الرئيسيةزواياثقافة وادب"الحدث".. حين يتحوّل جسد آني إرنو إلى فعل كتابة!

“الحدث”.. حين يتحوّل جسد آني إرنو إلى فعل كتابة!

كتبت بديعة زيدان: علّلت لجنة جائزة نوبل في الأدب، إعلانها فوز الروائية الفرنسية آني إرنو (82 عاماً)، مؤخراً، بما أظهرته من “شجاعة وبراعة” في “اكتشاف الجذور والبُعد والقيود الجماعية للذاكرة الشخصية”، ولأسلوبها السهل والواقعي والخالي من أي مبالغات إنشائية الكثير من الاهتمام والتحليل، وابتعدت عن الرواية لتعمل على أسلوب جديدة لقصص النسب وعلى ابتكار “السيرة الذاتية الموضوعية”.
وفيما تعرّف إرنو عن نفسها بأنها “مجرّد امرأة تكتب”، ومن خلال أعمالها المستوحاة بصورة أساسية من حياتها، كوّنت صورة دقيقة لمشاعر المرأة التي تطورت مع اضطرابات المجتمع الفرنسي منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أشارت لجنة “نوبل للآدب 2022″، إلى أنها “تدرس باستمرار، ومن زوايا مختلفة حياة تتميز بتباينات قوية فيما يتعلق بالجنس واللغة والطبقة.
ويظهر ما سبق جليّاً في روايتها “الحدث”، الصادرة بالعربية عن منشورات الجمل بترجمة لسحر بتالة، فعبر تجربتها كمراهقة مع تجربة “الإجهاض”، تسلّط إرنو الضوء على تجريم عملية الإجهاض بالنسبة للمرأة والطبيب في مجتمع لا يدين إلا المرأة فقط، وكذلك على توابعه كقتل المرأة أو دفعها لثمن الحمل إذا لم تكن متزوجة، إذ تصف في روايتها المشاعر المختلطة التي تنتاب المرأة التي يضطرها المجتمع إلى أن تقتل طفلها، وكيف أن المجتمع لا يساوى بينها وبين المتسبب في هذا الحمل.
بعد أكثر من ثلاثين عاماً على “الحدث”، قرّرت إرنو البوح روائيّاً، فكانت الرواية التي، وبعدسة مكبّرة، تستعيد ما يمكن وصفه بإدراكات شخصيّة مؤلمة، في وقت لاحق لما كان في السابق، ولا يزال يسكنها، عبر ذلك التحول غير المرغوب فيه لجسدها، في “حدث” قد تراه أو نراه شخصياً لكنه عالمي، غير مرتبط بثقافة أو جغرافيا أو دين، يبدو قاسياً أو بدائياً، لكنه في بعض الحالات “شجاعاً” أيضاً.. “حدث” ينضوي على قتل وشراسة بلا شك، لكنّ فيه شيئا من رحمة لحظية أو طويلة الأمد للمُجرمة البطلة، وللقتيل الناجي، في محيط اجتماعي بالنسبة لإرنو، وعالم أكثر وحشية، لها ولغيرها ممّن بتن، ما قبلها، وما بعدها، ولا يزلن، على قيد “الإجهاض”.
“ذات ليلة، حلمتُ أنني أمسك بين يديّ كتاباً ألفته حول إجهاضي، إلا أنه يصعب العثور عليه في أي مكتبة، ولا ترد له أي إشارة في أيّ دليل.. كُتِبت بأحرف بارزة، أسفل الغلاف، كلمة: مرهق.. كنت أجهل ما إذا كان هذا الحلم يعني أنه يجب أن أكتب هذا الكتاب، أم أنه لا جدوى من فعل ذلك.. كان الزمن، مع هذه القصّة، هو الذي بدأ يمضي ويجرفني معه رغماً عني.. صرتُ أعرف الآن أنني عازمة على الذهاب حتى النهاية مهما حصل، بالطريقة ذاتها التي نهجتها، وأنا في سن الثالثة والعشرين عندما مزّقت شهادة الحمل.. أريد أن أغوص، مرّة أخرى، في تلك الفترة من حياتي”.
وما يميّز هذا العمل، ليس فقط موضوعه، وجرأة التناول، بل الطريقة التي تسرد فيها “الحدث” ما بين “الرسوخيّة”، أي فلسفة الأخلاقيات الشخصية القائمة على المنطق والتأمل، وما بين “بربرية”، بحيث تربط ما بين المتناقضات في سردها هذا.
“لم يكن ينتابني أي شعور بالخوف من فكرة الإجهاض. كان يبدو لي، إن لم يكن سهلاً، ممكناً على الأقل، ولا يتطلب شجاعة خاصة.. كان يبدو لي اختباراً عادياً.. يكفي تتبع الدرب الذي يضمّ صفّاً طويلاً لنساء سبقنني.. كنتُ قد راكمتُ، منذ سن المراهقة، حكايات قرأتها في روايات، أو نقلتها شائعات الحيّ في الأحاديث الهامسة، واكتسبتُ معرفة مبهمة حول الوسائل المستعملة كإبرة الخياطة، وساق البقدونس، حُقن الصابون السائل، وركوب الخيل، لكن الحل الأفضل هو البحث عن طبيب يقال عنه غير شريف، أو امرأة ذات اسم جميل تُدعى صانعة الملائكة.. كلاهما باهظ الثمن، غير أنني لم أكن أملك أدنى فكرة عن الأسعار”.
وتتنقل آني إرنو كفراشة لا يخبو أثرها في السرد، ما بين الخاص والعام، وكأنها تقدّم “الحدث” الشخصيّ جداً هذا للمشاركة العامة، بما يتجاوز فردانيّة الطرح، فما جاء في الرواية، والذي قد يبدو ظاهرياً بسيطاً، يحتوي بالضرورة على ما هو غير عاديّ، في رحلتها المدججة بكل الأسلحة نحو ذاكرتها، عائدة عبر آلة زمن وقودها الكلمات والمشاعر والبوح دون وجل إلى ما حصل معها في العام 1963.
“كانت الفتيات مثلي يفسدن يوم الأطباء.. فتيات مفلسات لا يملكن معارف، وإلا لما أتين ليجهضن عندهم على نحو أعمى.. كُنّ يجبرنهم على تذكّر القانون الذي يمكن أن يزجّ بهم في السجن، ويحرمهم من مزاولة مهنتهم إلى الأبد.. لم يكونوا يتجرّؤون على قول الحقيقة،
إلى درجة أنهم لا يقامرون بخسارة كل شيء من أجل عينيّ آنسة صارت حُبلى لشدّة سذاجتها، إلا إذا فضلوا الموت بدلاً من نقض قانون يتسبّب في قتل النساء، ولكن على الجميع أن يعوا أنه حتى لو منعوهن من الإجهاض، سيجدن وسيلة لذلك حتماً.. غير أن إدخال إبرة خياطة في مهبل لا يساوي الشيء الكثير أمام مهنة مُحطّمة”.
تحدثت آني في الرواية عن القوانين التي تجرّم الإجهاض في فرنسا، وكيف ذهبت لطبيب ليجهضها، لكنه كتب لها دواءً يمنع الإجهاض دون أن تعلم ذلك، فلم تستفد من حقنتين كانت حصلت عليهما من زميلة لها، طالبة في كلية الطب، هي التي كانت وقتها في سنتها الجامعية الأولى.
ولم تغفل الرواية تلك العلاقة المُلتبسة ما بين الابنة الحامل سفاحاً وما بين والديها، أو تلك العلاقة ما بين الإجهاض والديانة أو المذهب الذي تحمله هذه أو تلك الفتاة، أو العائلة، أو حتى المنطقة الجغرافية برمّتها، أو حتى وسائل التحايل على الحلول الباهظة، أو المتشبّثون بالقوانين كقناعة دينية أو مجتمعية أو خشية فقدان المهنة، فقد لجأت إلى سيدة لمساعدتها،
فكانت “وصفة بينسيلين”، وكان “كل شيء بسيطاً ومطمئناً .. وقفت (ب) أمامي، ثم قالت إن السيد (ب.ر) يتقاضى أربعمئة فرنك، واقترحت عليّ بتلقائية، أن تقرضني المال.. ما كنت أحتاج إليه في ذلك الوقت هو العنوان والمال”.
في جلستين، يفصل بينهما يومان أو ثلاثة، وفي مساء اليوم الذي يليهما، شعرتْ أن الجنين سيخرج.. كانت في السكن الجامعي حينها.. حاولتْ احتمال الألم، لكنّ النزيف كان يشتد إلى أن خرج الجنين ابن الثلاثة أشهر، وهو ما وصفته صاحبة “نوبل” بـ”الحياة والموت”.. وبسبب الوضع الخطير الذي كانت تعيشه، اضطرت صديقتها التي تشاطرها الغرفة في سكنها الجامعي، ورغم معارضتها الشديدة للإجهاض، إلى استدعاء طبيب قررّ بدوره نقلها إلى المستشفى العام.
لم تكن دماؤها تسيل في الغرفة، بل “طرطش” نزيفها الأحمر صفحات الرواية كلّها، وكأنها تكتب “مانفيستو” إدانة لنظام حياة أو لا حياة بأكمله، أو تمسك بمكبّر الصوت لتصرخ بأن ثمة كثيرات، وبسبب القوانين هذه، في المحاكم والكنائس والبيوت والجامعات، يجبرن إلى التوجه لذلك المنزل في ممر “كاردينيه” بالدائرة السابعة عشرة، أو غيره من المنازل المتشابهة، حيث كان الإجهاض، ولا يزال، فعل “حياة وموت”، على أكثر من مستوى، وفي طبقات وسلطات أبوية متعددة انعكست سردياً في “الحدث”.
إنها سيرة ذاتية، أو جزء من سيرة.. قصة شخصية مُدمّرة وصعبة، فيها من الألم الكثير، ومن الإهانات أكثر، وفيها ممّا قد يعتبره البعض جريمة وحشية، وخزياً لا يغتفر ما لا يقل عن الكثير السابق، لكنها استطاعت تحويل “إجهاض” المُراهقة إلى هامش يتكرر في “الحدث” الذي يفيض عن “الحدث” ذاته، وكأن آني إرنو مارست عبر هذه الرواية، فعل تحرّر ما أو أفعال تحرّر.
“لا أعرف متى عدتُ إلى العالم الذي نَصِفه بالعالم العاديّ. إنها عبارة مبهمة، لكنّ الجميع يُدرك معناها، أي المعنى الذي لا تغدو فيه رؤية حوض الغسل اللامع، أو رؤوس المسافرين في قطار مُشكلاً أو مصدر ألم.. بدأتُ في تحرير بحثي الجامعيّ.. اعتنيتُ بأطفال في المساء، ونظّمت الاتصالات الهاتفيّة عند اختصاصيّ في القلب، حتى أسدّد شيئاً فشيئاً مبلغ عمليّة الإجهاض.. ذهبتُ إلى السينما.. قصصتُ شعري الطويل، وأبدلت نظاراتي بعدسات لاصقة”.
العبقرية التي تميّزت فيها الرواية هي كيف استطاعت الكاتبة الفرنسية أن تحوّل جزءاً من سيرتها إلى كتابة مثيرة للاهتمام، مع أنها لم تكن تعرف أن شيئاً من سيرة جزء حسّاس في جسدها سيصبح، وهي في الثمانينيات من عمرها، رواية مطلوبة بكل لغات العالم، كواحدة من روايات صاحبة “نوبل”.
“محوتُ الشعور الوحيد بالذنب الذي لم يسبق لي أن عشته في علاقة بهذا الحدث الذي وقع لي وعجزتُ عن ردّه، مثل عطيّة تقبلتها وضيّعتها، لأنه في ما وراء كلّ الأسباب
الاجتماعية والنفسية التي يمكن أن أجدها في كل ما عشته، هناك سبب أنا واثقة منه أكثر من أي شيء آخر: الأشياء حدثت لي كي أدرك معناها، ولعل الهدف الحقيقي في حياتي هو فقط التالي: أن يتحوّل جسدي وحواسي وأفكاري إلى كتابة، أي إلى شيء واضح وشامل، إلى وجودي الذائب بأكمله في أذهان الآخرين وحياتهم”.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب