مؤتمر موسكو للأمن الدولي، يعدّ واحداً من أهم وأبرز المؤتمرات والمنتديات السنوية العالمية، التي تناقش القضايا العسكرية والأمنية من وجهة نظر، تختلف عما تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الغربي التابع لها.
فهو حدث تستضيفه روسيا، بهدف معالجة مشاكل الاستقرار العالمي والإقليمي، فضلا عن مختلف جوانب الأمن في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا كما تعبر عن ذلك وزارة الدفاع الروسية.
وبسبب الصراع بين الشرق والغرب، فإن مرور الوقت سيحدد الطرف الذي له اليد العليا في الساحة الدولية. تحاول روسيا، التي لا تأمل في عودة العلاقات السابقة مع أمريكا وأوروبا، زيادة حلفائها بمساعدة جديدة وإقامة نظام جديد يتمحور حول الشرق.
عقد مؤتمر موسكو الحادي عشر للأمن الدولي، بحضور مسؤولين من دول أجنبية وخطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في هذا المؤتمر، أكثر من 800 ممثل من 76 دولة، بمن في ذلك وزراء الدفاع ونواب وزراء الدفاع ورؤساء الأركان وممثلي المنظمات الدولية والخبراء العسكريين من الصين وإيران وسوريا وبيلاروسيا والهند وكوريا الشمالية والهند، وشاركت جنوب إفريقيا، وتركيا، والمكسيك، والإمارات العربية المتحدة، والسعودية.
بوتين في الكلمة الافتتاحية لهذا المؤتمر،أشار إلى إن أمريكا تبحث عن الإصلاح المنشود في نظام التعاون بين دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ بالقول: “تخطط الدول الغربية لدمج قوات الناتو مع تحالف ACOS ” لافتا إلى أن موسكو لا تزال تريد نظامًا عالميًا متعدد الأقطاب، وأن “الحد من المواجهة على المستويين العالمي والإقليمي وتحييد المخاطر ممكن فقط من خلال توحيد جهود المجتمع الدولي”.
وأكد بوتين: في مناطق مختلفة من العالم، يتم تأجيج الصراعات القديمة وخلق صراعات جديدة، وهدف أولئك الذين يفعلون ذلك هو الاستمرار في الاستفادة من المآسي الإنسانية، وحصار الناس، وإجبار الحكومات على إطاعة الرعايا في الداخل، وهذا النظام عبارة عن استعمار جديد واستغلال قاس لمواردهم.
ومن جانبه قال وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو: “الأسلحة الغربية وأساليب التخطيط المتقدمة لحلف الناتو على ما يبدو وأساليب القيادة والسيطرة لا يمكن أن تخلق التفوق في ساحة المعركة”.
وأشار شويغو إلى أن روسيا مستعدة لمشاركة تقييماتها لضعف التكنولوجيا الغربية مع شركائها، قائلا: “إن الولايات المتحدة تعلن روسيا والصين كعدوين استراتيجيين لها، ومع ذلك، فإن روسيا والصين ترتقيان بالعلاقات إلى مستوى جديد من الشراكة الاستراتيجية”.
ومن جهته اتهم زير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في كلمته الولايات المتحدة بالتحضير لتدمير معاهدة عدم الانتشار ومحاولة إزالة مشروعها النووي في إطارACOS، وقال إنه يتعين على الأمم المتحدة زيادة جهودها للتعامل مع تكثيف الإرهاب دون معايير مزدوجة.
كما قال وزير الدفاع الصيني لي شانغفو في كلمته إن العلاقات العسكرية بين روسيا والصين ليست ضد دول ثالثة وأن بكين مستعدة لتعزيز العمل الأمني في منظمة شنغهاي للتعاون وتعزيز التعاون العسكري مع إيران وبيلاروسيا.
وتجدر الإشارة إلى أن مؤتمر موسكو للأمن الدولي هو منتدى سنوي يجمع ممثلي الدفاع والمنظمات الدولية وخبراء غير حكوميين لإيجاد إجابات لقضايا الأمن العالمي الرئيسية.
مؤتمر موسكو الدولي الحادي عشر للأمن عقد بالتزامن مع مؤتمر إرميا للتكنولوجيا العسكرية 2023، حيث تبادل المشاركون وجهات النظر حول تعزيز التفاعل البناء حول القضايا الراهنة، ومناقشة مشاكل الاستقرار العالمي والإقليمي، إضافة إلى مختلف جوانب الأمن في آسيا، وإفريقيا، والشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا.
ويهدف هذا المؤتمر الى تعزيز التفاعل بين المنظمات العسكرية لمختلف البلدان، لإيجاد طرق مشتركة للتعامل مع التحديات والتهديدات الجديدة.
يذكر ان مؤتمر موسكو الأمني بدأ لأول مرة في عام 2012 بعد ما سمي “الربيع العربي” في الشرق الأوسط، والذي واجه العالم تحديا جديا، لإيجاد حلول للتعامل مع هذه الأزمات العالمية، ومنذ ذلك الحين، يُعقد كل عام بين ممثلين من مختلف البلدان.
مؤتمر موسكو حول استبدال النظام الغربي
مؤتمر موسكو الأمني ، الذي عقد هذا العام في خضم الحرب في أوكرانيا، جدير بالملاحظة من عدة نقاط ، روسيا التي تستعد لخلق نظام عالمي جديد خارج هيمنة الغرب وفتحت حسابا خاصا للدول الصديقة لتحقيق هذا الهدف، بمثل هذه اللقاءات تحاول توفير الظروف لهيكل عالمي جديد، وهذه الاجتماعات فرصة جيدة لتقديم تبادل الآراء وعرض وجهات النظر لمزيد من التعاون، حيث يمكن أن يتخذ مؤتمر موسكو، الذي يركز على الدول النامية في آسيا وأفريقيا، بطريقة ما شكل نادي حوار عالمي هدفه إرساء السلام والاستقرار العالميين.
مؤتمر موسكو الأمني يوازي مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي أصبح أداة في أيدي الولايات المتحدة وحلفائها لتنظيم الأمن العالمي بالطريقة التي يريدونها.
اجتماع ميونيخ الأمني يعقد كل عام للتعامل مع التحديات الأمنية للعالم، لكن التجربة أثبتت أنه في كل أزمة إقليمية ودولية يمكن رؤية آثار الغرب فيها، وادعاء القادة الأمريكيين والأوروبيين أن حل هذه التحديات ليس أكثر من شعار، والغرب جزء من تلك الأزمات، حيث إن عدم دعوة روسيا لحضور اجتماع العام الماضي في ميونيخ بحجة الحرب الأوكرانية دفع الروس أكثر نحو تشكيل هياكل غير غربية في العالم، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يسعى مؤتمر موسكو الأمني إلى إظهار أنه على عكس الأنظمة الغربية، لا يسعى للتدخل في أوضاع الدول والتوسع وخلق الأزمات في مناطق مختلفة من العالم، لكنه يحاول إيقاف زعزعة استقرار الغربيين.
إفريقيا مهمة جدًا للروس
يذكر ان روسيا في السنوات الأخيرة بذلت الكثير من الجهود لزيادة نفوذها في القارة السمراء من خلال توسيع علاقاتها مع الأفارقة، وبعد حرب أوكرانيا تضاعف اهتمام موسكو بإفريقيا، وعقد اجتماع اقتصادي مع الدول الأفريقية في تموز/ يوليو الماضي دليل على ذلك.
وجود هذه الدول في المنظمات الموالية لروسيا، بما في ذلك شكل “بريكس ومؤتمر موسكو الأمني”، سيزيد من وزن وموقف الروس تجاه الغرب، وقد أظهر الأفارقة أنفسهم استعدادهم لقبول دور في المنافسة العالمية للقوى العظمى لتطوير نفوذها في القارة السوداء .
مؤتمر الأمن الدولي الذي عقدته روسيا ، يعكس رغبة دولية متزايدة في احداث تغيير جذري في بنية النظام الدولي الحالي، والانتقال من نظام غربي أحادي القطبية لنظام دولي متعدد الأقطاب، وبالتالي تقسيم النفوذ العالمي بين القوى الغربية القديمة و القوى الشرقية الجديدة المتمثلة في دول كالصين وروسيا والهند، فالنظام الدولي العادل هو مطلب لكل الشعوب التي عانت خلال الحقبة الاستعمارية الغربية المختلفة، كالحقب الفرنسية والبريطانية والأمريكية من الظلم والاضطهاد والاستعباد، وفرض عليها أن تبقى سيادتها واستقلالها الجزئي مرهونين بالخضوع والاستسلام للإرادة الأمريكية.
عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني





