
بعد أسبوع مليء بالأحداث الدموية بين الجنود والفلسطينيين في الضفة الغربية، من يتذكر الحادثة التي حدثت في 4 آذار، التي فيها قتل الجنود فلسطينيين اثنين، أصابا بسيارتهما جنديا إصابة خطيرة وشرطياً من حرس الحدود؟ سكان كفر نعمة وقرى صفا وخربثا المصباح وبيت سيرا، التي فيها ولد وتربى المسافرون الثلاثة الذين كانوا في السيارة التي قامت بالدهس، يذكرون الحادثة تماما.
جميع وسائل الإعلام الإسرائيلية أبلغت في أعقاب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي أن هذه كانت حادثة دهس على مدخل كفر نعمة غرب رام الله. هم أيضا تحدثوا عن أن اثنين من المنفذين الثلاثة للعملية، الذين كانوا في السيارة، قتلا بنار الجيش، وأُصيب الثالث واعتقل.
الانطباع الذي ساد هو أن الجنود، دفاعا عن انفسهم، أطلقوا النار على السيارة والمسافرين فيها، التي قامت بعملية الدهس. ولكن حسب توثيق سماعي من الحادثة ووفقا لشهادات فان الجنود أطلقوا رصاصة واحدة بعد التصادم بين السيارة والسيارة العسكرية المصفحة، وبمرور 4.5 دقيقة أطلقوا أيضا 9 رصاصات. المسافر الثالث لم يصب بالنار، بل أُصيب نتيجة التصادم. المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي و”الشاباك” سارعوا إلى إبلاغ المراسلين خلال بضع ساعات بأن الشاب المصاب اعترف في التحقيق معه بأنه “هو وأصدقاؤه كانوا في طريق العودة من تنفيذ عملية، حيث ألقوا خلالها زجاجات حارقة”.
وقد علمت “هآرتس” أنه قبل نقل الشاب للتحقيق الرسمي تم وضعه في غرفة اعتقال مع “العصافير”: فلسطينيين يتعاونون مع “الشاباك”، ويتظاهرون بأنهم معتقلون سجنوا بسبب نشاطات ضد الاحتلال. في التحقيق ذاته لم تستخدم القوة ضد المعتقل.
كان التحقيق مع المعتقل المصاب سريعا جدا، فالتسريب للمراسلين العسكريين كان اكثر سرعة. ولكن التفاصيل الدقيقة بشأن زمن إطلاق النار وحقيقة أنه مرت دقائق كثيرة بين عملية الدهس وقتل الداهسين لم تُذكر في التقارير الإسرائيلية. والآن يتم نشرها للمرة الأولى في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
عملية الدهس والاصطدام مع السيارة العسكرية حدث في الساعة الثالثة والنصف فجرا. بعد عشر ثوان أُطلقت رصاصة واحدة، وبعد 4.5 دقيقة أُطلقت 6 رصاصات أخرى. وبعد 20 ثانية أطلقت رصاصتان وبعد نصف دقيقة أطلقت الرصاصة الأخيرة.
في التقارير الفلسطينية أُشير من البداية إلى أن الأشخاص، الذين وجدوا في المنطقة في زمن الفجر وفي الظلام، لاحظوا أنه مر وقت طويل بين الاصطدام نفسه بالسيارة وبين إطلاق النار. لذلك، في وسائل الإعلام الفلسطينية تم عرض الحادثة كحادثة طرق وإعدام نفذه الجنود. تقارير الشهود الفلسطينيين أكدها فيلم فيديو قصير صوره شخص من بيته، وتم بثه ببث مباشر في الفيس بوك. الفيلم هو فعليا تسجيل صوتي: كان الوقت ظلاما، وأضيف إليه الضباب. فقط كشافات الجنود والسيارات المسافرة تظهر في الظلام، الأصوات في المقابل تسمع جيدا: التصادم، الرصاصة الأولى، أصوات عالية للجنود، وعندها بعد فترة إطلاق الرصاص الكثير.
باحث “بتسيلم”، اياد حداد، سارع وأخذ في الصباح شهادات مفصلة من ثلاثة شهود عيان، ونقل فيلم الفيديو والملابس الملطخة بالدماء للقتلى إلى مكاتب “بتسيلم”، التي قامت بإرسال الملابس للفحص. في ثلاث قطع من الأربع قطع من الملابس وجدت آثار لإطلاق النار. في أحد القمصان كانت ثلاثة ثقوب قرب الظهر الأيسر.
بقع دماء في المنجرة
هكذا سارت الأمور حسب أقوال الشهود الفلسطينيين. في الثانية والنصف فجرا يوم الاثنين 4 آذار دخلت قوة إسرائيلية إلى مداخل كفر نعمة عبر الشارع الضيق والمتعرج الذي يصل بين رام الله وعين عريك ودير بزيع، وخلافا لتقارير الصحف الإسرائيلية فإن مكان الحادثة بعيد عن مستوطنة دولب. المستوطنون لا يسافرون في هذا الشارع. الجنود وصلوا كما يبدو من الشمال الشرقي، من شارع في منطقة ج تفرع آخر فيه يصل الى دولب. سيارة عسكرية من القوة تعطلت في منتصف الشارع الضيق، قرب مخازن منجرة الهباش. جيب آخر واصل الصعود في الشارع باتجاه البيوت الأولى في القرية.
عدد من الجنود، 10 تقريبا، ساروا في الشارع مشيا على الأقدام. شهود عيان استنتجوا أنهم خرجوا من السيارة المعطلة. توقفت القوة عند بيت شخص (42 سنة) أدخل إلى الجيب العسكري. اعتقاله لم يرافقه مواجهات. عاد الجيب باتجاه السيارة المعطلة وعاد الجنود مشيا على الأقدام. الشاب، بالمناسبة، أطلق سراحه بعد بضعة أيام.
حوالى الساعة الثالثة إلا ربعاً جاء من الغرب ن. الذي يرتزق من بيع الخبز الطازج على الحاجز الذي يخرج منه العمال إلى إسرائيل. كان في طريقه إلى المخبز القريب. هذا الشخص لاحظ الجنود والجيب على مدخل القرية، وتوقف لأنه فضل عدم الاقتراب منهم. من التواء الشارع لاحظ أن الجيب الأول وقف قرب منجرة الهباش. لم يشاهد السيارة المتعطلة؛ لأنه أضواءها كانت مطفأة. لقد شاهد أشعة ضوء متراقصة: مصابيح الجنود. ولاحظ أن الجيب غادر. وبعد عشر دقائق ظهر هناك ثانية جيب. هل في الجيب الذي غادر كان الشاب، هل ذهب من أجل نقل المعتقل إلى موقع عسكري أو إلى سيارة أخرى، أو هل هو الجيب ذاته الذي غادر، نحن لا نعلم. ولكن كل ذلك يظهر سهولة معينة وعدم يقظة لدى الجنود.
في الساعة الثالثة والربع فجراً جاء م. بسيارته، وهو مسؤول مخزن في مصنع قريب. م. قال للصحيفة إن شوارع كفر نعمة كانت هادئة. وهو لم يعرف أن هناك جنودا في المنطقة، كان الطقس باردا وضبابيا، وكانت قطرات من المطر تنزل. الخروج من القرية، حيث تتبدل الشوارع المضاءة عبر شارع مظلم، يتعرج وينزل نحو الشرق. في الظلام ظهر الجنود، أحدهم أضاء مصباحا قويا وسارع للتوقف. م. قال لحداد من “بتسيلم” إنه توجه نحو جنديين احدهما تحدث العربية. “فتحت النافذة وقلت لهم صباح الخير”. المتحدث بالعربية قال لي أهلا، عد إلى البيت”. م. قال إنه في طريقه للعمل، لكن الجندي قال له حسب أقواله: “ابحث عن طريق أخرى”. قلت له لا يوجد. بعد ذلك سألته كم سيستغرقكم الوقت. قال لا أعرف لدينا مشكلة. وأشار إلى السيارة العسكرية المتعطلة التي تشبه جيب الهامر الذي توقف وسط الشارع بشكل عرضي. كان يمكن رؤية السيارة من خلال أضواء المصابيح التي كانت لدى الجنود.
بعد بضعة أيام كشف م. للصحيفة مكان الحادثة، وأكد أن السيارة المتعطلة كانت في وسط الشارع، وهكذا لا يمكن لأي سيارة تجاوزها. حسب أقواله أيضا لم يوضع مثلث تحذير على البعد المطلوب من مكان السيارة.
م. تجول ووجد نفسه قرب ن. في الساحة التي توجد في منعطف الشارع قرب محلات أبو العرايس.
انتظرا هناك إلى حين اصلاح العطب في السيارة العسكرية. ودخن م. سيجارة. قبل وقت قصير من الساعة الثالثة والنصف ظهرت سيارة اخرى، السائق كان مسرعا، في نزول الشارع. م. حاول عبثا الاشارة اليه ليتوقف. عندها هو والشاهد الآخر لاحظا أضواء مصابيح الجنود. السائق لم يتوقف، عندها سمعا صوت تصادم السيارة بالسيارة العسكرية وبعد ذلك إطلاق رصاصة واحدة.
من خلال الظلام ظهرت أضواء المصابيح التي تتحرك وصراخ الجنود. عندها بعد مرور خمس دقائق سمعا بدهشة عدة رصاصات متواصلة، بعد ذلك عدة رصاصات أخرى. الفيلم يمكن من إحصاء عدد الرصاصات بالضبط والمدة الزمنية بينها. السيارة التي صدمت كان لها بابان أماميان فقط. في المقعد الخلفي كان يجلس هـ. وبسبب التصادم أصيب برأسه وفقد وعيه، وكما يبدو تدحرج على الأرض ولم يصب بالرصاص.
سكان القرية الذين شاهدوا ما يحدث أيضا رأوا طائرة مروحية وسيارة عسكرية أخرى تصل الى المكان.
طائرة بدون طيار، وسيارة اسعاف للصليب الاحمر منعها الجنود من الاقتراب. حتى الساعة السابعة اخليت السيارة العسكرية الإسرائيلية من المكان والسيارة الفلسطينية، التي بقيت لدى الجيش. صادر الجيش أيضا الأفلام التي توجد في كاميرا المراقبة في المنجرة. لاحقا اكتشف سكان القرية أن التراب يغطي بقع الدماء الموجودة على الشارع. في الساحة التي توجد أمام المنجرة ومن داخل مبنى المنجرة، حسب التقارير، شاهدوا جنودا ينثرون التراب في موقع الحادثة بوساطة مجرفة.
سألت “هآرتس” المتحدث بلسان الجيش بشكل صريح حول الفجوة الزمنية بين التصادم وإطلاق النار. في رده في 7 آذار نفى المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي أن أساس الطلقات نفذ بعد دقائق من التصادم، ولم يفسر إذا كان هناك شيء يبرر إطلاق النار المتأخر.
هكذا، قيل “في أعقاب الشك بعملية دهس في كفر نعمة التي تقع في منطقة لواء افرايم اجري تحقيق أولي. من التحقيق ظهر أن ثلاثة مخربين دهسوا بسيارتهم ضابطا من الجيش الإسرائيلي وجنديا من حرس الحدود، توقفا في ذاك الوقت على جانب الشارع. ردا على ذلك أطلقت القوة في المكان النار وقتلت مخربين من الثلاثة. كما يتبين يظهر أن المخربين في وقت سابق من تلك الليلة ألقوا زجاجات حارقة على المعبر المحاذي لشارع 433. في السيارة التي نفذت بها العملية وجدت زجاجات حارقة أخرى. المخرب الثالث أصيب ونقل للتحقيق لدى قوات الامن. والحادثة ما زالت قيد التحقيق”.
في هذه الأثناء اقتحم الجنود منازل القتيلين، أمير دار دراج من خربثا ويوسف عنقاوي من بيت سيرا. وأجروا هناك تفتيشات واستجوابات مختلفة وغادروا. الآن تهتم العائلات ليس فقط بمسألة لماذا وكيف قتل الجنود أبناءهم بعد أربع دقائق ونصف، بل هل سيتم إعادة الجثامين ومتى من أجل دفنها.
بقلم: عميره هاس
عن “هآرتس”




