أقلام واراءزوايا

السودان يلفظ حكم العسكر بقلم :عبير بشير


تتكثف الجهود لدفع عملية انتقال السلطة من المجلس العسكري السوداني إلى سلطة مدنية، ومنع انزلاق السودان إلى مرحلة كارثية من العنف والفوضى، خصوصاً بعد مذبحة فض الاعتصام السلمي في رمضان أمام مقر قيادة القوات المسلحة السودانية، والتي قامت بها قوات الدعم السريع « الجنجاويد»، واستخدمت فيها العنف المفرط والمتعمد، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى.
ولسان حال الوسطاء يقول إنه لا بديل عن الحوار في السودان، فغياب الحوار بين “قوى التغيير” والمجلس العسكري الانتقالي يعني انفجار السودان وعسكرة الثورة، على غرار ما جرى في سورية واليمن.
وأثار إعلان الموفد الإثيوبي الخاص المكلف من رئيس الوزراء آبي أحمد، عن التوصل إلى اتفاق لاستئناف مفاوضات نقل السلطة، وموافقة قوى الحرية والتغيير على تعليق العصيان المدني، مقابل قيام المجلس العسكري بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، انقساماً في الشارع السوداني، ما بين مؤيد لهذا التوجه ومعارض، على اعتبار ذلك خيانة لدماء الشهداء التي سالت في ساحة الاعتصام، وأصروا على إخراج قوات الجنجويد من شوارع العاصمة الخرطوم.
وبعد أحداث 29 رمضان الدامية ارتفعت أصوات سودانية غاضبة تدعو إلى استخدام السلاح واستدعاء الحركات المسلحة التي انضوى بعضها سياسيا في «قوى الحرية والتغيير» للدفاع عن الثورة، أمام آلة بطش السلطات السودانية. لكن تلك الأصوات بقيت محدودة ومعزولة، بل بدا أن بعضها كان من منتج الدولة العميقة وأجهزة الاستخبارات، التي لم تتوقف عن محاولة تشويه الثورة وجرها إلى مستنقع العنف. غير أن التيار الأوسع في الانتفاضة السودانية، سارع على التشديد على أهمية المقاومة المدنية السلمية، وعدم الوقوع في الفخ والانجرار إلى العنف المسلح، كما حدث في سورية.
وبدا المجلس العسكري، عشية المذبحة مرتبكاً في تصريحاته ومواقفه أمام تصاعد الضغوط الغربية، وتوقع عقوبات أفريقية، ووسط معلومات عن تململ في أوساط الجيش سواء في العاصمة أو في حاميات الأقاليم. فبعدما أعلن رئيسه عبد الفتاح البرهان عن وقف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير وإلغاء الاتفاقات السابقة معها، والتوجه لتشكيل حكومة تسيير أعمال منفردا، والدعوة لانتخابات في غضون تسعة أشهر، عاد ليعرض بعد أربع وعشرين ساعة استئناف الحوار بلا قيود، ويتأسف على سقوط ضحايا.
وبينما ظهر الرئيس السوداني المعزول عمر البشير للمرة الأولى منذ سقوط حكمه، وهو في طريقه إلى النيابة العامة للتحقيق، وصف نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد دقلو، المشهور بـحميدتي، أحداث الاعتصام الدامية، بأنها «فخ» نصب للإيقاع بقواته «الجنجويد»، وأبدى استعداده لمحاكمة من ارتكبوا هذه الجريمة، وإيصالهم إلى حبل المشنقة!.
وتكمن مشكلة السودان في أن القيادات السياسية التاريخية لم تستطع في أي محطة مفصلية تحمل مسؤولياتها، فقد سهلت بعدم خبرتها صلابة عودها، عودة العسكر إلى السلطة في ثلاث مناسبات: في العام 1958، عن طريق إبراهيم عبود، وفي 1969 عن طريق جعفر النميري، وفي 1989 عن طريق عمر البشير.
ويبدو أن السودانيين الذين لدغوا من الإخوان المسلمين، في انقلاب عام 1989 الذي راوغ البشير بمكر لإخفاء حقيقته الإخوانية، وخدع الناس بلعبة «اذهب إلى القصر رئيساً… وأذهب أنا إلى السجن حبيساً» التي بمقتضاها ذهب الدكتور حسن الترابي إلى السجن مع بقية القيادات السياسية التي اعتقلها عمر البشير بعد الإطاحة بالنظام الديمقراطي، بينما ذهب البشير إلى سدة الحكم رئيساً حليقاً قبل أن يكشف عن هويته الإخوانية بعد أن تمكن النظام من مقاليد السلطة في السودان. يبدو هؤلاء ليسوا بوارد الوقوع في فخ ثنائية العسكر والإخوان مرة أخرى.
