تحل الذكرى الثامنة عشر لاستشهاد فارس القدس المؤسس الدكتور سمير غوشه، فنستحضر مسيرته المفعمة بالعمل والكفاح وسط ليال فلسطينية حالكة السواد تتفكك فيها عرى الوحدة الوطنية حيث الانقسام المدمر وانحدار الحقل السياسي الفلسطيني الى قاع غير مسبوق.
رحل جسداً وبقيت روحه وأفكاره منغرسة في وجدان كل وطني مؤمن بقضيته خاصة وان المبادىء العظيمة التي حملها ونقلها للاجيال التي تربت في مدرسته السياسية والفكرية ما زالت متوهجة طوال سنوات عمره المديد اعطى لشعبه كل ما لديه وغادر الحياة وهو لا يملك شيئا عاش عفيف اليد واللسان زاهداً في حياته وكان نموذجاً لعدد كبير من القيادات والكوادر كان ذلك الانسان العظيم الذي تتجلى في ارثه النضالي وسلوكه الأخلاقي وصلابته الكفاحية كل المزايا والصفات التي بالقادة التاريخيين.
تميز بنقائه وبثقافته الواسعة وقناعته باهمية الديمقراطية المتلازمة مع العقلية النقدية التي تعيد قراءة التجربة لتبني وتؤسس لمرحلة جديدة بعيدا عن اخطاء الماضي
كان وحدويا يميل الى وحدة فعلية لفصائل منظمة التحرير يرفض الوحدة الشكلية يبحث عن اساس سياسي ثوري لوحدة الصفوف ووحدة الهدف على قاعدة الخط السياسي السليم لنهج منظمة التحرير ورفض انحراف المسار الوطني وهو الضمانة الاستراتيجية للانتصار
وعلى هذا الاساس خاض تجارب عديدة لوحدة الساحة الفلسطينية كان أخرها محاولاته الدؤوبة في انجاز وحدة اليسار الديمقراطي أو القوى الديمقراطية كان يؤمن ايمانا عميقا ان سيرورة بقاء وكفاحية جبهة النضال مرهون بخطها السياسي الذي لا يفرط بأي مفردة من مفردات الحق الفلسطيني والى جانب الخط الوطني والقومي والثوري الذي ساهم في تكوين شخصيته فان جانبا أخر من شخصيته لم يلمسها الا المقربون منه الذين عاشروه في القواعد ومعسكرات التدريب والجلسات الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية وهذا الجانب هو تلك الوداعة التي يتسم بها في علاقاته الاجتماعية والنضالية حيث يكتنز قدرا كبيرا من الهدوء وسعة الصدر وطيبة القلب حتى مع خصومه اعضاء المكتب السياسي اثناء الانشقاق
لم يكن التزامه بالنظرية العلمية ترفا وفذلكة فكرية كما كانت عند البعض في اليسار الفلسطيني بل كانت مرجعية اساسية له ولبقية الرفاق في قيادة الجبهة وكوادرها يوظفها في إطار نهج المادية الجدلية في قراءة الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي قراءة الاوضاع الطبقية في الساحة الفلسطينية بغية طرح البرامج النضالية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي ولطرح الموقف السياسي الدقيق والواضح في مختلف محطات النضال الفلسطيني
وبحكم انتمائه الفكري فقد أولى اهمية قصوى للطبقة العاملة في إطار ادبيات الجبهة وأكد التزامه بالمنهج الجدلي العلمي وترجم هذا الالتزام بدقة في الموقف السياسي للجبهة عندما عاد الى الوطن تنفيذا لقرار اللجنة المركزية رافعا شعار عدت لاقاوم ليس لاساوم حيث عمل على اعادة بناء التنظيم بعد الانشقاق كما ادى دورا مركزيا في تفعيل انتفاضة الاقصى ورغم حالته الصحية بقي حريصا على اداء مهامه المنوط بها حرصا على الجبهة وتاريخها النضالي حتى وفاته.




