بقلم: توم بنحاسي /عرض تقرير “زمن حقيقي”، الذي بثته، هذا الأسبوع، قناة “كان 11″، صورة قاتمة للمشاهدين حول ظاهرة مقاتلي وحدات الدفاع القطرية في الضفة الغربية. تخلق هذه الظاهرة داخل الجيش الإسرائيلي منطق المليشيات، وتقوّض الحوكمة الهشة أصلاً للجيش والشرطة، وتعمّق العزلة الدولية، وتشجّع على المذبحة القادمة.
منذ بداية الحرب امتلأت وسائل الإعلام في إسرائيل وفي العالم بوثائق وتقارير عن جنود الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وهم يهددون المدنيين، إسرائيليين وفلسطينيين، على حد سواء، بالسلاح، ويدهسون المصلين على قارعة الطريق، ويقفون مكتوفي الأيدي، في حين يتم ارتكاب أعمال العنف والإرهاب أمام أنظارهم.
إن هذه الظاهرة هي في الواقع إدخال للإرهاب اليهودي داخل الجيش الإسرائيلي من خلال تسليحه وإعطائه الزي العسكري وتوفير الدعم القانوني لأفعاله. يُعتبر هذا نقطة تحول في تاريخ الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل. قد يدين الجيش أحياناً الأعمال الإرهابية التي يرتكبها جنوده، ولكنه في الوقت ذاته هو الذي يمولهم ويدربهم ويمكنهم من الاستمرار في نشاطاتهم. والسؤال المطروح هو: ما الذي يدل عليه ذلك في الحقيقة؟
منذ “حرب الاستقلال” سعت القيادة إلى إدانة الأعمال التي تجاوزت مبادئ الجيش الإسرائيلي المتعلقة بطهارة السلاح، أحياناً بعنف. فقد أصبحت قضية دير ياسين رمزاً لما يسعى الاستيطان المنظم إلى لفظه، والشيء ذاته بالنسبة لجريمة قتل مبعوث الأمم المتحدة، الكونت فولكا برنادوت، وضابط الأمم المتحدة الفرنسي، أندريه سيرو، على يد أعضاء من “ليحي”. وقد أدى كل ذلك إلى سلسلة إجراءات قاسية ضد أعضاء “ليحي”، والإعلان عنها منظمة إرهابية.
لم يكن الخطر الرئيس بالنسبة لقادة الاستيطان اليهودي هو الخطر الأخلاقي. بل كان العامل الحاسم الذي قاد القيادة الصهيونية إلى ترسيخ قيم في القتال بمدونة الجيش الإسرائيلي، هو فهم مدروس: يجب على إسرائيل، كما تقتضي نظرية أمنها، الحفاظ على جيش واحد منضبط ومحترف، لا يخضع لمن يحملون السلاح ويعملون باسم أجندة خاصة.
لا شك أن الإرهاب اليهودي هو في المقام الأول هجوم لاأخلاقي على ضحايا أبرياء، لكنه يظهر أيضاً عدم الانضباط في الجيش الإسرائيلي، وينذر بأن هذا الجيش القوي يقع في يد مليشيات تفعل ما تشاء. هذه الظاهرة تقودنا بخطى حثيثة نحو كارثة أخرى: العنف الإجرامي يقابل بعنف إجرامي، والانتقام يولد الانتقام.
إضافة إلى ذلك ستؤدي هذه الظاهرة إلى حرب أخرى، سنعاني فيها من عزلة دولية أعمق وأشد: أوامر اعتقال، عقوبات، حظر اقتصادي، حظر سلاح – كل ذلك سيكون جزءاً من الثمن الذي ندفعه لأننا بدلاً من استئصال الإرهاب اليهودي من داخلنا، قمنا بتجييشه وتزويده بالسلاح.
لا توجد حلول سحرية لظاهرة مقاتلي وحدات الدفاع القطرية والإرهاب اليهودي في الإجماع الإسرائيلي. كل خطوة تحتاج من الجيش الإسرائيلي أن تكون لديه الشجاعة وأن يطرح على المستوى السياسي توصية مهنية لإخلاء البؤر المسلحة، وأن يقف بحزم في وجه من يقومون بتجييش المليشيات كسياسة علنية، وبعضهم وزراء في الحكومة، يتوقع منهم الرد بعنف على مثل هذه التحركات، وأن يتم اتخاذ إجراءات جنائية وتأديبية صارمة، وأن يعتبر كل حادث إرهابي فرصة لإدانة من تجرؤوا على تدنيس أخلاقيات الجيش الإسرائيلي وجر كل إسرائيل إلى الهاوية.
عن “هآرتس”