وهناك تشابه مذهل بين الحالتين السودانية والجزائرية: المدنيون في الشارع، والعسكريون في مكاتب السلطة والحكم، وكل ما حققته المعارضة حتى الآن أنها عزلت رئيساً مزمناً بعد ثلاثين عاماً، وآخر مُقعداً بعد عشرين عاماً.
وإذا كان التخلص من عمر البشير بمثابة الجهاد الأصغر، فإن الجهاد الأكبر في تفكيك الدولة العميقة لنظام البشير، والتي كانت رافعتها «الإخوان المسلمين»، الذين تسللوا إلى كل المواقع الحساسة في مؤسسات الدولة السودانية. لأن من مصلحة السودان، بل المنطقة كلها، أن يتمكن السودانيون من تفكيك دولة الإخوان العميقة ويكشفوا عن كل مفاصلها، وأذرعها بميليشيات الظل التي شكلتها، والشركات الواجهة التي أقامتها.
فعلى مدى سنواتهم في الحكم استكمل مسؤولو الحركة الإسلاموية خططهم التي بدؤوها منذ أيام العمل السري لبناء دولتهم الخفية، فاخترقوا المؤسسة العسكرية والشرطة، وفرضوا سيطرتهم على جهاز الأمن وحولوه إلى جهاز للبطش، وأنشؤوا ميليشياتهم وكتائب الظل من الدفاع الشعبي إلى الأمن الشعبي والطلابي، لتكون قوات عقائدية موازية للقوات النظامية.
وسياسة التمكين لم تقتصر على ذلك، بل امتدت للقبض على كل مفاصل الاقتصاد وعالم المال والأعمال، فقد باعوا لعناصرهم مؤسسات ومشاريع الدولة السودانية. والمؤكد أن تفكيك الدولة العميقة سيحتاج وقتاً طويلا وجهوداً مكثفة وهائلة، وصبرا استراتيجيا.
وإذا كان هناك ما يقلق السودانيين في هذه اللحظة فهو البطء الحاصل في عملية انتقال السلطة إلى حكومة كفاءات مدنية، واستكمال هياكل سلطات الفترة الانتقالية ومعالمها.
التأخير عدا عن أنه يعزز سلطات المجلس العسكري الذي تطالب هذه القوى بأن يقلص ويُضم إليه مدنيون بحيث يكون مجلس سيادة انتقالياً، فإنه يتيح الفرصة للدولة العميقة لكي تكثف نشاطها الهادف لتقويض الثورة أملاً في إعادة إنتاج نظامها.
ومعظم الشكاوى منذ عزل البشير كانت تتركز حول الدولة العميقة التي كانت تتحرك لضرب الثورة، ودمرت الكثير من الوثائق والمستندات الرسمية، وحاولت إعاقة خدمات المياه والكهرباء. الأخطر من ذلك أن هذه الدولة العميقة تملك ميليشيات مسلحة مثل كتائب الظل والدفاع الشعبي والأمن الطلابي وغيرها من التشكيلات، وعناصرها ما زالت طليقة تتحرك وسط الناس. وأثار عدم تحرك المجلس العسكري بجدية ضد الدولة العميقة شكوكاً حقيقية بوجود تواطؤ معها.
وقد لا تكون الحكومة المؤقتة التي تطالب بها قوى الحرية والتغيير في السودان، هي الحل الناجع، لأنها ستعني قيادة جماعية، وهو أمر نادرا ما ينجح في المراحل الانتقالية، خصوصاً مع تعدد الشركاء. ولا شك في أن عند الطرفين، العسكري والمدني، هواجسهما. فالتجارب السودانية والإقليمية ليست مشجعة. «الحرية والتغيير» يخشى أن ينفرد المجلس العسكري الانتقالي بالحكم ويكرر تجربة البشير، والمجلس العسكري يخشى السير وراء «الحرية والتغيير» فيقوده إلى فوضى تهدد استقرار البلاد.
ويبدو أن أمام دول الربيع العربي خيارين أحلاهما مر، إما حكم عسكري قوي يمنح استقراراً وربما اقتصاداً نشطاً، لكنه على حساب الحريات، وإما حكم مدني ضعيف متهالك يمنح حريات وديمقراطية ومشاركة في القرار، لكنه يفشل في فرض حكم قوي يمنح أمناً واستقراراً واقتصاداً وتنمية.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى