقة لاستمرار حكمه. وفي الوقت ذاته يعامل الناس كأشياء جامدة مصممة لخدمة مصالحه في طريقه إلى القمة، وهو ما يفسر صفات بغيضة في سلوكه تجاههم، مثل عدم مراعاة مشاعر الآخرين أو عدم الحياء (كعادة عدم الدفع نقداً)، ففي النهاية لا يوجد سبب لمراعاة الأشياء أو الخجل من وجودها.
قد يتساءل المرء عن علاقة كل ذلك بالأيديولوجيا، لكن الحقيقة هي إن هذا هو بالتحديد منبع معارضة نتنياهو الشديدة لفكرة الدولة الفلسطينية. لا يتعلق الأمر بالالتزام بيمين ديني، (نتنياهو علماني تماماً) أو بروح تنقيحية (خلافاً للصورة التي رسمها لنفسه، لم ينشأ نتنياهو من الحركة التنقيحية)، بل يتعلق بنقل موقفه المحتقر والمهين للآخر إلى مستوى العلاقة مع الآخر القومي الذي يتشارك معه اليهود الإسرائيليون الوطن نفسه، شاؤوا ذلك أم أبوا. وهكذا، مثلما أن كرامة الإنسان وقيمته المتساوية كإنسان ليست جزءاً من تصور نتنياهو الاجتماعي، فإن الكرامة القومية والمساواة للجيران الفلسطينيين ليست جزءاً من تصوره السياسي.
بدأت أنانية نتنياهو المرضية، التي تصاعدت بشكل كبير بعد توجيه الاتهامات الجنائية له وإحداثه فوضى عارمة في البنية المؤسسية الأساسية لدولة إسرائيل على نطاق غير مسبوق، في ردع المزيد من مصوّتي “الليكود”، حتى لو كان هذا متأخراً بدرجة كبيرة. مع ذلك، نظيرها المدمر على المستوى الوطني – التعصب العرقي اليهودي والعنصري الجامح الذي غرسه نتنياهو في الوعي السياسي لكثير من الإسرائيليين – يحتفل الآن بانتصار كامل، حتى بين الذين لا يتوقع أن يصوتوا لائتلاف نتنياهو. مع رحيله عن الحياة السياسية قد تشكل هذه الأيديولوجيا – التي أصبح إرثها واضحاً – القاسم المشترك لمعسكر يميني واسع، لا يمنع تأسيسه، الآن، سوى استمرار وجود نتنياهو في قلب الساحة السياسية. إذا كان الأمر هكذا، فإن هزيمة نتنياهو السياسية ستعني على الأرجح انتصار نتنياهو الأيديولوجي، وعلى أنصار اليسار أن يعفوا ذلك ويستعدوا له.

عن “هآرتس”

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب