الرئيسيةزواياأقلام واراءمن تجربتي إلى الإدارة الواعية.. حين تكون المسؤولية أكبر من الكرسي..بقلم د.فادي...

من تجربتي إلى الإدارة الواعية.. حين تكون المسؤولية أكبر من الكرسي..بقلم د.فادي كساب

 

فالعلم حين يقترن بالخبرة ، لا يمنحك معرفة أكاديمية فحسب.. بل يصنع منك إنسانًا أكثر نضوجا ووعيًا وثقافة في الفكر والممارسة الإداريه والاساليب الحديثه والتواصل بصدق، ويمنحك القدرة على إدارة الملفات المؤسستية بكفاءة، وفهم تعقيداتها، وصناعة القرار بمسؤولية ووعي.

ولم يكن توجهي لدراسة ماجستير علم الإدارة مجرد إضافةٍ أكاديمية إلى دراستي في كلية الطب، بل كان إيمانًا بأن الإدارة هي علم بناء المؤسسات، وصناعة القرارات، وإدارة الأزمات، وتنمية الموارد البشرية، والحوكمة والقيادة الرشيدة وأنها تمثل أحد أهم مفاتيح التقدم والاستقرار في المجتمعات الحديثة.

وخلال هذه الرحلة، حرصت على الاطلاع على مدارس فكرية متعددة في الإدارة والسياسات العامة والاقتصاد والقيادة والريادة وعلم النفس، انطلاقًا من قناعتي بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالاستثمار في المعرفة، وأن القراءة هي الطريق الأوسع لبناء الإنسان القادر على فهم الواقع وصناعة المستقبل.

وكذلك من خلال تعاملي مع العديد من الشخصيات سواء قائد مسئول او شخص مسئول.. ومن أكثر المفاهيم التي استوقفتني في دراستي مصطلح ((الإدارة الواعية)) التي تقوم على أن القيادة ليست ممارسةً للسلطة فحسب، وإنما مسؤولية أخلاقية ووطنية تستند إلى الحكمة، واحترام الإنسان، وإدارة الاختلاف، واتخاذ القرار بعقلانية وعدالة، بعيدًا عن الانفعال أو المصالح الفئويه الضيقة التي قد نفتقدها .

وقد وأكدت لي الدراسة أن أكبر التحديات التي تواجه المؤسسات ليست اختلاف وجهات النظر، وإنما غياب الكفاءة ، فعندما تُقدَّم الاعتبارات الشخصية على معايير الجدارة والاستحقاق. فالمؤسسات القوية تُبنى بالعلم والخبرة والنزاهة، بينما يؤدي إضعاف معايير الكفاءة إلى إهدار الطاقات وإبطاء مسيرة التنمية.

كما أدركت أن القيادة الحقيقية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأخلاق فالعلم يعزز التواضع، ويرسخ ثقافة الحوار، ويجعل احترام الرأي الآخر قيمةً أصيلة، بينما لا يمكن لأي مؤسسة أن تحقق النجاح المستدام في بيئة يغيب عنها العدل أو تُهمَّش فيها الكفاءات.

إن بناء الدول والمؤسسات لا يتحقق بالشعارات، بل بإرساء مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز سيادة القانون، واحترام الكفاءة، وترسيخ ثقافة الإدارة الواعية التي تجعل المنصب تكليفًا لخدمة الوطن والمواطن، لا وسيلةً لتحقيق الامتيازات الشخصية.

فعندما يتم تعيين شخص ما يفتقر إلى الكفاءة الإدارية والتأهيل الأكاديمي في موقع المسؤولية، فإن المشكلة لا تبدأ من نقص المعرفة وحدها بل تبدأ عندما يتحول المنصب في نظره إلى بديل عن الخبرة، ويصبح الكرسي مصدرا للثقة بدلًا من أن يكون موقعًا للمسؤولية والمساءلة.

فالمنصب قد يجبر الآخرين على تنفيذ القرارات لكنه لا يستطيع أن يجبرهم على تقديرك أو الثقة بك. وهنا تظهر القاعدة الإدارية المهمة: أن السلطة تأتي من المنصب، أما الاحترام فيُبنى من السلوك والتعامل.. المسؤول الذي لا يمتلك أدنى أدوات الإدارة والقيادة قد يظن أن إصدار التعليمات والأوامر هو قيادة وحكمه، وأن رفع الصوت هيبه وحزم، وأن إحاطة نفسه بالمؤيدين هي القوة. وان دعوته في حضور عدة مناسبات يعتبرذلك تاريخ نجاحه وانجزاته.

بينما القيادة والمسئوليه الحقيقية تقوم على المعرفة والاستماع والتحليل والصدق لان القائد لا يكذب ولا يكون افاق ومنافق وعندما يزأر يكون على حق له ولأبناء مؤسسته ، وان يتحرك ويتواصل للعمل للمصلحه العامه لا ان يجلس بمكتبه. ويجب دوما الاستفادة من أصحاب الاختصاص والخبرات ، والقدرة على اتخاذ القرار بعيدًا عن الأهواء والولاءات الشخصية والحزبيه.

والأخطر من المسؤول قليل الامكانيات والخبرة هو المسؤول الذي لا يدرك حدود معرفته  فيرفض الرأي المتخصص ويعتبر النقد بالموضوع هوه إساءة والنصيحة للمصلحه تحديًا، والمخالفة تمردًا.

ومع الوقت، يبدأ بإبعاد أصحاب الكفاءة والذين نالو شهرتهم بحب الناس وكسبو سمعتهم وثقتهم بعلمهم وبأسلوبهم وبعملهم .وهذا ليس لأنهم غير صالحين، بل لأن وجودهم يذكّره بما ينقصه من خبرة وتأهيل ومن امكانيات علميه وعمليه وكريزما.

وهنا تتحول المؤسسة تدريجيًا من مؤسسة تقوم على الكفاءة والمهنية إلى مؤسسة تقوم على الولاء والمجاملة، فيقرب من يقول “نعم”، ويُهمش من يقول “الافضل أن نفعل كذا”. وعندما تغيب الأصوات المهنية، تصبح القرارات أكثر عرضة للخطأ، وتدفع المؤسسة والعاملون والمواطن ثمنًا لا علاقة لهم بصناعة القرار.

إن المسؤولية العامة ليست امتيازًا شخصيًا، ولا شهادة تفوق ولا مكافأة على الولاء. إنها تكليف ومسؤولية وأمانة، والمفروض كلما ارتفع موقع المسؤول ارتفعت معه درجة المحاسبه والمساءلة.

وفي الإدارة الرشيدة، لا يُقاس المسؤول بعدد من يحيطون به أو يصفقون له، وإنما بقدرته على الانجازات وببناء فريق مهني والتحدث بلغة الجماعه وليس الأنا ، والاستماع دوما إلى الخبراء والرأي والراي الاخر، وتصحيح الأخطاء، وتحقيق النتائج، وحماية المؤسسة من الشخصنة والمصالح الشخصيه الفئويه الضيقة.

وليس عيبًا أن يجهل المسؤول بعض الأمور فالإنسان مهما بلغ من العلم محدود المعرفة.

العيب أن يجهل و يتكبر ويناقش ويخطئ ثم يرفض التصحيح، ويفشل ثم يبحث عن شماعة ويقصي الأكفاء حتى لا يسمع إلا صدى صوته بالمؤسسه.

فالمؤسسة ليست ملكا لمن يجلس على كرسيها، والموظفون ليسوا تابعين لنفوذه وشخصه، والمصلحة العامة ليست مساحةً لتصفية الحسابات الشخصية والنرجسيه.

وفي النهاية، يبقى المنصب مؤقتًا، ويبقى الكرسي شاغرًا بعد صاحبه، لكن أثر الموقع او المنصب يبقى في ذاكرة المؤسسة والمجتمع ولا يمحيه وفاة او تقاعد.

فالمسؤول الحقيقي يبني قيادات تخلفه .. ولا يسأل: من معي حتى لو على خطأ؟ بل يسأل: ما الذي تحتاجه المؤسسة؟

ولا يبحث عن الذين يوافقونه دائمًا، بل عن الذين يقولون له الحقيقة عندما يخطئ. فالمنصب لا يصنع كفاءة، واللقب مهما فعلت لا يصنع قائدًا.

والسلطة لا تمنح علمًا او شهادات.

وإنما الكفاءة والتعليم والمعرفة والنزاهة وحسن الإدارة هي التي تمنح المسؤول قيمته الحقيقية. وخدمة الناس وحبهم لايتم شرائه ومراضاة الله ليست سلعه!

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب