الرئيسيةزواياأقلام واراءهل يمتلك اليسار العربي مشروعه المستقل؟ مراجعة في أزمة النموذج.. ولماذا اختارت...

هل يمتلك اليسار العربي مشروعه المستقل؟ مراجعة في أزمة النموذج.. ولماذا اختارت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الاشتراكية الديمقراطية؟ … بقلم : محمد علوش

منذ بدايات القرن العشرين، شكّل اليسار العربي أحد أبرز روافد حركة التحرر الوطني، وأسهم في مقاومة الاستعمار، والدفاع عن حقوق العمال والفلاحين، وترسيخ قيم العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدم تضحيات كبيرة في سبيل بناء مجتمعات أكثر حرية وإنصافاً، غير أن هذا التاريخ، بكل ما يحمله من نضال وعطاء، لا يعفيه من مساءلة تجربته الفكرية والسياسية، ولا يحجب حقيقة أن إحدى أعمق أزماته تمثلت في عجزه عن إنتاج مشروع نظري عربي مستقل، يستمد شرعيته من واقع مجتمعاتنا، ويجيب عن أسئلتها الخاصة، بدل الاكتفاء باستعارة الإجابات التي صاغتها تجارب أخرى في سياقات تاريخية مختلفة.
فاليسار، في جوهره، ليس ذاكرة نضالية، ولا مجموعة من الشعارات، بل مشروع تاريخي مفتوح لإعادة تنظيم المجتمع على أسس الحرية والعدالة والمشاركة، وعندما يتوقف هذا المشروع عن إنتاج المعرفة، ويتحول إلى مجرد حارس للنصوص أو مفسر لها، يفقد تدريجياً قدرته على التأثير في الواقع، مهما كان تاريخه مشرفاً.
لقد عرف اليسار العربي مدارس فكرية متعددة، وتأثر بالتجربة السوفييتية، ثم الصينية، ولاحقاً بالاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، كما تابع تجارب أمريكا اللاتينية، ولم يكن هذا التفاعل خطأً في ذاته؛ فالفكر الإنساني يتطور بالحوار والتبادل، لكن المشكلة بدأت عندما تحولت الاستفادة إلى تبعية، والاجتهاد إلى اقتباس، والمرجعيات إلى نصوص مغلقة، بينما غاب السؤال الأهم: ماذا يحتاج المجتمع العربي فعلاً؟
ومن هنا بقي السؤال المؤجل يلاحق اليسار العربي: لماذا لم ينتج نموذجاً اشتراكياً عربياً، كما أنتجت الصين اشتراكيتها ذات الخصائص الصينية، وطورت فيتنام تجربتها الوطنية، وبلورت أوروبا صيغها الديمقراطية الاجتماعية؟
لقد أثبت التاريخ أن الأفكار الكبرى لا تعيش بالنسخ، بل بالتجدد، وما من تجربة ناجحة إلا وكانت ابنة واقعها، لا نسخة من واقع غيرها.
لقد ظل العالم العربي، في معظم مراحله، مستهلكاً للنظريات أكثر منه منتجاً لها، وكانت النتيجة أن بقيت الأحزاب اليسارية تتحرك داخل خرائط فكرية رسمها آخرون، بينما كانت مجتمعاتها تواجه تحديات مختلفة جذرياً: الاحتلال، والاقتصاد الريعي، وضعف التصنيع، والبطالة، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وأزمات الدولة الوطنية، والتحولات الديموغرافية، والثورة الرقمية، وتغير بنية الطبقات الاجتماعية.
إن هذه التحولات لا يمكن مقاربتها بوصفات جاهزة، فالنظرية التي لا تولد من الواقع تتحول، مع الزمن، إلى عبء عليه.
ولعل أخطر ما واجهه اليسار العربي أنه انشغل طويلاً بحراسة المرجعيات أكثر من انشغاله بإنتاج المعرفة، فتحول النقاش في كثير من الأحيان إلى دفاع عن النصوص، بينما كان الواقع يطرح أسئلة جديدة لم تكن مطروحة قبل نصف قرن.
فلم يعد العامل هو الصورة الكلاسيكية نفسها، ولم تعد الدولة هي الدولة ذاتها، ولم يعد الاقتصاد يقوم على المصنع وحده، بل دخل عصر المعرفة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإنتاج العالمية، ومع ذلك، بقي جزء من الخطاب اليساري العربي أسير أدوات تحليل تنتمي إلى زمن آخر.
ومن هنا، فإن الأزمة الحقيقية ليست أزمة تنظيمات، ولا أزمة انتخابات، بل أزمة نموذج.
والنموذج لا يعني تغيير المصطلحات، بل إنتاج رؤية متكاملة للدولة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والبيئة، والابتكار، والعدالة الضريبية، والتحول الرقمي، وحقوق الإنسان، والمشاركة السياسية.
وفي الحالة الفلسطينية، يكتسب هذا السؤال بعداً أكثر تعقيداً، فالاحتلال لم يصادر الأرض فقط، بل أعاد تشكيل الاقتصاد، وأضعف التنمية، وعمّق التبعية، وفرض أولويات وطنية ضاغطة جعلت سؤال التحرر يتقدم على كثير من الأسئلة الاجتماعية، من دون أن يلغيها.
وهنا برزت معضلة اليسار الفلسطيني، فقد نجح في أن يكون جزءاً أصيلاً من حركة التحرر الوطني، لكنه وجد نفسه، شأنه شأن اليسار العربي، أمام ضرورة مراجعة أدواته الفكرية، حتى لا يتحول إلى شاهد على التحولات بدل أن يكون شريكاً في صناعتها.
ومن بين التجارب التي استحقت التوقف عندها، تبرز تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، ليس لأنها تدّعي امتلاك الحقيقة، وإنما لأنها خاضت مراجعة فكرية هادئة، انطلقت من سؤال بالغ الأهمية: هل يكفي أن نحافظ على الشعارات القديمة، أم أن الوفاء الحقيقي للفكر الاشتراكي يقتضي إعادة إنتاجه في ضوء الواقع الفلسطيني والعربي الجديد؟
لقد جاءت مراجعات الجبهة نتيجة مسار طويل من الحوار الداخلي والقراءة النقدية، ولم تكن استجابة ظرفية لتحولات دولية أو إقليمية، فقد أدركت أن قوة الحزب لا تقاس بمدى تمسكه بالمفاهيم القديمة، وإنما بقدرته على تطويرها، وإعادة تعريفها، وتحويلها إلى سياسات قابلة للحياة.
ومن هنا، لم يكن اختيار الاشتراكية الديمقراطية انتقالاً من ضفة أيديولوجية إلى أخرى، ولا تراجعاً عن المبادئ المؤسسة، بل كان تعبيراً عن قناعة فكرية بأن الاشتراكية ليست عقيدة مغلقة، وإنما مشروع إنساني متجدد، يتغير بتغير المجتمع، ويعيد صياغة أدواته كلما تغيرت شروط التاريخ.
لقد انطلقت الجبهة من فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق من دون ديمقراطية، وأن الديمقراطية تفقد معناها إذا لم تقترن بالعدالة الاجتماعية، فلا حرية حقيقية مع الفقر والإقصاء، ولا مساواة فعلية في ظل الاحتكار والتمييز، ولا تنمية مستدامة من دون مشاركة سياسية ومؤسسات قوية.
لكن القيمة الفكرية لتجربة الجبهة لا تكمن فقط في تبني مفهوم الاشتراكية الديمقراطية، بل في المنهج الذي قاد إلى هذا الخيار، فقد رفضت أن تكون أسيرة ثنائية جامدة بين اقتصاد السوق المنفلت والدولة الشمولية، وسعت إلى بلورة تصور يقوم على دولة اجتماعية ديمقراطية، واقتصاد منتج، وعدالة ضريبية، وحماية للعمال والفئات الهشة، وتشجيع المبادرة والابتكار، وربط التنمية بالمعرفة.
وفي هذا الإطار، أعادت الجبهة النظر في مفهوم اليسار نفسه، فلم تعد ترى اليسار تعبيراً عن طبقة واحدة بالمعنى التقليدي، وإنما مشروعاً اجتماعياً واسعاً يضم العمال، والموظفين، والمعلمين، والمهنيين، والمزارعين، والمرأة، والشباب، ورواد الأعمال المنتجين، والمثقفين، وكل الفئات التي تتقاطع مصالحها مع بناء مجتمع ديمقراطي عادل ومنتج.
إن هذا التحول لا يعني التخلي عن جوهر الفكر الاشتراكي، بل تحريره من الجمود، وإعادته إلى مهمته الأصلية: الدفاع عن الإنسان، وصون كرامته، وتوسيع فرصه في التعليم والعمل والصحة والمشاركة.
كما أدركت الجبهة أن القضية الفلسطينية نفسها لا يمكن اختزالها في بعدها الوطني وحده، فالمشروع الوطني يحتاج إلى مشروع اجتماعي يحمي المجتمع من التفكك، ويعزز صموده، ويبني اقتصاداً قادراً على مقاومة التبعية، ويؤسس لدولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة والعدالة.
ومن هنا، فإن تجربة الجبهة تمثل محاولة فلسطينية لإنتاج قراءة جديدة للاشتراكية، تستفيد من التجارب العالمية، لكنها لا تستنسخها، وتستوعب التراث الماركسي، لكنها لا تتعامل معه بوصفه نصاً مغلقاً، بل باعتباره تراثاً نقدياً قابلاً للتطوير.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن يستفيد منه اليسار العربي، فالقضية ليست اختيار مرجعية جديدة، وإنما امتلاك القدرة على إنتاج المرجعية انطلاقاً من الواقع العربي نفسه.
إن العالم يشهد اليوم تحولات غير مسبوقة؛ فالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وأزمات المناخ، والتحولات الديموغرافية، وإعادة تشكيل سوق العمل، كلها تفرض على اليسار أن يعيد تعريف مفاهيم العمل والإنتاج والملكية والعدالة والدولة، ولا يمكن لأي يسار أن يستعيد حضوره إذا ظل يقرأ هذه التحولات بأدوات القرن الماضي.
إن المهمة المطروحة أمام اليسار العربي اليوم ليست الدفاع عن الماضي، بل إنتاج المستقبل؛ مستقبل يقوم على الاستقلال الفكري، ويحرر العقل العربي من التبعية النظرية، ويؤسس لاشتراكية ديمقراطية عربية تستلهم القيم الإنسانية الكبرى، لكنها تنطلق من واقعها الوطني والاجتماعي.
إن تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني لا تقدّم هنا باعتبارها نموذجاً مكتملاً أو نهاية للنقاش، بل باعتبارها محاولة جادة لفتح باب الاجتهاد، وكسر منطق النقل، وإعادة الاعتبار للفكر بوصفه عملية إنتاج لا استهلاك، وللنقد بوصفه شرطاً للتجديد لا خروجاً على المبادئ، ولذلك، فإن أهمية هذه التجربة لا تكمن في أنها أجابت عن جميع الأسئلة، بل في أنها تجرأت على طرح الأسئلة الصحيحة؛ وهي أسئلة تتجاوز فلسطين إلى مجمل اليسار العربي: كيف نبني حزباً ينتج المعرفة؟ وكيف نصوغ مشروعاً وطنياً واجتماعياً في آن واحد؟ وكيف نوفق بين الحرية والعدالة، وبين الاقتصاد المنتج والحماية الاجتماعية، وبين الهوية الوطنية والانفتاح على التجربة الإنسانية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل اليسار العربي، فالأحزاب لا تقاس بما ورثته من أفكار، بل بما تضيفه إليها، والمشروعات الكبرى لا تولد من تكرار الماضي، بل من القدرة على إعادة قراءته ونقده وتجاوزه.
إن اليسار العربي لن يستعيد مكانته التاريخية بمجرد استحضار أمجاد القرن العشرين، وإنما عندما يمتلك الشجاعة الفكرية لإنتاج مشروع عربي مستقل، يجعل من الاشتراكية مشروعاً للتحرر الوطني، والديمقراطية السياسية، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.
ولعل تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، بما حملته من مراجعات واجتهادات، تمثل إحدى المحاولات العربية الجادة في هذا الاتجاه؛ فهي لا تدّعي الكمال، لكنها تؤكد أن المستقبل لا يصنعه من يكرر الأفكار، بل من يمتلك الجرأة على إنتاجها.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب