الرئيسيةزواياأقلام واراءنضال متجدد .. بقلم: محمد علوش

نضال متجدد .. بقلم: محمد علوش

 

حين تدخل جبهة النضال الشعبي الفلسطيني عامها التاسع والخمسين، فإنها لا تستعيد مجرد تاريخ تنظيمي، ولا تحتفي بذكرى عابرة في روزنامة العمل الوطني، بل تستحضر مسيرة شعب بأكمله، وتجربة سياسية وكفاحية وفكرية امتدت عبر محطات النهوض والانكسار، والثبات والمراجعة، لتؤكد أن التنظيمات الوطنية الحقيقية لا تقاس بأعمارها الزمنية، وإنما بقدرتها على البقاء في قلب القضية، وعلى تجديد مشروعها الوطني بما ينسجم مع التحولات التاريخية، دون أن تتخلى عن مبادئها المؤسسة.

لقد ولدت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في الخامس عشر من تموز/يوليو 1967، في أعقاب نكسة حزيران، عندما كانت الأمة العربية والفلسطينيون يواجهون واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخهم المعاصر، وفي تلك اللحظة المفصلية، اختارت الجبهة طريق المقاومة والنضال، مؤمنة بأن الاحتلال مهما امتلك من أسباب القوة، فإن إرادة الشعوب قادرة على صناعة المستقبل وانتزاع الحرية.

وعلى امتداد تسعة وخمسين عاماً، لم تكن الجبهة مجرد تنظيم سياسي، بل شكلت مدرسة وطنية جمعت بين الكفاح الوطني، والالتزام الديمقراطي، والانحياز للعدالة الاجتماعية، والإيمان بوحدة الشعب الفلسطيني، واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، والإطار الوطني الجامع الذي ينبغي تطويره وتعزيز دوره على أسس ديمقراطية وشراكة وطنية حقيقية.

لقد شاركت الجبهة في مختلف مراحل النضال الفلسطيني، وقدمت قوافل من الشهداء والأسرى والجرحى، وأسهمت في بناء المؤسسات الوطنية والنقابية والجماهيرية، وظلت حاضرة في ميادين العمل السياسي والاجتماعي والنقابي، مدافعة عن حقوق العمال والفلاحين والمرأة والشباب، ومؤمنة بأن معركة التحرر الوطني لا تنفصل عن معركة العدالة الاجتماعية وصون كرامة الإنسان.

وفي مسيرتها الفكرية، انطلقت الجبهة من رؤية تقدمية ديمقراطية، رأت في القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني وإنساني في مواجهة مشروع استعماري استيطاني إحلالي، يستهدف الأرض والإنسان والهوية، ولذلك، لم تنظر إلى النضال الفلسطيني باعتباره شأناً محلياً فحسب، بل بوصفه جزءاً من النضال الإنساني ضد الاستعمار والعنصرية والهيمنة، الأمر الذي رسخ علاقاتها مع القوى التقدمية وأحزاب اليسار وحركات التحرر في العالم.

واليوم، تواجه القضية الفلسطينية تحديات غير مسبوقة، في ظل حرب الإبادة والتجويع التي يتعرض لها شعبنا في قطاع غزة، وتصاعد العدوان والاستيطان في الضفة الغربية والقدس، ومحاولات تهجير الفلسطينيين وتقويض الحقوق الوطنية، إلى جانب استمرار الانقسام الداخلي وما يتركه من آثار خطيرة على وحدة النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على مواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي.

إن هذه المرحلة تفرض على جميع القوى الوطنية، وفي مقدمتها جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، مسؤولية مضاعفة لتجديد الفكر السياسي، وتطوير أدوات العمل التنظيمي والجماهيري، وتعزيز حضور الشباب والمرأة، والانفتاح على التحولات العالمية، مع التمسك بالثوابت الوطنية، وبحق شعبنا في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.

كما تفرض الحاجة إلى إعادة الاعتبار للدور التاريخي لليسار الفلسطيني، بوصفه قوة تنويرية وديمقراطية، قادرة على الربط بين التحرر الوطني والتنمية والعدالة الاجتماعية، وبين مقاومة الاحتلال وبناء المجتمع، بما يفتح آفاقاً جديدة لاستعادة ثقة الجماهير، وخاصة الأجيال الشابة التي تتطلع إلى خطاب سياسي معاصر يجمع بين وضوح الرؤية وفاعلية الأداء.

إن التجارب التاريخية تؤكد أن التنظيمات التي تبقى حية هي تلك التي تمتلك شجاعة النقد الذاتي، وقدرة التجديد، دون أن تتخلى عن هويتها أو مبادئها، ومن هنا، فإن دخول جبهة النضال الشعبي الفلسطيني عامها التاسع والخمسين ليس مناسبة للاحتفاء بالماضي فحسب، بل محطة لتجديد العهد مع الشهداء والأسرى، ومع جماهير شعبنا، ومع المشروع الوطني الفلسطيني الذي ما زال بحاجة إلى وحدة الصف، وإرادة الفعل، وتجديد أدوات النضال في مواجهة الاحتلال.

بعد تسعة وخمسين عاماً، تبقى جبهة النضال الشعبي الفلسطيني وفية لاسمها ورسالتها، تستمد قوتها من تضحيات مناضليها، ومن انحيازها الدائم لقضايا شعبها، ومن إيمانها بأن الحرية لا تمنح، بل تُنتزع بالنضال والصمود والوحدة، وهكذا، تواصل مسيرتها بثقة، حاملة راية الوطن، ومؤمنةً بأن فلسطين ستبقى قضية حق وعدالة، وأن المستقبل سيكون لشعبها مهما طال ليل الاحتلال.

إنها مسيرة لم تنقطع، وإرادة لم تلن، ورهان على المستقبل لا يخبو؛ ولذلك ستظل جبهة النضال الشعبي الفلسطيني عنواناً لـ “نضال متجدد”، يستمد قوته من تاريخه، وشرعيته من انحيازه لشعبه، وآفاقه من إيمانه الراسخ بأن الحرية والاستقلال حتمية تاريخية لا بد أن تتحقق.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب