لا يتسا قط الموت على رؤوس أبناء غزة من طائرات أو فوهات مدافع وبنادق ورشاشات فقط. في غزة للموت عشرات الوسائل التي يضرب فيها بكل ضجيج وضوضاء، غير شاعر بالحياء من دماء أهلنا المكلومين المظلومين المحاصرين. تتفنن “إسرائيل” في وسائل القتل التي تمارسها في كل فلسطين، إلا أن أخطرها بالتأكيد: “سلاح التجويع”.
لم يخترع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي وأركان حربه أداة جديدة لمحاولة كسر إرادة الشعب الذي لم تقهره كل أنواع الأسلحة، بل أعاد استنساخ أسوأ وأفظع أسلحة القتل الجماعي والإبادة العرقية، وهو منع أبسط حقوق المواطن الفرد كجزء من جريمة عقاب جماعي تطال الأبرياء فقط، أطفالاً ونساء وشيوخاً. استنساخ مبني على تجارب الغرب الكثيرة التي خاض فيها حروبه ضد دول وأمم بسلاح التجويع والحصار ومنع لقمة العيش، في محاولة لهزيمة شعب بأكمله، أو لفرض تغيير ديمغرافي وسياسي.
في غزة، يستخدم الاحتلال هذا السلاح على الطريقة النازية للسببين اللذين ذكرناهما سابقاً. والنتائج أكثر من خطيرة. أحدث تقارير الأمم المتحدة تُصنِّف الوضع الغذائي في القطاع في المرحلة الخامسة، المعروفة بوصف “كارثية” وفق تصنيف (IPC) العالمي لانعدام الأمن الغذائي، بعبارة أخرى ترد في التقرير: الوضع ينذر بخطر المجاعة. المنظمات الدولية الكبرى، ومنها “أوتشا” و”أونروا” و”أوكسفام” و”أنقذوا الأطفال” تتحدث عن نسبة تقارب الـ 90 % من أهالي القطاع يعانون يومياً بشكل غير إنساني كي يحصلوا على الحد الأدنى من قوت يومهم. آلاف الأطفال استشهدوا ويستشهدون بسبب نقص الغذاء والدواء. الأخطر أن الجيش الإسرائيلي يعترف بوجود قيود على إدخال وتوزيع المساعدات الإنسانية في القطاع، لكنه يتجاهل الاعتراف بالمجازر التي يرتكبها بحق منتظري المساعدات أو الباحثين عنها. باختصار: الإنسان في غزة أمام احتمال من اثنين كلاهما قاتلان: إما الموت جوعاً وإما الموت أثناء محاولة الحصول على “مساعدات”.
ولمن يقرأ التاريخ، ليست غزة التجربة الغربية الأولى في استخدام الحصار والتجويع ضد المناطق والمدن والبلدان والشعوب، لكن أوَّل من أعطاه الغطاء القانوني كان الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن في قانون “ليبر” عام 1863، وفيه: “من المشروع تجويع العدو المتحارب، سواء كان مسلحاً أو غير مسلح”، بهدف تسريع استسلامه، وللتكرار يجب التأكيد على فكرة “مسلح أو غير مسلح”. سياسة أمريكية أباحت استخدام التجويع سلاحاً، ولم يصدر أي تراجع رسمي عنها حتى العام 2015، أي أنها على مدى أكثر من قرن ونصف القرن شكلت جزءاً من الإدراك الأمريكي لما تمتلكه واشنطن من أسلحة حربية. فاستخدمتها بأكثر من أسلوب وفي أكثر من مرة لتنفيذ سياساتها وفرض إرادتها، ولعلَّ أحد أقرب الأمثلة التي نستذكرها مساومة العراقيين على مدى 12 عاماً (من 1991 إلى 2003) على لقمة العيش تحت معادلة “النفط مقابل الغذاء”.
النماذج كثيرة أيضاً. في الحرب العالمية الأولى عانى جبل لبنان حصاراً فرضته السلطات العثمانية التي كانت تحتل المنطقة العربية. خلَّفت المجزرة التي سببتها المجاعة إلى إزهاق أرواح نحو 200 ألف شخص، أي ما يعادل نصف سكان جبل لبنان. الأرقام مخيفة، لكنها لم تمنع صنَّاع الحروب على اختلاف مسمَّياتهم من تكرار المشهد بصورة أبشع.
في الحرب العالمية الثانية حاصرت قوات ألمانيا النازية مدينة لينينغراد السوفييتية (سانت بطرسبرغ حالياً). الحصار استمر لمدة 872 يوماً بين عامَي 1941 و1944، وضحاياه بلغوا نحو مليون إنسان.
في غزة، لم تتمكن المنظمات الإنسانية من تحديد أعداد الوفيات الحقيقية بسبب الحصار نظراً لتعدد أسباب الموت في القطاع المُنهك. رغم ذلك لم تعلن الأمم المتحدة ومنظماتها المعنية المجاعة رسمياً في القطاع، لأن الإعلان سيتضمَّن إقراراً واضحاً أن “إسرائيل” ترتكب جريمة حرب كاملة الأوصاف.
منذ العام 1919 بدأ ذكر استخدام سلاح التجويع في القوانين الدولية التي تنظِّم الحروب وأسلحتها، لكنه لم يُعتبر جريمة حرب صريحة حتى نهايات القرن العشرين. حظرت اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949 استهداف المدنيين بحرمانهم من المواد الضرورية لحياتهم، كما يؤكد البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقات جنيف الصادر عام 1977 على حظر استخدام التجويع سلاحاً في النزاعات الدولية المسلحة، ويمنع أيضاً تدمير الموارد الضرورية للمدنيين. صيغة مشابهة ينص عليها البروتوكول الإضافي الثاني.
وفي نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998 نصُّ يشير إلى أنَّ تجويع المدنيين عمدا عبر “حرمانهم من العناصر الأساسية لبقاء حياتهم، بما في ذلك تعمّد عرقلة إمدادات الإغاثة”، يُعدُّ جريمة حرب. لكنَّ الأمم المتحدة بشمولية موقعها الدولي انتظرت حتى العام 2018 لتتبنى قرارها “التاريخي” الذي يحمل الرقم 2417. قرارا أدان لأول مرة استخدام التجويع كأسلوب حرب، واعتبره جريمة حرب، لكن هذا الوصف لم يكن ملزماً قانوناً. فالقرار لم يجد طريقه إلى مجلس الأمن الدولي بسبب غياب إجماع الدول الخمس دائمة العضوية وصاحبة الفيتو. رسالة واضحة أن المحاسبة ستبقى غائبة إلى أجل غير مسمى رغم وضوح الجريمة وفاعلها.
الإفلات من العقاب لغياب الإرادة السياسية لدى القوى العظمى سمح لـ “إسرائيل” أن تواصل استخدام هذا السلاح الفتاك بحق الأبرياء في غزة، بل ومنحها الغطاء السياسي العالمي الرسمي وفقاً للخبراء القانونيين. فتحول التجويع إلى “سياسة ممنهجة تهدف إلى تدمير الحياة اليومية للأفراد” وفقاً للمنظمات الدولية غير الرسمية، التي تؤكد أن هذه الكارثة تعدَّت كونها “أثراً جانبياً للحرب”. وللتذكير فإن غزة تعاني الحصار منذ نحو عشرين عاماً، وليس الأمر وليد حرب الإبادة الأخيرة على القطاع. عشرون عاماً ساهمت في تسريع الآثار المدمِّرة للتجويع الحالي بالتأكيد.
يحاول بعض المنافقين القانونيين دولياً الربط بين “الدلائل الواضحة” و”إصدار قرار أممي يعاقب إسرائيل على جريمتها”، رغم أن الرأي العام العالمي بأسره يتحدث اليوم عن هذه الجريمة ويوضِّح مرتكبها بالصور والمقاطع المصورة، وبشهادات الصحفيين الاستقصائيين الذين يراقبون عن بعد بسبب منع “إسرائيل” لهم من الدخول إلى القطاع، 1وبتأكيدات من كوادر المنظمات الإنسانية القليلة جداً التي يُسمح لها بالدخول إلى القطاع ولو بشكل محدود، والأهم أن مرتكب الجريمة واضح باعترافات الجيش الإسرائيلي نفسه.
ما لا يفهمه الإسرائيلي أن التجارب التي ذُكرت سابقاً عن استخدام سلاح التجويع لم تأتِ بالنتائج المرجوَّة: رحل المحتلّون عن لبنان وبقي جبله صامداً شامخاً قويَّاً بأهله. حوصرت لينينغراد أكثر من 28 شهراً، لكنها انتصرت على النازية. تغيَّر الكثير في العراق لكن بلاد الرافدين تحاول النهوض مجدداً لتستعيد دورها الإقليمي. تقول كتب التاريخ إن الشعوب المتجذرة في التاريخ والجغرافيا هي التي تبقى، ويرحل الطارئون. لنعد بالتاريخ مئة عامٍ إلى الوراء، سنفهم حقاً من هم المتجذرون الباقون، ومن هم الطارئون الذين سيرحلون حتما. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.





