الرئيسيةزواياأقلام واراءالفيتو الأمريكي.. عدوان جديد على المنظمة الدولية ومصداقيتها .. بقلم: خليل حمد

الفيتو الأمريكي.. عدوان جديد على المنظمة الدولية ومصداقيتها .. بقلم: خليل حمد

عدوان على الأمم المتحدة نفسها، هو ما يمثله الفيتو الأمريكي الأخير في مجلس الأمن الدولي ضد مشروع قرار يوصي بقبول فلسطين عضواً كاملاً في المنظمة الدولية. هو نفس الفيتو الذي – وكلما رفعته اليد الأمريكية – يدق مسماراً جديداً في نعش منظمة كان من المفترض منها أن تكون ” المكان الوحيد على الأرض حيث يمكن لجميع دول العالم أن تتجمع معًا وتناقش المشكلات المشتركة وتجد حلولًا مشتركة تفيد البشرية جمعاء”. النقاش في الثقافة الأمريكية ليس موجوداً، الفيتو هو السائد عندما يتعلق الأمر بـ “إسرائيل”.

مشروع القرار حصد تأييد 12 صوتاً من بين أعضاء المجلس المكون من 15 عضواً، وعارضته الولايات المتحدة، فيما امتنعت دولتان عن التصويت. فيتو كان كافياً لإسقاط مشروع القرار الذي تقدمت به الجزائر. العرقلة الأمريكية لإحقاق الحق وتنفيذ مبادئ ومقاصد الامم المتحدة ليس جديداً بالتأكيد، لكنه يشكل فضيحة جديدة لكل المزاعم الأمريكية والغربية عموماً حول حل الدولتين، وإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وفقاً للشرعية الدولية.

هذا هو الرأي الذي عبر عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، معتبراً أن “استخدام الفيتو موقف أميركي مخزٍ ويشكل عدواناً سافراً. فواشنطن التي ترفض إلزام الاحتلال الإسرائيلي بوقف الإبادة الجماعية في غزة لا تزال تدعم تل أبيب كي تستمر باحتلالها وجرائمها، بل وتضعف السلطة الفلسطينية لهذه الغاية، تمهيداً ربما لإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية، فوفقاً لعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، د. أحمد مجدلاني: الفيتو الأمريكي يشكل “استمراراً لنهج الشراكة الأمريكية مع الاحتلال للأراضي الفلسطينية، ليؤكد للعالم أجمع أن من يحمي دولة الاحتلال ويساعدها في عدوانها على الشعب الفلسطيني هي الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الكيان الصهيوني وظيفي لخدمة الإمبريالة في المنطقة”.

إنقاذ حل الدولتين، وهو الحل الذي يُفترض به أن يكون نهاية المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، ليس وارداً في قاموس واشنطن. ما يهم إدارة جو بايدن والإدارات التي سبقتها والتي ستليها هو أن يستمر المشروع الصهيوني، وهذا غير ممكن إذا ما تم الاعتراف بدولة فلسطين. تريد واشنطن إبقاء المنطقة على صفيح ساخن، لا سلام مزعوماً إلا ما يمكِّن الأمريكي من استمرار سرقة ثرواتنا وتأمين تفوُّق الصهيوني على كل محيطه “المنزوع المخالب” بفضائل التطبيع، وكل التصريحات عن “حل الدولتين” كذب وأوهام أمريكية لتخدير الجميع.

الفيتو استهدف فيما استهدف أيضاً مسار اتفاقيات أوسلو، الذي بدأ منذ ثلاثين عاماً على أمل الوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية. التصرف الأمريكي يؤكد أن فكرة المفاوضات ما كانت إلا محاولة لشراء الوقت كي تتمكن “إسرائيل” من تعميق احتلالها للأرض وقمعها للشعب وجرائمها بحق الإنسانية في فلسطين. الفيتو إذاً “إسرائيلي” وليس أمريكياً، كما كل فيتو استخدمته واشنطن لحماية تل أبيب، فهذا الاعتراض الأمريكي – وبلا مصادفة – يتناغم مع تصويت الكنيست الإسرائيلي بالأغلبية في شباط/ فبراير الماضي برفض الاعتراف بقيام دولة فلسطينية.

كل هذا يعني أن عقلية الاستعمار التي تحكم تصرفات الولايات المتحدة لا تؤهلها كي تكون وسيطاً في أي عملية سياسية مستقبلية، وفقاً للدكتور مجدلاني، الذي أشار إلى أنه يجب إنهاء احتكار واشنطن لمنطقة الشرق الأوسط. هنا يكمن بيت القصيد، من الضروري أن تدرس القيادة الفلسطينية الخطوات القادمة جراء الفيتو الأمريكي، بما في ذلك العلاقة والاتصالات مع الإدارة الأمريكية، باعتبارها شريكاً للاحتلال وعدواً لحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة .

انتقادات الفيتو شملت الجامعة العربية، مصر، الأردن، السعودية، الإمارات، قطر، العراق، لبنان، سورية، كلها أدانت القرار فيما تعهدت الجزائر، صاحبة مشروع القرار بـ “العودة بقوة” بدعم من شرعية الجمعية العامة و”الدعم الأوسع” من أعضاء الأمم المتحدة حول العضوية الكاملة لفلسطين. خطوة سياسية مهمة، لكن خطوات يجب أن تتزامن معها. ما الذي يمنع السلطة الفلسطينية والدول العربية من مطالبة واشنطن أن تقدم بشكل واضح وصريح رؤيتها الكاملة لطريقة الوصول إلى الدولة الفلسطينية. مطالبة من شأنها أن تكشف ما خفي من مراوغة واشنطن وتضعها أمام استحقاق الشرعية الدولية مرة أخرى.

والشرعية الدولية معنية أيضاً أن تكون حقيقية مع ذاتها ولو لمرة واحدة. علينا حشد الجهود لتعليق عضوية “إسرائيل” كمقابل لمنع عضوية فلسطين، خطوة من شأنها أن تضع المجتمع الدولي أمام استحقاق الصدق، خصوصاً في ظل الغضب العالمي من جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها سلطات الاحتلال في غزة. حملة تهدف إلى إعادة القطار إلى سكته، وتنفيذ ما تجاهلته تل أبيب عمداً كـ “وثيقة الاعتراف المتبادل”، ووقف الاستيطان والتهويد في الضفة، وطبعاً وقف الحرب على غزة وتحقيق الوحدة الجغرافية للضفة والقطاع. الأهم من هذا كله أن لا تبقى واشنطن “راعياً” وحيداً لـ “عملية السلام”، بل إعادة الحياة للرباعية الدولية، إشراك الرباعية العربية (الجامعة العربية، مصر، الأردن والمملكة العربية السعودية)، والإقرار بضرورة معاقبة من يعرقل جهود الحل.

حتى البدء بتنفيذ هذه الخطوات، ستبقى الإدارة الأمريكية تراوغ، وستستمر الحرب على القطاع والضفة وعموم فلسطين، والأخطر أن العدوان سيستمر على فكرة القضية الفلسطينية التي تؤرِّق واشنطن بقدر ما تؤرِّق تل أبيب، ويبقى لنا الفعل المقاوم بكل أشكاله، والذي يكفل وحده وبالقوة أن تبقى قضية فلسطين حية حتى إحقاق الحق بالتحرير والعودة.

 

عضواللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني  .

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب