الأحد, أبريل 19, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءالعالم العربي..والترنح بين الأزمات ... بقلم : د.فريد اسماعيل

العالم العربي..والترنح بين الأزمات … بقلم : د.فريد اسماعيل

عقود طويلة وعالمنا العربي يترنح بين أزمة وأخرى. ولو نظرنا في ثنايا الأحداث التاريخية الكبرى لوجدنا أن “الأزمة ” بمعناها العام على مر العصور تتوسط المراحل المهمة في حياة الشعوب. فبين كل مرحلة تاريخية ومرحلة جديدة ثمة أزمة تحرك الشرائح المجتمعية وتشعل الصراع وتغوص في فضاءات تمهد السبيل لمرحلة جديدة وتغيير مقبل تنتهي معه تلك الأزمة، إلا في عالمنا العربي الذي يشكل سلسلة من أزمات متراكمة تتخللها مراحل قصيرة من الحلول المؤقتة. فقد شهد الشرق الأوسط العديد من الاحتلالات وسيطرة الامبراطوريات على مر العصور بدءا من العصور القديمة وحتى العصور الحديثة، منها الرومانية والبارثية والفارسية والبيزنطية وغيرها وصولا الى الإمبراطورية العثمانية التي كتبت نهايتها الحرب العالمية الأولى، ليحل محلها استعمار من نوع جديد تحت مسمى ” الانتداب” , أعاد هندسة المنطقة وزرع كيانا هجينا مصطنعا في الجزء الأكبر من فلسطين اسماه “إسرائيل “.

وبذلك،فإن منطقتنا العربية بجغرافيتها وتاريخها على مر العصور، قلما شهدت تطورا مجتمعيا منطلقا من ذاتيتها وارادتها، وإنما كانت في الغالب حبيسة إرادة ومشاريع الغزاة والمستعمرين والمنتدبين. وقد ترك ذلك أثره حتى على طرائق التفكير لدى الفرد كما لدى المجموعة في هذه المنطقة من العالم. فقد عمل الغزو الفكري والعقائدي على زعزعة الولاء الوطني للمواطن، وزرع الولاء الطائفي والجهوي بديلا للولاء الوطني، حيث أصبحت فلسفة “المتلقي أو المستقبل” بمثابة نظام قائم بحد ذاته تنقسم فيه المجتمعات بين مؤيد لمشروع هذه الدولة الخارجية أو تلك، لا سيما وإن هذه الدول وكذلك المجموعات المنظمة والمتمرسة ماهرة في تغليف مشاريعها باطارات تتناسب مع فكر المتلقي ووجدانه، وأهمها الإطار الديني والمذهبي والطائفي، وتداعب حتى مكنونات طموحاته الوطنية. إنها عملية ترويض العقول وغسل الادمغة التي تجد لها في منطقتنا العربية الأرض الخصبة.

ولذلك لا عجب أن نرى النخب العربية عاجزة عن القيام بدورها الطبيعي، ويظهر هذا بجلاء في الظروف العصيبة التي تمر بها المجتمعات العربية. فغيبوبة النخب العربية قائمة ايا كان الفاعل، عدوا خارجيا كما في حال العدوان الهمجي الصهيوني على فلسطين وما يمارسه من حرب إبادة وتجويع وتهجير وتطهير عرقي وقتل ممنهج، أو جماعات مرتبطة باجندات خارجية تستظل الدين مبررا للبقاء في السلطة ولسلوك خال من كل قيمة تحملها عادة الثورات وقوى التغيير التي لها عادة ادبياتها وأثرها في الحياة الفكرية والاجتماعية والنضالية، وتكون محور النشاط الفكري لدى النخب المثقفة.

وعلى الصعيد الرسمي العربي، فإن الدول العربية تأخرت في إدراك أن الخطر ليس موجها لمصالح هذه الدولة أو تلك، وإنما لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة ذاته، وان التهديد بهذا المعنى شامل في مداه وخطير في ابعاده، وان مواجهته تتطلب شمولا في الرؤية ووحدة في التحرك وتنسيقا في العمل. وأصبح الاستقطاب واضحا في العالم العربي بين من يرفعون لواء الدولة الوطنية وبين من يعادونها ولا يعترفون بها، ويوجهون الولاء لما عداها من انتماءات تدخل معظمها في نطاق “الدين السياسي ” أو “تسييس الدين” فضلا عما يتعمده هؤلاء من خلط مجحف بين ممارسة السياسة والانخراط في عنف لا يخدم سوى ولاة أمورهم. وقد كان ملاحظا خلال السنوات الأخيرة حالة التضخم والانتفاخ الغير مسبوقة للتيارات الدينية، خاصة وإن الخصوم الاقليميين والطامعين ببسط نفوذهم وهيمنتهم على المنطقة يوظفون هذا الوضع لصالحهم ويتغلغلون من خلال هذه الثغرات والازمات في الجسد العربي، يساعدهم أيضا في ذلك استمرار تعامل الدولة في العالم العربي مع مواطنيها عبر الأجهزة الأمنية، حتى وإن توفرت فيها بعض أشكال الديمقراطية فهي شكلية وتمارس القهر بقفازات ناعمة. وفي هذه الدول تعاني الاقليات من ضعف مستوى مشاركتها في الحياة العامة، مما يتيح المجال للتدخلات الخارجية للنفاذ من خلال هذه الثغرة لتمزيق النسيج الاجتماعي والوطني.

لقد كان رهان الكثيرين أن تبقى فلسطين بعيدة عن هذه الأزمات ولأسباب عدة. فالنضال الفلسطيني الممتد منذ ظهور الصهيونية وحتى اليوم كان يجب ان يشكل جدارا مانعا لهذه الأزمات، لا سيما وان الثورة الفلسطينية المعاصرة ومنذ انطلاقتها العام ١٩٦٥ شكلت بنضالها وريادتها واستيعابها للاحرار من كل الشعوب المقهورة، طليعة لحركة التحرر الوطني والعالمي ونموذجا لكل المناضلين في العالم من أجل الحرية والاستقلال والعدالة وتقرير المصير والتخلص من الاستعمار والاستبداد. وبفضل هذا النضال تمكن شعبنا بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية من بناء سلطته الوطنية على ارضنا وعودة القيادة الفلسطينية واعداد من أبناء شعبنا من الشتات إلى ارض الوطن. لكن المتغيرات التي عصفت بالعالم والاقليم خلال العقود الأخيرة، واستمرار الهجمة الصهيونية بمختلف أشكالها، سمح للعديد من قوى الخارج بالنفاذ واستخدام البعض الفلسطيني أدوات في مشاريعهم الاقليمية، إلى أن وصلنا إلى هذا الحال من الانقسام البغيض وفرصة لدولة الاحتلال لمحاولة القضاء على كل ما هو فلسطيني من خلال حروب الإبادة والتجويع والتهجير والتطهير.

ان تشريح مسببات الأزمات في عالمنا العربي من حيث الجذور التاريخية والنخب والشعوب والجماعات والانظمة والتدخلات الخارجية، يمكن أن يسهم في فهم طبيعتها وبالتالي العمل على محاولة تقليص

ارتداداتها السلبية بالحد الأدنى. ففهم طبيعة الداء يساهم وبشكل كبير في العلاج وإيجاد الدواء.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب