الايام يوسف الشايب:قدّمت فرقة المسرح الشعبي في عملها الأحدث “رجال في الشمس” عن رواية غسّان كنفاني الشهيرة، واحدة من العلامات الفارقة في تاريخها الممتد منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي في الأردن وفلسطين، لجهة الرؤية، والإخراج، والأداء، والسينوغرافيا، وأيضاً في التعاطي مع الأسئلة الحارقة إزاء المضامين، وهو العرض الذي احتضنته قاعة جمعية الإغاثة الطبيّة في مدينة البيرة، مساء أول من أمس.
وتواصل الجدل في العمل المسرحي كما في النص، ويتواصل منذ كتابة كنفاني الشهيد لها قبل ستين عاماً، حول شخصية “أبو الخيزران”، وما إذا كان ضحيّة أو قاتلاً، أو كلاهما في الوقت نفسه، علاوة على الإسقاطات التي تلامس الواقع الفلسطيني المُعاش كشعب لا يزال تحت الاحتلال، وجزء كبير منه ينتظر العودة إلى ديار له، هُجّر منها قسراً قبل خمسة وسبعين عاماً.
وليس ذلك فحسب، بل تم تناول شخصية “أبو الخيزران” بجرأة، خاصة في تلك المساحات التي كان يستعيد فيها الممثلون شخصيّاتهم الحقيقية، ويتناقشون فيما بينهم حول النصّ والأداء، في إطار تقديم “بروفا” لمسرحية داخل المسرحية، فدار نقاش يؤرق الكثيرين على الخشبة وفي القاعة، وخارجها، في فلسطين الجغرافيا، ولدى الفلسطينيين بل كثير من شعوب العالم المُناضلة، وخاصة ما يتعلق بالكيفية التي يمكن أن يتحوّل بها الثائر أو المناضل أو المقاوم إلى سمسار وفاسد ومهرّب، مع تبدّل الحالة الزمكانيّة.
و”أبو الخيزران” لدى كنفاني فكرة أكثر منها شخصية روائية متخيّلة أو مبنية على وقائع، وهو كذلك في المسرحية التي ناقش القائمون عليها النصّ دون خدشه أو المسّ به، فهو كان من بين الفلسطينيين الذين خدموا في الجيش البريطاني قبل “النكبة”، قبل أن ينضم إلى الفدائيين الذين تصدّوا للعصابات الصهيونية في حرب العام 1948، ويتعرض لإصابة “أفقدته رجولته”، ومن ثمّ تحوّل إلى جشع يحاول جمع أكبر قدر ممكن من الثروة.
وتبحث المسرحية كما الرواية في مفهوم “الخلاص الفردي”، وهو ما انعكس في شخصية “أبو الخيزران”، وكذلك في شخصيّات من قضوا دون أن يقرعوا الخزّان، وكأنها تجيب على سؤال كنفاني قبل ستة عقود بأن: لماذا لم يقرعوا الخزّان، بما مفاده أنّ الفلسطيني الثائر في مرحلة ما بعد الفلسطيني اللاجئ، وهو ما تنبأ به كنفاني في رواياته، ومنها “رجال في الشمس”، لا يزال يقرع الخزّان، لكن العالم الأصم والمنحاز لا يريد أن يسمع، وبأن “المقاومة” هي الحل الأنجع في ظل حالة التردّي التي نعيش، وخاصة مع تفشّي وباء “الفردانيّة” بشكل كبير.
وتمّ، علاوة على تقنيّة الفواصل التي يتناقش فيها الممثلون والممثلات، حول “رجال في الشمس” النصّ والمسرحية، ومنها الصورة النمطية للمرأة الفلسطينية فيها على عكس روايته “أم السعد”، الاتكاء على واحدة من تقنيّات مسرح الظل، أو فن الظل، الذي هو شكل من أشكال الأداء الحي يستخدم الظلال لإخبار القصّة، أو الجزء الأكثر جاذبيّة منها، وهو ما كان بالفعل خلال تجسيد المشاهد ما قبيل وأثناء دخول الثلاثة (أبو قيس، وأسعد، ومروان) إلى داخل الخزّان، وإن تغيّرت النهاية لجهة ليس فقط قرع الخزّان، بل تجاوز كل سياج، أو جدران، وكأنه الانعتاق بفعل المقاومة.
وفي العمل الذي أعده وأخرجه الفنان فتحي عبد الرحمن، أكدّ على أنّ إبداعه لا يخبو، وعلى أنه قادر على التجديد والتجدّد ببراعة، متسلحاً بجماليّات المسرح وإن بلغة مُعاصرة كانت مُلحّة ليخرج العرض بالعمق والسحريّة الكامنة في ثناياه.
جدير بالذكر أن الفنّانات والفنّانين الذي أبدعوا في تجسيد أدوارهم، هم: حسين نخلة، وجميل السايح، وأسامة ملحس، وميساء الخطيب، ورائد خطّاب، ومحمد أبو حويلة، وسندس نصر الله، وعبد الرحمن أبو سليمان





