يبدو أن الامعان والبحث في قضية الحركة الإنجيلية الصهيونية، أو المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية ليس جديدا فهذه الحركة موجودة وفاعلة منذ عقود خلت لاسيما في الترويج لـ”إسرائيل” ودعمها في كل المجالات والمحافل، وهذا يندرج من منطلقات دينية زائفة أو محرّفة، لا تزال مؤثّرة بقوّة حتى اليوم في الساحتين الدولية والإقليمية.
لكن في مسارات العلاقة المعقّدة أو الملتبسة، التي تربط هذه الحركة الهجينة والمتطرفة بالكيان الإسرائيلي، يبقى لزاما وضروريا في ظل الحكومات اليمينية المتطرفة التي تحكمه منذ عقود، والتي تستفيد من أشكال الدعم السياسي والمادي والمعنوي من قِبل تلك الحركة الآخذة في التوسع والنمو.
فالكنيسة الإنجيلية الأميركية منذ عقود لم تعد محصورة في دورها الوعظي والتبشيري، بل تحوّلت تدريجياً إلى لاعب مؤثّر في الحياة السياسية الأميركية، وتمتلك قدرة فعلية على التأثير في القرار الداخلي والخارجي للولايات المتحدة. هذا التحوّل جعلها حاضرة بقوة في ملفات كبرى، في مقدّمها العلاقة الأميركية مع “إسرائيل”، وما يترتّب عليها من انعكاسات مباشرة على الشرق الأوسط وشعوبه.
الحركة الإنجيلية في الولايات المتحدة ليست تجمّعاً دينياً عابراً، بل ظاهرة واسعة التنظيم، تمتلك قاعدة جماهيرية ممتدة من المدن الكبرى إلى الأرياف، وتشارك بفاعلية في الانتخابات وصناعة الرأي العام. حيث طغى المجتمع المسيحي الإنجيلي على الجالية اليهودية الأميركية كأهم الحلفاء السياسيين لـ”إسرائيل” في الولايات المتحدة.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت هذه الحركة بلورة حضورها السياسي عبر أطر منظمة مثل “الأغلبية الأخلاقية” و”التحالف الإنجيلي”، فانتقلت من التأثير الأخلاقي إلى التأثير السياسي المباشر، وسعت إلى مواءمة السياسات العامة مع رؤيتها الفكرية والدينية.
هذا النفوذ لم يقتصر على الشأن الداخلي الأميركي، بل امتدّ إلى السياسة الخارجية، حيث بات للكنيسة الإنجيلية دور واضح في مقاربة واشنطن لقضية “إسرائيل”. فالكثير من الإنجيليين ينظرون إلى “إسرائيل” من زاوية دينية مرتبطة بتفسيرات كتابية ونبوءات خاصة، ويرون في دعمها التزاماً عقائدياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً. هذا المزج بين الإيمان والسياسة منح الحركة الإنجيلية قدرة كبيرة على تحويل القناعات الدينية إلى مواقف رسمية داخل مؤسسات القرار الأميركي.
كما لعب الإعلام التابع للكنائس الإنجيلية دوراً محورياً في ترسيخ هذا التوجّه، عبر منصات وقنوات ومراكز أبحاث تقدّم سرديات سياسية ملبوسة بلغة دينية وأخلاقية، تُظهر “إسرائيل” كحليف دائم يحتاج إلى حماية مستمرة. وهكذا لا يقتصر الخطاب على الوعظ، بل يتحوّل إلى صناعة رأي عام يؤثر في الناخب الأميركي وفي خيارات السياسيين.
وفي المشهد السياسي، يدرك المرشحون وأعضاء الكونغرس ثقل الصوت الإنجيلي، فيحسبون له حساباً قبل تبنّي أيّ موقف قد يُفسَّر على أنه تراجع عن دعم “إسرائيل”. وقد انعكس ذلك في ملفات حساسة مثل الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، دعم الاستيطان، والتمويل العسكري المفتوح. وهنا يظهر أنّ جزءاً أساسياً من السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط لا يُبنى فقط على المصالح الاستراتيجية، بل يتأثر أيضاً بثقل ديني ـ شعبي منظّم داخل المجتمع الأميركي.
ومع الإشارة إلى عدم تبنّيه فكر وتوجهات الحركة الإنجيلية الصهيونية علناً، لكن مواقف دونالد ترامب (وفريقه) السياسي المتطرف وغير المسبوق وتأييده المطلق للكيان الإسرائيلي، قبل وبعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة، أظهر توافقه السياسي و”الذهني والعاطفي” مع الكيان، كما تبيّن بخصوص اعترافه بالقدس كعاصمة دينية (روحية) لما يسمّى الدولة اليهودية، ونقل سفارة بلاده إليها، وضم الجولان السوري المحتل، وبهذا حصد ترامب مرشّح الحزب الجمهوري، المعروف بتأييده المطلق للكيان الإسرائيلي، في انتخابات 2016، أصوات 81 بالمائة من الناخبين الإنجيليين، طبقاً لاستطلاعات مركز “بيو” الأميركي للأبحاث. ومن هنا يعود انتصار ترامب الانتخابي وفوزه بالبيت الأبيض إلى أصوات الإنجيليين أساساً.
وبالتالي اختار ترامب نائبه مايك بنس ليفتح الباب واسعاً أمام إقبال شديد من الطائفة الإنجيلية للتصويت له. حيت يتبنى بنس خطاباً إنجيلياً متشدداً، لكونه من أقصى اليمين المسيحي المؤيّد لـ”إسرائيل”
والذي قال في مؤتمر “نحن ندعم إسرائيل بسبب الوعد التاريخي المقدّس أن من يدعمهم الآن سينال بركة الرب”.
كما أن فريق ترامب للتسوية السلمية في الشرق الأوسط ضمّ يهوداً متشدّدين دينياً، مثل صهره جاريد كوشنر، وديفيد فريدمان السفير الأميركي لدى “إسرائيل”، وجيسون غرينبلات مبعوث عملية “السلام”. إضافة الى وزير الخارجية مايك بومبيو من الإنجيليين المتشددين داخل إدارة ترامب.
أما في مشهد العلاقة بين التيارات اليهودية والكنيسة الإنجيلية الأميركية، فهي من أكثر التحالفات السياسية المعاصرة تعقيداً. فعلى الرغم من التباينات العقائدية الواضحة، نشأت شراكة قائمة على المصالح المتبادلة. ترى الإنجيلية في “إسرائيل” عنصراً محورياً في تصورها الديني للتاريخ، بينما تسعى النخب اليهودية إلى ضمان استمرار الدعم الأميركي للكيان العبري. هذا التلاقي أنتج تحالفاً عملياً يجمع بين القوة الجماهيرية الإنجيلية والخبرة السياسية والاقتصادية اليهودية، بما يؤثر في توجهات واشنطن الإقليمية. وهذا التداخل يهدف إلى تحويل الإيمان إلى فعل سياسي، والموعظة إلى قرار رسمي يمس مصير شعوب الشرق الأوسط.
الكنيسة الإنجيلية تعتمد كذلك على أدوات تعليمية وثقافية لترسيخ هذا التصوّر في أذهان الأجيال الجديدة، عبر المدارس والجامعات والبرامج الشبابية، بما يضمن استمرارية التأثير لعقود مقبلة. كما تشارك في الحملات الانتخابية بتعبئة الناخبين وتوجيههم نحو مرشحين يلتزمون بتحويل المعتقدات إلى سياسات عملية.
وفي المقابل، يترك هذا التداخل بين الدين والسياسة أثره على المجتمع الأميركي نفسه، حيث يتعمّق الجدل بين من يدعو إلى الفصل بين الإيمان والقرار السياسي، ومن يرى في التيار الإنجيلي قوة ضغط مشروعة تعبّر عن قناعات شريحة واسعة من المجتمع. هذا الجدل يجعل أيّ محاولة لإعادة النظر في الدعم الأميركي لـ “إسرائيل” مسألة معقّدة داخلياً، لأنها تمسّ شبكة نفوذ شعبية ومؤسساتية مترسخة.
وفي النتيجة لم تعد الكنيسة الإنجيلية الأميركية مجرد مؤسسة روحية، بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في صياغة السياسة الأميركية تجاه “إسرائيل” والمنطقة. إنها نموذج لتحويل الإيمان إلى فعل سياسي، والموعظة إلى قرار رسمي، حيث تتداخل القناعات الدينية مع المصالح الاستراتيجية، فتُصاغ سياسات تمسّ مصير شعوب الشرق الأوسط من داخل مؤسسات واشنطن، لا من داخل واقع المنطقة واحتياجات أهلها.





