السبت, مارس 7, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءلبنان: دكتاتورية طوائف على حساب المشروع الوطني .. بقلم : د.فريد اسماعيل

لبنان: دكتاتورية طوائف على حساب المشروع الوطني .. بقلم : د.فريد اسماعيل

مع حرب المفاوضات الأمريكية الإيرانية الجارية على وقع قرع طبول الحرب العسكرية، تخشى المنطقة من أن تجد نفسها في قلب العاصفة إذا ما اتسعت دائرة الصراع وتدحرجت الامور نحو الأسوأ. لذلك تحاول دول المنطقة تحييد نفسها من خلال الإعلان عن أنها لن تسمح بإستخدام اراضيها في هذه الحرب ان نشبت، لما لذلك من تداعيات أمنية واقتصادية وسياسية على المنطقة والعالم.لكن ما يرفع من منسوب هذه المخاوف الموقف الإسرائيلية العاملة على إشعال المنطقة ، إذ تجد فيها فرصة لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى رغم ما يمكن أن تتعرض له من مخاطر وخسائر .

أما في لبنان فالوضع مختلف في الكثير من الجوانب عما هو عليه في دول أخرى. فالكباش الامريكي الايراني يفرض نفسه بشكل مباشر وبقوة على الساحة اللبنانية، إذ يتداخل في لبنان الاقليمي مع المحلي إلى حد الانصهار ولاسباب عديدة أبرزها ارتباط بعض القوى النافذة بالخارج، وهو ارتباط قائم في غالبه على ركيزة الدين والطائفة والمذهب.

 

فديكتاتورية الطوائف كانت قد شقت طريقها في التكوين اللبناني منذ أن نسج خيوطها الانتداب الفرنسي وتم ترسيخها في النظام قانونا وعرفا منذ الاستقلال. ورغم ان اتفاق الطائف (وثيقة الوفاق الوطني اللبناني ) الذي تم إنجازه عام ١٩٨٩ استطاع أن يضع حدا للحرب الأهلية في لبنان، إلا أنه لم يتمكن من تجاوز الحالة الطائفية المتجذرة، بل عمل على إعادة هندستها بما يضمن الامن والاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. صحيح أن اتفاق الطائف تضمن مشروعا لنقل لبنان من دولة الطوائف إلى دولة المواطنة من خلال البند المتعلق بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، والتي كان من شأنها أن تحرر المجلس النيابي من القيد الطائفي مع الحفاظ على حقوق الطوائف من خلال استحداث مجلس للشيوخ والذي بقي حبرا على ورق بسبب هيمنة النظام السوري السابق على القرار في لبنان وعرقلته لأي خطوة في هذا الاتجاه، إذ ان هكذا إعادة هيكلة للنظام تفقده القدرة على اللعب على تناقضات الطوائف وصراعاتها. كذلك فإن قيام دولة المواطنة تفقده مبرر وجوده في الجغرافيا اللبنانية. وقد شهد لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان، تصاعدا غير مسبوق في التخندق الطائفي بعد الاتهامات التي وجهت لحزب الله بالانخراط في اغتياله، ما اعتبرته الطائفة اتهاما لها. فقد كانت القوى السياسية الطائفية في لبنان تعي ان أحد اهم أساسات الهندسة الاجتماعية هو تحريك العواطف وتهميش التفكير النقدي، ولذلك عملت على مدى عقود على استهداف المشاعر لا سيما الطائفية والمذهبية لتفعيل انحيازات وانفعالات عاطفية تطغى على الفكر الجمعي وتبعده عن أي تفكير نقدي أو عقلاني، وبذلك يتم ضمان الولاء السياسي من خلال الولاء الديني والطائفي، ويصبح الولاء للقائد فوق أي اعتبار ولو تناقض ذلك مع المصالح العليا للوطن. ومن هنا يمكن تفسير التداخل في لبنان بين المحلي والاقليمي إلى حد الانصهار من خلال تشريح واقعه الطائفي والمذهبي.

ولذلك أيضا يتصاعد منسوب القلق لدى اللبنانيين من الكباش الامريكي الايراني نتيجة الترابط العضوي بين إيران وحزب الله الذي اعلن أمينه العام أنهم ليسوا على الحياد في هذا الصراع إذا ما نشب، متكئا على خطاب التعبئة والتغييب العقائدي الذي يمثل الرابط الدائم الذي من خلاله يستمر الاستحواذ على الجمهور الذي يخشى الخروج من هذه الدائرة التي تم ترسيمها على مدى عقود بوصفها حامية هويته الطائفية وبالتالي ضامنة وجوده ودوره.

أما إسرائيل المستمرة في ضرباتها الشبه يومية على لبنان، فقد أشار وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي من جنيف على هامش مشاركته في جلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أن هناك مؤشرات بأن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية مدنية استراتيجية مثل المطار. وفي السياق نفسه كانت وكالة رويترز قد نقلت عن مسؤولين لبنانيين كبيرين أن إسرائيل أرسلت رسالة غير مباشرة إلى لبنان بهذا المعنى أيضا إذا شارك حزب الله في أي حرب امريكية إيرانية. إلا أن تطمينات من مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية ذكرت انه لم يصل للرئاسة أي تحذيرات في هذا الإطار.  ترافق ذلك مع اجلاء الولايات المتحدة الأمريكية لعدد من موظفي سفارتها لدى لبنان واقفالها للقسم القنصلي مع إلغاء كل المواعيد للحصول على تأشيرات، ما وضعه البعض في خانة التدابير الاحترازية.

 

لكن الغارات الإسرائيلية العنيفة قبل أيام على البقاع والتي طالت أيضا مخيم عين الحلوة قرب صيدا في الجنوب اللبناني، حملت عنوانا امنيا للأحداث ورسالة تحذيرية للحزب وللبنان ، وكالعادة بالنار، بأن تلك الغارات من حيث الحجم والنوعية ما هي الا عينة لما سيكون عليه الرد الإسرائيلي في حال قرر الحزب الانخراط في المواجهة المحتملة إلى جانب إيران. كذلك ارادت إسرائيل من خلالها استهدافها مركزا في مخيم عين الحلوة توجيه رسالة ردع للقوى الفلسطينية المتحالفة مع الحزب وايران، والإشارة إلى أن إسرائيل تعتبر المخيمات الفلسطينية في لبنان جزءًا من بنك أهدافها. وهي بذلك توجه تحذيرا مزدوجا للبنان والفصائل مع رسالة اقليمية أوسع مرتبطة بالصراع مع إيران.

من جانب آخر، فإن موقف حزب الله المتكىء على بيئة قلقة، ورفضه للمرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني باحتواء السلاح بيد الدولة ما بين نهري الليطاني جنوبا والاولي شمالي مدينة صيدا ، يرخي بظلاله على الواقع اللبناني برمته، ويثير تساؤلات حول امكانية التنفيذ بشكل مرن دون صدام. ولذلك لم يستطع قائد الجيش اللبناني خلال زيارته قبل فترة قصيرة للولايات المتحدة الاميركية أن يسمع الامريكيين ما أرادوا سماعه، مع العلم ان الولايات المتحدة تمثل الداعم الأكبر والاساسي للجيش اللبناني.

 

وعلى الصعيد الداخلي، فالهيمنة على القرار المذهبي والطائفي اليوم في لبنان يمثل العامل الأساسي في مواقف القوى من الاستحقاق النيابي القادم. فقوى الممانعة المتمثلة بالثنائي الشيعي تفضل انجاز الاستحقاق في موعده في شهر ايار من هذا العام دون تأجيل خشية حصول متغيرات محتملة تؤثر على بيئته، ويصر على عدم إحداث اي تعديل بالقانون يتيح للاغتراب بالانتخاب خارج لبنان لصالح ال ١٢٨ نائبا خشية فقدانهم للاحتكار التمثيلي للطائفة، بينما تجنح قوى أخرى نحو تأجيل تقني يتم خلالها حل الاشكاليات في القانون ذاته.

دكتاتورية طوائف على حساب مشروع وطني لبناني يحقق المساواة ويحافظ على حقوق الطوائف، والنتيجة تكريس هويات مذهبية وطائفية موالية للخارج على حساب الهوية الوطنية الجامعة، ما يجعل لبنان ورقة في مهب العواصف الدخيلة.

 

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب