بقلم: عوديد عيلام /تصفية عز الدين الحداد ليست مجرد إنجاز تكتيكي، بل خطوة ذات وزن إستراتيجي عميق. كان الحداد من أكثر الأصوات تشدداً و»تطرّفاً» داخل «حماس»، وعارض بشدة أيّ تسوية تشمل نزع سلاح الحركة، أو إقامة بديل سلطوي لها، وإخراجه من المعادلة يُضعف المعسكر الرافض للتسوية داخل الحركة، وربما يخلق ظروفاً جديدة وأكثر ملاءمة للمفاوضات. الرسالة واضحة: مَن يرفض أيّ حلّ وسط ويقدّس حرب الاستنزاف الدائمة ليس محصّناً.
ثقافة الردع والقصاص في الشرق الأوسط
في الفضاء الشرق الأوسطي يحمل مفهوم المسؤولية الشخصية والمحاسبة معنى ثقافياً عميقاً، إذ ورَد في القرآن الكريم: «ولكم في القصاص حياة».
ويشير مبدأ القصاص إلى أن العقاب الدقيق والمناسب للجريمة هو الذي يحمي المجتمع، لأن الإدراك أن العقوبة ستأتي لا محالة يخلق الردع ويمنع سفك الدماء منذ البداية. ولا يتعلق الأمر بالتعطش للدماء، أو بالانتقام الأعمى، بل بمفهوم أنه يُنظر إلى الضعف في الشرق الأوسط كأنه دعوة إلى العدوان.
وعندما توضح إسرائيل أن كلّ مَن خطط للقتل والخطف و»الإرهاب» سيدفع ثمناً شخصياً، فإنها تعزّز قدرتها على البقاء في بيئة معادية محكومة بأنماط تفكير قديمة. ومع ذلك، يجب الحرص على بقاء الخطاب العام في إسرائيل خطاب عدالة وحماية للمدنيين، وليس احتفالاً بالعنف.
من الحسم العسكري إلى تغيير الواقع على الأرض
هل يمكن للاغتيالات وحدها حسم المعركة ضد «حماس»؟ الجواب هو لا، إلّا إذا اندمجت ضمن تحرّك إستراتيجي واسع. إن تصفية القيادة التقليدية للحركة تُجبرها على نقل القيادة إلى جيل أصغر سناً وأقلّ خبرةً وسلطةً، ما يؤدي إلى تآكل وظيفي داخل التنظيم، لكن الضغط العسكري والاغتيالات ليسا سوى نصف المعادلة. ولتحقيق انهيار «حماس» الكامل ومنع إعادة بنائها، يجب على إسرائيل تنفيذ خطة عمل عملياتية بشكل فوري.
خطة عمل إستراتيجية: نقاط للتنفيذ
من أجل ترجمة الإنجازات العسكرية إلى حسم دائم، يجب العمل وفق الخطة التالية:
1- الاحتفاظ بالأرض كورقة رهينة إستراتيجية: يجب على إسرائيل أن توضح أن كلّ يوم ترفض فيه «حماس» تفكيك سلاحها، ستخسر أراضي لفترة غير محددة. إن الاحتفاظ بمناطق واسعة داخل غزة سيُستخدم كورقة ضغط سياسية وإقليمية. فحركة «حماس»، التي ترى أن الأرض قيمة عليا، ستفهم أن الوقت يعمل ضدها، وأن استمرار الرفض سيكلفها فقدان الشرعية، حتى بين مؤيديها.
2- اتفاق إستراتيجي مع مصر بشأن معبر رفح: يجب التوصل إلى ترتيب سياسي – أمني جديد وصارم مع القاهرة بشأن إدارة معبر رفح، يشمل رقابة تكنولوجية وبشرية مشددة، بالتعاون مع جهات دولية متفق عليها، لمنع تهريب السلاح بشكل كامل وحرمان «حماس» من السيطرة على حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود الجنوبية.
3- إنشاء آلية مساعدات منفصلة عن «حماس» (كأداة ضغط مدنية): يجب إنشاء آلية خاصة ومستقلة تماماً عن «حماس» لإدارة وتوزيع المساعدات الإنسانية الداخلة إلى غزة. فسيطرة «حماس» على الغذاء والمعدات هي مصدر الأوكسجين لاستمرار حكمها، وسحب هذه الصلاحية منها ونقلها إلى جهات محلية، أو شركات دولية، أو حتى ميليشيات غير مرتبطة بالحركة، ربما يؤدي إلى انهيار سيطرتها المدنية وخلق ضغط هائل على قيادتها.
4- تفكيك كامل ومنع إعادة الاندماج مستقبلاً: يجب تحديد جدول زمني صارم حتى نهاية العام لنزع سلاح «حماس» بشكل كامل، وليس بشكل رمزي؛ كذلك يجب وضع خط أحمر واضح: عدم السماح لأيّ عنصر من «حماس» بالاندماج في أجهزة الأمن، أو الإدارة المدنية، أو الحكم المستقبلي في غزة. وفي حال عدم الالتزام، ستقوم إسرائيل بتفكيك الحركة بالقوة، بدعم دولي.
5- إبعاد الجهات «السامة» عن إدارة غزة: يتعين على إسرائيل إنشاء آلية رقابة استخباراتية وغيرها لمتابعة التدخل القطري والتركي في أيّ مجلس سلام، أو إدارة مستقبلية لغزة، وهذا يمكن أن يسبّب احتكاكاً بالولايات المتحدة، لكنه يُعتبر ضرورة واقعية.
6- تجفيف التمويل بشكل مُحكم: يجب إنشاء آلية رقابة دولية ومحلية صارمة على جميع الأموال والتبرعات وميزانيات إعادة الإعمار الداخلة إلى غزة، لضمان عدم وصول أيّ دولار إلى جهات محلية تُديرها «حماس» عن بُعد، أو تُستخدم في إعادة بناء البنية التحتية لـ»الإرهاب».
إن تصفية عز الدين الحداد ترسّخ مبدأً تاريخياً: مَن اختار «الإرهاب والخطف وقتل المدنيين»، مصيره واحد، لكن إلى جانب القوة العسكرية، يجب على إسرائيل استخدام الأدوات المدنية والإقليمية المذكورة أعلاه، حتى لا يكون «إغلاق الدائرة» بالنسبة إلى الناجيَتين من «مذبحة» 7 تشرين الأول مجرد عزاء مؤقت، بل حجر الزاوية لواقع جديد يفقد فيه «الإرهاب» في غزة قوته وأمواله وهيمنته بشكل دائم.
عن موقع «مركز القدس للشؤون العامة والسياسة»





