في مصر، كما هو الحال في العديد من الثورات العظيمة في التاريخ الحديث، لم يكتف الناس بالإطاحة بالنظام القديم وحسب، وإنما ظلوا مقيمين في شوارع العاصمة للإشراف على إقامة نظام جديد. وكما كان متوقعاً، سعت قوى النظام، وخاصة الجيش، لإعادتهم إلى بيوتهم. لكن الأمر غير العادي فيما يتعلق بالحالة المصرية، مع ذلك، هو أن الاعتصامات، والمخيمات، والأنشطة الهادفة التي رتبها الإخوان المسلمون كانت منظمة تنظيماً جيداً لتدوم في وجه التدخل العسكري.
ليس الجنرالات الذين يديرون مصر الآن هم أول الحكام العرب الذين يخشون من قوة أولئك الذين يسعون إلى استخدام الشوارع والفضاءات المفتوحة للمطالبة بالتغيير. فقد كان إغلاق سبل الوصول إلى تلك الميادين أولوية قصوى لنظام جمال عبد الناصر، الذي استولى على السلطة في القاهرة في انقلاب عسكري في العام 1952، ولم يكن راغباً آنذاك في تقاسم هذه السلطة مع أي قوة سياسية منظمة أخرى. وقد تبعت الحكومات الثورية المدعومة من الجيش في العراق، ليبيا، وسورية نفس قواعد هذا الكتيب الإرشادي في محاولاتها تدمير المنظمات التي ربما تنزل إلى الشوارع، بما في ذلك الأحزاب الشيوعية والنقابات العمالية المستقلة، والجماعات الطلابية المتشددة، والإسلاميين.
أولاً، وضعت تلك الحكومات بدائل آمنة للتعبير عن الرأي العام، بما في ذلك تأسيس الأحزاب الجماهيرية الكبيرة، مثل الاتحاد الاشتراكي العربي في مصر. وتولت إدارة الحزب مجموعة من الضباط العسكريين السابقين واليساريين السابقين، وكانت له فروع في المكاتب الحكومية، ومقار نقابات العمال، والأحياء الأكثر فقراً في المدن.
ثانياً، سعت الأنظمة العسكرية إلى الدفع بمؤيديها إلى الشوارع حتى يطغى صوتها على أصوات أي جهات أخرى. وعلى سبيل المثال، ألقى ناصر خطاب استقالة بعد هزيمة مصر المذلة على يد إسرائيل في حرب حزيران (يونيو) 1967، ثم تدفق أنصاره إلى الشوارع للمطالبة ببقائه في السلطة. وقد استخدم الكثير من نفس التكتيكات أولئك الذين دعموا عبد الكريم قاسم في العراق خلال سنواته الخمس العاصفة التي قضاها رئيساً للوزراء، من 1958 وحتى 1963.
ثالثاً، أعطت هذه الحكومات الأولوية للرقابة المشددة على الساحات العامة الكبيرة والفضاءات المفتوحة الأخرى. ويمكن في هذا السياق إلقاء نظرة على تاريخ ميدان التحرير في القاهرة، وهو نقطة محورية رئيسية في الاضطرابات الجارية اليوم. فقد تم إنشاؤه في أوائل الخمسينيات على أرض قديمة مخصصة للاستعراضات العسكرية، وكان القصد منه هو أن يكون موضعاً للاحتفالات السنوية باستقلال مصر. وكان يخضع دائماً للمراقبة اللصيقة والرصد الدقيق؛ ولعدة سنوات بعد ما سمي بمظاهرات الخبز في العام 1977، داومت قوات الشرطة الخاصة على مراقبة المنطقة من مجموعة من الممرات المطلة. وجرى بين الحين والآخر تشجيع إقامة الأنشطة الموالية للنظام فقط في المكان. وبخلاف ذلك، اقتصر الاستخدام الجماهيري للميدان على اتخاذه نقطة تجميع في بدايات المواكب الجنائزية للشخصيات المفضلة لدى النظام، مثل جنازة المطربة أم كلثوم في العام 1975.
عندما لم تنجح تلك الخطوات في منع الاحتجاجات والانتفاضات، لم يستغرق الأمر في العادة أكثر من بضعة أيام من العمل الشرطي القاسي، المقرون في بعض الأحيان بإعلان حظر التجول خلال النهار، لإعادة الوضع إلى ما تحت السيطرة. وكان هذا هو ما حدث بالضبط في جار مصر الجنوبي، السودان، عندما أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار السكر والبنزين إلى قيام مظاهرات غوغائية هناك.
نظراً لتاريخ ميدان التحرير، باعتباره ساحة للعروض العسكرية، شكل احتلاله في الأيام الأولى من ثورة كانون الثاني (يناير) من العام 2011 أهمية رمزية هائلة. وللمرة الأولى على الإطلاق، تمكن المحتجون من التغلب بنجاح على محاولات الشرطة تطهير المنطقة وإخلائها، ثم أذعن الجيش لاحقاً لوجود المتظاهرين في الميدان، تحت ضغوط شديدة مارستها عليه إدارة أوباما. وكان في شهر آب (أغسطس) من ذلك العام فقط حين تمكنت قوات الجيش والشرطة من إخلاء الميدان أخيراً، ووضعت المتاريس ونقاط التفتيش لمنع أي عودة للحشود. وكان ذلك سهلاً لأنها لم تكن للعدد القليل من المحتجين آنذاك رغبة في فعل أكثر من مجرد التواجد هناك لبضع ساعات -وليس العسكرة والتخييم فيه بالتأكيد. وحسب كتاب قواعد اللعب المعياري في هذه الحالات، كانت تلك محاولة لتحريك السياسة الشعبية بهدف إخراجها من الساحة العامة وإعادتها إلى اللجان والمجالس والتجمعات. لكن إخلاء الميدان من المحتجين لم يدم لفترة طويلة مع ذلك. وظل ميدان التحرير موقعاً للنضال المتقطع، فيما كانت الجماعات التي يهيمن عليها الشباب المتشددون من الطبقة الوسطى، ثم أنصار جماعة الإخوان المسلمين، ينظمون المسيرات عائدين مرة أخرى إلى الميدان في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2011، ثم مرة أخرى في وقت لاحق للدعوة إلى وضع قيود على تدخل الجيش في العملية السياسية.
ومع ذلك، تسبب عزل الجيش للرئيس السابق محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، في عودة المعارضة إلى الميدان. وكان المحتجون في الماضي يغادرون المكان بشكل عام عندما يؤمرون بذلك، وكانت جماعة الإخوان تتبع ذلك المسار العام في ظل نظام مبارك، لكن الجماعة عمدت في الأسابيع الأخيرة إلى مصاحبة المسيرات إلى مواقع معينة بإقامة اعتصامات ومخيمات مؤقتة، متشجعة بدعم المساجد القريبة.
مع هذه التكتيكات الجديدة جاءت سياسة جديدة، تعتمد فيها الشرعية الشعبية بدرجة أقل على تخمينات وسائل الإعلام بشأن حجم الحشود، وتعتمد أكثر على الأعداد الفعلية للناس الذين يُشاهدون معسكرين في ساحات معينة. ولهذا السبب، يقوم الجيش والإخوان المسلمون على حد سواء بحث أنصارهم على النزول إلى الشوارع. وقد عمدت جماعة الإخوان إلى جلب الأتباع بالحافلات من أجل زيادة الأعداد المتجمعة في مكاني اعتصامها الرئيسيين، الأول خارج المسجد الكبير في رابعة العدوية، والآخر بالقرب من المطار حيث يعتقد بأن مرسي محتجز هناك. وقد أدى كل هذا إلى ظهور مفردات سياسية مشحونة للغاية، مؤكدة على تعبيرات سفك الدماء، والشهداء، والحق والباطل، وشيطنة الجانب الآخر.
من حسن حظ المصري العام أن المركزين الرئيسيين للتجمع الشعبي –ميدان التحرير لأنصار الحكومة العسكرية، ورابعة العدوية للإخوان المسلمين- يبتعدان عدة أميال عن بعضهما بعضاً. لكن الثاني يبدو في صور “بي بي سي” موقع اعتصام خارجي مفتوح هائل –حيث المحلات التجارية والباعة المتجولون يبيعون الوجبات الخفيفة، وسجادات الصلاة، والقبعات والعصي؛ بسواتره وخيامه، ومستشفياته الميدانية ومركزه الإعلامي- والمحاط هو ذاته بالشرطة والجيش والمتاريس التي تهدف للسماح للناس بالخروج، ولكن ليس بالدخول. وفي أي لحظة، يمكن استخدام هذه القوات كرأس حربة ونقطة انطلاق لمحاولة دامية لاكتساح جموع المتظاهرين المعكسرين وطردهم بعيداً -كما أعلنت الحكومة أنها تعتزم أن تفعل.
إذا كانت هناك حملة شرسة بما يكفي لجعل الإخوان يتفرقون، فإن الجماعة سوف تعود إلى أشكال سابقة من المعارضة، مثل الاحتجاجات المستندة إلى المسجد بعد الصلاة، والمظاهرات الأصغر لإحياء مناسبات مثل الإطاحة بمرسي. وسوف تكون دائماً في حالة ترقب الفرصة للعودة إلى ميدان أو اثنين في مكان ما –والبقاء هناك.
ربما كانت الجمهوريات المستندة إلى مفهوم سيادة الشعب هي الخليفة الحتمي للنظام الاستعماري القديم. ربما كان من المنطقي لممثليها الذين نصبوا أنفسهم بأنفسهم، الرجال المستبدين، أن يزعموا التحدث باسم أولئك الذين يحكمونهم. لكن الجمهوريات الاستبدادية برهنت أنها شكل من الحكم يصعب الحلول محله واستبداله من الصفر. ومع وجود الملايين من الناس في الشوارع، والذين لا يطالبون بأن يُشاهدوا ويُسمعوا وحسب، وإنما بأن يستمع إلى ما يقولونه أيضاً، فإن مصر ربما تشهد أيضاً حرباً أهلية حقيقية إذا لم تتم إعادة إشراك الناس باستخدام دبلوماسية وبراعة كبيرتين.
روجر أوين (فورين أفيرز) ترجمة: علاء الدين أبو زينة–الغد الاردنية.
ROGER OWEN* هو أستاذ شرف إيه. جيه. مدير لدراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Controlling the Arab Street: A Brief History of Sit-Ins and Strongmen
ala.zeineh@alghad.jo





