الرئيسيةزواياأقلام واراءسمير غوشة.. حين يتحول القائد إلى ذاكرة وطنية ومدرسةٍ للأجيال محمد...

سمير غوشة.. حين يتحول القائد إلى ذاكرة وطنية ومدرسةٍ للأجيال محمد علوش

بعض الرجال لا يرحلون حين تغادر أرواحهم أجسادهم، لأنهم يكونون قد تجاوزوا حدود الزمن العابر، وتحولوا إلى جزء أصيل من ذاكرة شعوبهم، وإلى قيم ومبادئ وأخلاق تستمر في وجدان الأجيال التي عرفتهم، وعاشت معهم مسيرة النضال والتضحية والعطاء، ومن بين هؤلاء القادة الذين تركوا أثراً لا يمحوه الغياب، يبرز اسم الرفيق القائد المؤسس الدكتور سمير غوشة، الأمين العام السابق لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، الذي غادرنا في الثالث من آب عام 2009، بعد حياة حافلة بالكفاح الوطني والتضحية والعطاء الإنساني العميق.

تمر ذكرى رحيله، فنحن لا نستحضر مجرد تاريخ لفقدان قائد، بل نستعيد سيرة إنسان وقيمة ومدرسة، ونستعيد حضور رجل آمن بأن النضال ليس مهنة ولا موقعاً ولا امتيازاً، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الوطن والشعب والإنسان.

لقد كان الرفيق الدكتور سمير غوشة واحداً من أولئك القادة الذين صنعوا حضورهم الحقيقي من خلال قربهم من الناس، وثباتهم على المبادئ، وقدرتهم على الجمع بين صلابة الموقف السياسي ودفء العلاقة الإنسانية.

كانت علاقتي بالرفيق د. سمير غوشة من أجمل محطات العمر وأكثرها عمقاً وتأثيراً، فقد جمعني به طريق طويل من النضال والعمل الوطني، وتعلمت منه الكثير في مدرسة التجربة والممارسة، تلك المدرسة التي لا تبنى بالكلمات، بل بالمواقف والتضحيات.

تربينا على يديه في دروب العمل الوطني، ونهلنا من فكره وسلوكه ومواقفه معاني الالتزام والانتماء والوفاء، وتعلمنا أن المناضل الحقيقي هو الذي يجعل من حياته امتداداً لقضية شعبه، ومن سلوكه اليومي تعبيراً عن المبادئ التي يؤمن بها.

لم يكن بالنسبة لنا قائداً تنظيمياً فحسب، بل كان مدرسة نضالية وإنسانية متكاملة، تعلمنا منه أن القيادة الحقيقية لا تقاس بالألقاب والمواقع، وإنما بقدرة القائد على صناعة الأمل، وبناء الإنسان، ورعاية الطاقات الشابة، وحماية القيم التي من أجلها يخوض الإنسان معركة النضال.

كان الدكتور سمير غوشة نموذجاً للقائد الذي يجمع بين الفكر والممارسة، وبين الرؤية السياسية والعمق الإنساني، امتلك ثقافة واسعة ووعياً سياسياً متقدماً، لكنه ظل قريباً من الناس، متواضعاً في حضوره، بسيطاً في تعامله، كبيراً في عطائه، وكان يؤمن بأن القائد لا يعيش فوق شعبه، بل بينه ومعه؛ يحمل همومه، يصغي إلى صوته، ويشارك رفاقه وأبناء شعبه تفاصيل الطريق بكل ما يحمله من تحديات وصعوبات.

لقد تميز رفيقنا ومعلمنا الراحل بصفات وسجايا قلّ نظيرها؛ فكان هادئاً حين يحتدم النقاش، حازماً حين تتطلب المواقف وضوحاً وثباتاً، متسامحاً في علاقاته الإنسانية، ومخلصاً لقضيته وشعبه، امتلك قدرة استثنائية على بناء العلاقات القائمة على الثقة والاحترام، وكان قريباً من رفاقه وأبنائه، يحرص على دعمهم وتوجيههم، ويمنحهم الثقة التي تعزز قدرتهم على تحمل المسؤولية ومواصلة المسيرة.

ومن أعمق ما يميز تجربة سمير غوشة أنه لم يفصل يوماً بين الوطني والإنساني، ولا بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، فقد كان يرى أن حرية الوطن لا تكتمل إلا بتحرر الإنسان، وأن النضال من أجل فلسطين هو في جوهره نضال من أجل مجتمع أكثر عدلاً وكرامة ومساواة، لذلك بقي منحازاً دائماً إلى قضايا العمال والفقراء والفئات الشعبية، مؤمناً بأن الإنسان هو غاية أي مشروع تحرري ووسيلته في آن واحد.

أستعيد اليوم الكثير من المحطات والذكريات التي جمعتني به، تلك اللحظات التي حملت دائماً معنى القيم والمبادئ الصادقة والأبوة النضالية، فقد كان يقدم الدعم والإسناد، ويمنح الثقة، ويحرص على أن يرى في رفاقه امتداداً للمشروع الوطني والديمقراطي الذي ناضل من أجله، ولم يكن يخشى من بروز الأجيال الجديدة، بل كان يؤمن بأن القائد الحقيقي هو الذي يزرع في الآخرين القدرة على الاستمرار، ويحمل همّ المستقبل بقدر ما يحافظ على إرث الماضي.

وحين اشتد عليه المرض، وخاض معركته الأخيرة مع السرطان، بقي رفيقنا الحبيب وفياً للصورة التي عرفناه بها: الإنسان الصلب، والمناضل الذي لا تنكسر إرادته أمام الألم، كان يدرك أن الجسد قد يضعف، لكن الفكرة لا تموت، وأن الإنسان لا يقاس بطول بقائه، بل بحجم الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين، وفي الثالث من آب عام 2009، توقف قلبه عن النبض، لكنه لم يتوقف عن الحضور في ذاكرة رفاقه وشعبه.

لقد فقدت فلسطين برحيله قائداً وطنياً كبيراً، وفقدت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني أحد أبرز مؤسسيها وبناة تجربتها التاريخية، لكن الإرث الذي تركه بقي حياً ومتجدداً؛ إرث الالتزام الوطني، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والإيمان بالإنسان باعتباره جوهر كل مشروع تقدمي وتحرري.

إن الوفاء لسمير غوشة لا يكون بالبكاء على الغياب، بل بتحويل الذكرى إلى فعل ومسؤولية، وبالحفاظ على القيم التي حملها وناضل من أجلها، والوفاء له يكون بمواصلة الطريق نحو فلسطين حرة وديمقراطية، وبناء مجتمع تسوده العدالة والكرامة والمساواة، فالقادة الحقيقيون لا يغيبون، لأنهم يتحولون إلى جزء من الوعي الوطني، وإلى منارات تهتدي بها الأجيال القادمة.

سيبقى سمير غوشة حاضراً في وجدان كل من عرفه، وفي ذاكرة رفاقه، وفي مسيرة الجبهة التي ساهم في تأسيسها وبنائها، وفي كل موقع يحمل راية النضال الوطني والاجتماعي، وستبقى سيرته شاهداً على أن الإنسان يستطيع أن يتجاوز حدود عمره، حين يكرس حياته لقضية عادلة ولشعب يؤمن بحقه في الحرية والكرامة.

سلاماً لروحك أيها الرفيق القائد الدكتور سمير غوشة، سلاماً لمسيرتك التي علمتنا معنى الوفاء والثبات، وسلاماً للمدرسة التي أسستها، والتي سيبقى أبناؤها يحملون راية النضال من أجل فلسطين والحرية والعدالة الإنسانية.

في ذكرى رحيلك، نجدد العهد أن نبقى أوفياء للطريق الذي شققته، وللقيم التي آمنت بها، وللوطن الذي أحببته وناضلت من أجله حتى آخر لحظة.

 

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب