أقلام واراءزوايا

خلفيات إخفاء الوثائق ..بقلم : عمر حلمي الغول

دولة إسرائيل الاستعمارية تخشى التاريخ والوثائق والحقائق، وتعمل على المستويات كافة السياسية والأمنية والعسكرية على طمس وإخفاء أي وثيقة ذات صلة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي قبل وبعد النكبة، مع أن الدول الطبيعية المختلفة تقوم عادة بنشر وثائقها بحد أقصى بعد ثلاثين عاما، لأن نشرها لا يشكل أي تهديد لقياداتها، ولا لأمنها ومستقبلها، وتنشرها بهدف الاستفادة الداخلية والخارجية منها في قراءة التطورات، والكيفية، التي عالجت فيها القيادات السابقة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبيئية والثقافية.

لكن دولة قائمة على التزوير والكذب والافتراء على حقائق التاريخ والجغرافيا كإسرائيل تخشى نشر تلك الوثائق، لأنها ارتكبت أبشع مجازر العصر الموازية والشبيهة بمحارق هتلر النازية ضد أتباع الديانة اليهودية زمن الحرب العالمية الثانية 1939/ 1945، التي نفذتها عصابات الحركة الصهيونية وجيش الموت الإسرائيلي وقطعان المستعمرين ضد أبناء شعبنا الفلسطيني وإن بأساليب أخرى، لكنها لا تقل بشاعة ووحشية عن محرقة الهولوكوست في دول أوروبا. وما زالت جرائم الحرب تتوالى حتى يوم الدنيا هذا.

ولخشية دولة المشروع الصهيوني الاستعمارية من افتضاح حقيقتها الوحشية، وكشف زيف “ديمقراطيتها” التي تتغنى بها مع أميركا ودول أوروبا المختلفة، لذا قامت بمنع نشر الوثائق ذات الصلة بمجازر ومذابح عصابات الهاغاناة وإتسل وليحي والإرغون .. وغيرها، فضلا عن مجازر جيش العصابات الصهيونية في الحروب التي شنها على الشعب الفلسطيني والدول والشعوب العربية. ووضعت اللجنة الوزارية ذات الصلة بتعليمات من ديفيد بن غوريون ومناحيم بيغن وغيرهم من رؤساء الحكومات المتعاقبة زمنا ما بين 15 و90 عاما لنشر الوثائق. ولكن هذا الزمن ليس مقدسا، إذا قدر لدولة الاستعمار الإسرائيلية البقاء على قيد الحياة، فلن تنشر أية وثيقة. لا سيما وأنها ومشروعها الاستعماري يعانون من أزمات حادة وعميقة تهدد مستقبل كل المنظومة الصهيونية ومن وقف خلفها.

وكان معهد “عكافوت” للدراسات نشر تقريرا في العاشر من أكتوبر الحالي (2021) تحت عنوان “إسرائيل ما زالت تمنع نشر مستندات تاريخية خاصة بجرائم حرب عام 1948″، استهدف منه خلق رأي عام داخل المجتمع الإسرائيلي للمطالبة بنشر الوثائق ذات الصلة بكل مجازر ومذابح إسرائيل، وليس مذبحة دير ياسين، مع أنها احتلت حيزا مهما في التقرير لجهة سبر أغوارها، والكيفية التي تم فيها قتل 110 شهداء من الأطفال والنساء والشيوخ من قبل العصابات الصهيونية.

وتطابق التقرير مع كتاب صدر حديثا للجنرال في الاحتياط، شاؤول أرئيلي حول الأساطير الإسرائيلية، التي تحتوي على بذرة من الحقيقة، وطبقات سميكة من الكذب والافتراء على الوقائع والحقائق، والتي تجعل من مهمة تسوية الصراع مستحيلة، لأن الأجيال الإسرائيلية الصاعدة تعتقد أنها ضحية، وأن الفلسطينيين مذنبون.

وهو ما يكشف الرغبة العميقة المتنامية في أوساط اليهود الصهاينة المضللين، والذين استيقظوا على حلمهم البشع، واللاأخلاقي، والقائم على الجريمة والإرهاب الدولاني المنظم لدولة “المن والسلوى”، والخروج من دوامة البحث والسؤال عن أسباب ودوافع الصراع الممتد على ما يزيد عن القرن حتى الآن، والوقوف على حقائق التاريخ، لأن قطاعا لا بأس به وخاصة في أوساط العسكريين والأمنيين، فضلا عن الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين اكتشف بالتدريج عار الدولة الصهيونية اللاديمقراطية، لا بل دولة التطهير العرقي الفاشية، والمعادية للسلام والتعايش والتنمية، لأنها تخشى المستقبل.

دولة الأبرتهايد الإسرائيلية هدفت من منع نشر الوثائق تحقيق أكثر من غاية وهدف، منها: أولا مواصلة حملات التضليل والتزوير، وتعويم روايتها المارقة والتي تتنافى مع أبسط حقائق التاريخ؛ ثانيا التغطية على جرائم حربها ضد الشعب العربي الفلسطيني؛ ثالثا الخشية من ردات الفعل في أوساط الصهاينة المضللين؛ رابعا الخوف من الهجرة المضادة، وانكشاف ظهرها أمام أتباع الديانة اليهودية في العالم؛ خامسا خشية الرأي العام العالمي، الذي ما زال جزء منه للأسف يتساوق مع الرواية الصهيونية؛ سادسا الخشية من تقديم الوثائق للمحاكم الدولية مثل الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية والمنظمات الأممية لملاحقتها على جرائم حربها … إلخ

هذه هي الخلفيات من عدم كشف الحقائق والوثائق، لأنها نقيض ما تقوم دولة إسرائيل بتعميمه وتسويقه أمام الرأي العام الداخلي والعالمي. ولهذا يفترض العمل على تشكيل مجموعات ضغط إسرائيلية وعالمية لإلزام إسرائيل بفتح الصناديق السوداء المغلقة، والتي ما زالت غائرة تحت الأرض أو تقبع خلف الأقفال والقيود المشددة.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى