تعيش القضية الفلسطينية اليوم لحظة تاريخية شديدة التعقيد، في ظل حرب مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والهوية الوطنية الفلسطينية، وتترافق مع تسارع غير مسبوق في مشاريع الاستيطان والضم ومحاولات تكريس الوقائع الاحتلالية بوصفها حقائق نهائية، وفي مواجهة هذا المشهد، لم يعد ممكناً النظر إلى مهام التحرر الوطني وبناء الدولة الفلسطينية باعتبارهما مرحلتين منفصلتين؛ فالتجربة الفلسطينية أثبتت أن التحرر وبناء الدولة يشكلان مساراً واحداً تتداخل فيه الأبعاد السياسية والكفاحية والمؤسساتية والاجتماعية ضمن مشروع وطني جامع.
لقد أدركت الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، أن معركة الشعب الفلسطيني ليست مجرد صراع حدود أو نزاع إداري، بل معركة وجود سياسي ووطني تهدف إلى تثبيت حق الفلسطينيين في وطنهم وتقرير مصيرهم. ومن هنا برزت منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع الذي أعاد تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية، ونقل الشعب الفلسطيني من حالة التشظي واللجوء إلى موقع الفاعل السياسي الحاضر عربياً ودولياً، ورسّخ الاعتراف بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني لشعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال.
ولم يكن المشروع الوطني الفلسطيني، في جوهره، مشروع سلطة محدودة الصلاحيات أو إدارة مدنية تحت الاحتلال، بل مشروعاً تحررياً ديمقراطياً يستند إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس على حدود الرابع من حزيران عام 1967، مع ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية، لذلك، فإن بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني لم يكونا يوماً بديلاً عن النضال الوطني، بل شكّلا أحد ميادينه الأساسية.
فالمؤسسات الوطنية الفلسطينية ليست هياكل إدارية معزولة عن الصراع، بل أدوات لحماية الهوية الوطنية وتعزيز صمود المواطنين وتثبيت وجودهم على أرضهم، كما أن بناء اقتصاد وطني قادر على الحد من التبعية، وتطوير التعليم والصحة والخدمات العامة، وتمكين المرأة والشباب، كلها عناصر ترتبط مباشرة بقدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة سياسات الاحتلال التي تستهدف إنهاكه وتفكيكه وإضعاف مناعته الوطنية.
وفي المقابل، فإن اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني أو الاقتصادي، بعيداً عن بعدها السياسي التحرري، يحمل خطراً حقيقياً على المشروع الوطني؛ لأنه يفرغ القضية من مضمونها التاريخي، ويحولها إلى أزمة معيشية قابلة للإدارة، لا قضية شعب يناضل من أجل الحرية، وفي الوقت ذاته، فإن إهمال بناء نظام سياسي ديمقراطي وفاعل تحت شعارات المواجهة وحدها يؤدي إلى إنهاك الجبهة الداخلية وإضعاف عناصر الصمود الوطني، لأن معركة التحرر تحتاج إلى مجتمع متماسك ومؤسسات قادرة على التعبئة والتنظيم وصون القرار الوطني المستقل.
ومن هنا، تبرز أهمية الرؤية التي تقوم على التكامل بين أشكال النضال المختلفة؛ السياسية والشعبية والدبلوماسية والقانونية، باعتبارها أدوات متكاملة في معركة واحدة هدفها إنهاء الاحتلال وعزل سياساته الاستعمارية وتعزيز الحضور الفلسطيني على الساحة الدولية، فالقضية الفلسطينية لم تعد تُخاض فقط في الميدان، بل أيضاً في المؤسسات الدولية والمحاكم والرأي العام العالمي وحركات التضامن الشعبي العابرة للحدود.
وفي ظل استمرار العدوان الإسرائيلي والانقسام الداخلي ومحاولات فرض حلول تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى استعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية والبرنامج الوطني الجامع، فالانقسام لم يعد مجرد خلاف داخلي، بل تحوّل إلى ثغرة استراتيجية أضعفت النظام السياسي الفلسطيني وقيّدت قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة التحديات المتصاعدة، في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون إلى أعلى درجات التماسك السياسي والوطني.
كما أن بناء الدولة الفلسطينية المنشودة لا يمكن أن ينفصل عن بناء نظام ديمقراطي قائم على التعددية السياسية واحترام الحريات وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، لأن الدولة التي يسعى إليها الفلسطينيون ليست مجرد كيان سياسي، بل تعبير عن تطلعات شعب ناضل طويلاً من أجل الكرامة الوطنية والحرية الإنسانية، ومن هنا تأتي أهمية تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها باعتبارها المرجعية الوطنية الجامعة للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والقادرة على حماية وحدة التمثيل السياسي الفلسطيني.
لقد أثبت الشعب الفلسطيني، رغم عقود القهر والحروب والاقتلاع، قدرة استثنائية على الصمود والدفاع عن حقوقه الوطنية، كما أثبتت الحركة الوطنية الفلسطينية قدرتها على الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة مشاريع الإلغاء والتذويب، إلا أن المرحلة الراهنة تفرض ضرورة إعادة بناء عناصر القوة الفلسطينية عبر تجديد الحياة السياسية، وتعزيز المشاركة الشعبية، وتطوير المؤسسات الوطنية، وصوغ استراتيجية وطنية موحدة تستجيب للتحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم.
إن العلاقة بين التحرر الوطني وبناء الدولة ليست علاقة زمنية تقوم على الانتظار والتعاقب، بل علاقة عضوية تتقدم فيها المهمتان معاً، فكل خطوة تعزز صمود الفلسطيني على أرضه هي فعل مقاومة، وكل إنجاز وطني يحمي الهوية والمؤسسات والحقوق يفتح الطريق أمام تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
وفي ضوء ذلك، فإن المستقبل الفلسطيني يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للمشروع التحرري الديمقراطي، وتؤكد وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته ووحدة تمثيله السياسي تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، بما يضمن توحيد الطاقات الوطنية في مواجهة الاحتلال، وصولاً إلى الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.





